As Safir Logo
المصدر:

المدرسة والتلميذ..عنف يصفق له(1)

المؤلف: حرب طلال التاريخ: 1998-01-03 رقم العدد:7888

ما هو موقف التلاميذ من المدرسة بعد وضع الخطة التربوية الجديدة موضع التنفيذ؟ المسؤولون عن هذه الخطة المنتظرة والمطلوبة، لم يفسحوا، للأسف، للتلميذ للتعبير عن رأيه، لقد فكروا عنه، استمعوا الى آراء »الوزارات المعنية ونقابات المهن الحرة وجمعية الصناعيين ومصرف لبنان وتجمع رجال الاعمال وغرف التجارة والصناعة والمنظمات الدولية« لكنهم لم يستمعوا الى التلميذ، فرئيس المركز التربوي يقول انه يعمل على اعادة بناء القطاع التربوي »انطلاقا من الكتاب والمعلم والبرنامج وفقا للخبرات الدولية« اما وضع التلميذ في النظام التربوي وعلاقته بالمدرسة فلم تلحظهما الخطة التربوية الجديدة التي تتضمن مفارقة واضحة، فهي تؤكد على ابداع الطفل لكنها في الوقت نفسه لم تستمزج رأيه في شؤون المدرسة وشجونها، انها تتحدث عنه طوال الوقت، تتكلم باسمه، فهذا ليس بإبداع الطفل اذن، بل ابداع لنا نريد ان ينطق التلميذ به. واذا كنا نستبشر بعض الخير بقول رئيس المركز التربوي بأن »المناهج المقترحة هي مناهج منفتحة على عالم الحياة وتستقي كثيرا من موضوعاتها من بيئتي البيت والمجتمع« الا اننا نرى ذلك غير كاف، ولا نعتقد انه سيتصدى لعنف كثير ومتعدد الوجوه يتعرض له التلميذ إبان حياته الدراسية. وهو عنف يهدد فعلا بإفراغ الخطة التربوية من مضمونها بالنسبة الى عدد كبير جدا من التلاميذ عبر ظاهرتي الرسوب والتسرب اللتين اشار اليهما التربويون. واستكمالا للخطة التربوية وانسجاما مع ترحيب القيمين عليها بكل رأي مفيد وناجح، نحاول في هذه المقالة رصد بعض ما يعانيه التلميذ وما يتعرض له من عنف، وبالرغم من اننا قد ارتكزنا فيها على كلام صادر من التلاميذ انفسهم، الا اننا نعتقد ان هذه المقالة لا تغني عن دراسة ميدانية ترصد علاقة التلاميذ بالمدرسة في جوانبها كلها. بدءا نلاحظ ان المدرسة تشبه، اليوم، الى حد بعيد، المصنع إبان الثورة الصناعية. انها مكان تبذل فيه الجهود الكثيفة وينتظر بالمقابل الحصول على نتائج باهرة؛ وكأن المدرسة لا تقدم لتلاميذها الا العلم، ولذلك نرى ان نجاحها يقاس بنسبة نجاح تلاميذها في الامتحانات الرسمية. لقد تحولت المدرسة من وسيلة الى غاية، وحددت كل مدرسة لنفسها مواصفات خاصة تشتهر بها، ونسي كثيرون ان المدرسة نبع للعلم والرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية، ولم يقرأ العديد من المسؤولين التربويين، على ما يبدو، قول ريجيس دوبريه: »الاستاذ ليس مرسلا، والتلميذ ليس مستقبلا، والمعرفة ليست معلومة، والحقيقة ليست معطى«. وانخرط الكثيرون في سعار رهيب لا علاقة له اطلاقا بالمفهوم الحقيقي للمدرسة، بل غرضه تحقيق نسبة نجاح عالية، نسبة النجاح الاعلى، نسبة المئة بالمئة. وسنتوقف عند بعض المحطات اللافتة للنظر في علاقة التلميذ بالمدرسة. يسحب آلاف التلاميذ من فراشهم سحباً، ويرغمون على النهوض عند السادسة صباحا، وقبلها في احيان كثيرة، كي يكونوا بانتظار حافلة المدرسة، التي تدور بهم وتدور لتجمع التلاميذ كافة وتصل بهم الى المدرسة عند الثامنة، او السابعة والنصف. تكثر التمارين في معظم الكتب، ويتعمد بعض المعلمين الإكثار من تمارين المنزل، وتشتهر بعض المدارس بكثرة الواجبات المنزلية، بحيث لا يكاد التلميذ الطفل يجد متسعا للهو واللعب، وهذا حقه. لذلك نرى بعض الاهل يسهمون في حل واجبات ابنائهم المنزلية شفقة بهم ورحمة. مُنع الضرب في المدارس فبات التلاميذ غير النشيطين عرضة لسيل من الكلام الزاجر والجارح (غبي احمق فاشل متخلف) هذا اذا لم تستعمل كلمات اخرى نابية. وهذا الكلام اخطر من الضرب بكثير لأنه يتجاوز الناحية العلمية ليصيب شخصية التلميذ بكاملها، ومع تكرار هذه الملاحظات القاسية قد يقتنع التلميذ نفسه بهذه النعوت، وتنمو لديه شخصية سلبية، وقد يحقد على المعلمين ويكره المدرسة وينمي شخصية عدائية. تعيّن معظم المدارس الامتحانات الشهرية او الفصلية بعد العطل المدرسية مباشرة، سالبة بذلك حق التلميذ بالعيد، وفارضة على طفل او يافع العمل (الدرس) ايام العطلة. هذه أمثلة على العنف الذي يتعرض له التلميذ في مدرسة اليوم. فالعنف ليس الضرب فقط، بل هو الضغط الجسدي او المعنوي. وقد عرّفه أ. بيرو على الوجه التالي: العنف يحدث كلما لجأ شخص او جماعة لهم قوتهم، الى وسائط ضغط بقصد ارغام الآخرين على اتخاذ مواقف لا يريدونها، او على القيام بأعمال ما كانوا، لولا ذلك، قاموا بها«. ومن المعروف ان العنف التربوي يسهم مساهمة فعالة في تكوين الشخصية السلبية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية، وقد يؤدي الى تكوين عقد ذنب وانتاج الشخصية العصابية. وفي الواقع ينبغي ألا تقتصر التربية على الناحية العلمية، بل تعتني بالجوانب النفسية والاجتماعية والصحية. ومن الامور الخطيرة في نظامنا التربوي تركيزه الشديد على النجاح وعلامات التلميذ. وهو ما نلحظه في معظم مدارسنا التي تحولت الى عبء، بكل ما في الكلمة من معنى، عبء مادي، ومالي، وصحي ونفسي واجتماعي. كابوس المدرسة المدرسة عبء مادي، بالمعنى الحرفي للكلمة، فحقيبة التلميذ ثقيلة الوزن يحملها بصعوبة وتأفف، ويستطيع كل مٍَن يمر امام مدرسة ساعة خروج التلاميذ ان يرى بوضوح الآباء والامهات يحملون حقائب اولادهم فيما يعدو هؤلاء الاولاد فرحين مرحين لتخلصهم من عبء حقائبهم. ومن اوضح الأدلة على ثقل حقائب التلاميذ قيام بعض المصانع بإنتاج حقائب لها عجلات كي يجرها التلميذ بدلا من حملها. ويدفع هذا الحمل السمج كثيرا من التلاميذ الى ترك كتب او دفاتر في المنزل، وادعاء النسيان او الجهل او غير ذلك من اساليب ملتوية. والمدرسة عبء مالي، فالأقساط المدرسية في المدارس الخاصة كابوس ثقيل يلتهم قسما كبيرا جدا من ميزانية العائلة، ويقول البروفسور منير ابو عسلي ان »نفقات التعليم سجلت منذ عام 1988 أعلى نسبة ارتفاع ضمن المؤشر العام لغلاء المعيشة اذ تضاعفت زهاء 30 مرة (...) وبلغت حدودا بات من غير الممكن او الجائز تجاوزها«. ولا شك في ان لهذا العبء المالي انعكاسات خطيرة في الحياة العائلية، فلا يعود بإمكان الاهل تلبية العديد من مطالب الطفل (شراء لعبة الاكل في مطعم، الحصول على مبلغ جيد للمصروف اليومي او الاسبوعي) فيحرم من بعض مباهج الحياة. وسيسمع هذا الطفل او الولد حتما تذمر الاهل وشكواهم من ارتفاع الاقساط وعبء الدراسة، الامر الذي يولّد لديه صورة سلبية عن المدرسة قد تدفعه الى النفور من الدراسة، والمدرسة عبء صحي، فالطفل الذي يضطر الى النهوض باكرا (والولد أو الفتى أيضاً) يحرم من وقت ضروري للنوم. ومن المعروف ان نسبة كبيرة من الاشخاص تحتاج اضافة الى عدد من ساعات النوم، الى وقت لاستعادة النشاط عند الاستيقاظ »فقد بلغ متوسط نوم الذين تتراوح اعمارهم بين 9 و12 سنة 32،9 ساعة في الليلة الواحدة (...) اما عند الاستيقاظ صباحا فقد قرر 28$ فقط انهم يكونون تامي اليقظة والصحو، في حين أشار 15$ الى انهم يحتاجون الى ساعة كاملة او اكثر للصحو واليقظة«. وهذه امور لا تتوافر لتلاميذ المدارس،، وقد يكون لهذا النهوض المباغت والقسري انعكاسات وتأثيرات سيئة في نموهم الجسدي والنفسي العصبي، ونظرتهم الى المدرسة. ويصرّح عدد كبير من التلاميذ بسرورهم الشديد بالعطلة لأنها تتيح لهم النوم صباحا، ولا يقتصر هذا الشعور على التلاميذ فقط، بل يتعداهم الى المعلمين أيضا إذ يعاني العديد منهم من اضطرارهم الى الاستيقاظ باكرا، ويفتقدون النشاط الضروري للتدريس في الساعات الأولى. والمدرسة عبء نفسي إذ يعيش الطفل فيها ازدواجية كبيرة، ففي المدرسة يتعلم بالفصحى وباللغة الأجنبية ويدرس مواد جافة بشكل جاف، ويسمع هجوما حادا على التلفاز الذي يحبه ويطرب له؛ وفي البيت يستخدم العامية ويلهو بالوسائل السمعية البصرية. ولذلك يضطر التلميذ الى الكذب أمام معلميه فيدعي أنه لا يشاهد التلفاز ويعتاد الكذب وقد ينمو لديه شعور بالإثم لأنه يقترف ما يحرّمه المعلمون، وشعور بالغباء لأنه يعجب ببرامج التلفاز ويأنف من كتب المطالعة في حين يركز المعلم على تفاهة التلفاز وأهمية كتاب المطالعة. وعلى وجه الإجمال يمكن القول إن المدرسة أكثر تخلفا بكثير من المجتمع الذي توجد فيه، في حين أن من الواجب ان يكون النظام التربوي صورة عن المجتمع، وصورة أكثر تقدما كي يساعد في تقدم ذلك المجتمع. والمدرسة عبء اجتماعي لأن الأقساط المدرسية تفرز الأجيال الصاعدة، فبعض المدارس لا يدخلها إلا أبناء طبقة معينة، وأولاد الطبقة الشعبية لا يستطيعون التعلم إلا في المدرسة الرسمية، بل إن الناس يرون علاقة وثيقة ما بين حالة الأهل الاجتماعية ومدرسة الأبناء، وهي صورة غير صحيحة في كثير من الأحيان، وتكبد الأهل العديد من التضحيات والأعباء. ويلاحظ أن المدرسة تركز جهودها على العلم، فلا تهتم كثيرا بالنواحي الفنية والرياضية والاجتماعية، بل إن من المدارس من يخفف من حصص الرياضة والفنون ويكرسها للمواد العلمية، ومن المدارس من يلغي هذه الحصص أو يوكل تعليمها الى معلمين غير متخصصين لإكمال العدد المقرر من ساعات تعليمهم أو لعدم وجود معلمين متخصصين، فتتحول هذه الحصص إلى أوقات راحة للمعلم ولهو غير مجد للتلميذ، كما تفتقر بعض المدارس الى الملاعب المؤهلة للنشاطات الرياضية واللوازم الضرورية للرياضة والفنون، فتغيب الفرق الرياضية عن العديد من المدارس، وتندر المعارض الفنية المدرسية، فلا عجب أن نجد الرياضي العربي يقصّر في الألعاب الأولمبية ولا يحرز النتائج الباهرة إلا أفراد قلائل وبفضل مبادرات ذاتية. ويسهم هذا الواقع في إضعاف رغبة التلميذ في الإقبال على المدرسة، وتكوين صورة ذميمة عنها. د. طلال حرب (يتبع)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة