As Safir Logo
المصدر:

رد بعض الشبهات عن ولاية الفقيه

المؤلف: المقداد محمد توفيق التاريخ: 1998-01-08 رقم العدد:7892

كثرت في الآونة الاخيرة كتابة مقالات متعددة بأقلام صحفيين وغيرهم حول مسألة »ولاية الفقيه« بعد الذي جرى في إيران الاسلام من جدل حولها. وبما ان أغلبية تلك المقالات تضمنت مغالطات واضحة كان لا بد من التصدي لبيان مسألة ولاية الفقيه وتوضيح أدلتها ودورها في الفقه الجعفري بالخصوص الذي يمتاز من بين سائر المذاهب الاسلامية بهذه المسألة وبصيغتها المطروحة. وفق المذهب الجعفري فإن الأصل الأولي في مسألة الولاية هو (أنه لا ولاية لأحد على أحد) وبعد أن ثبتت الولاية لله بقيام الأدلة العقلية على وجوده ووحدانيته وخالقيته، ثبتت الولاية للنبي محمد (ص) بعد إرساله كهاد للبشر من أجل تصحيح المسار، اذ لا يُعقل أن يمارس دوره القيادي من دون ولايته على الناس والأمة. هنا بعد رحيل خاتم الأنبياء (ص)، وقع الانقسام بين المسلمين، وأخذ الفقه الجعفري والمذهب الإمامي بأطروحة »النص«(*) القائلة بأحقية »علي«(ع) في الخلافة، ومن بعده لولاية »الحسن والحسين«(ع)، ومن بعدهما لأبناء الحسين(ع) واحدا بعد آخر الى أن تسببت الظروف بغياب الإمام الثاني عشر »المهدي المنتظر«(عج) في غيبة طويلة يخرج بعدها يملأ الأرض عدلا وقسطا بعد أن تكون قد مُلئت ظلما وجورا. في زمن الغيبة الكبرى قالت الإمامية وفق فقهها ب»الولاية للفقيه«، وبأن الولي الفقيه هو »نائب الإمام الحجة«(عج)، وهو المخوّل بإدارة شؤون الأمة الاسلامية في السلم والحرب، وهو الذي يتحمل مسؤولية الإشراف والدفاع عن المقاصد الأساسية للشريعة. وهذا الطرح هو الذي ينسجم مع أطروحة »النص« القائلة بالولاية للإمام المعصوم(ع)، وذلك لأن القيادة حاجة دائمية ومستمرة للبشرية ولا يُعقل أن تخلو حياة الناس منها، وبغياب المعصوم عن ساحة الأحداث مباشرة، كان لا بد من تعيين من ينوب عنه لكي يتسلم مهام الأمور بعده، وأقرب الناس الى المعصوم هو »الفقيه« الذي وصل الى مرحلة الاجتهاد التي تجعله مستوعبا لكليات الشريعة ومقاصدها وكيفية استخراج الأحكام الشرعية في مفردات القضايا المختلفة من المصادر الأساسية للتشريع وهما »القرآن والسّنة« مع فهم العصر والواقع. من هنا يكون ثبوت الولاية للفقيه بعيدا عن كونه بدعة كما يحاول البعض من المشككين أن يصور ذلك، وليس أدل على صحة هذا الأمر من السيرة النبوية الشريفة، حيث نجد ان النبي(ص) لم يكن نبيا مبلغا وهاديا فقط، بل كان قائدا دوليا للناس بوصفيهم »الفردي والاجتماعي« كما قال الله سبحانه (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)، وهكذا كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، وهكذا باقي الأئمة(ع) وإن لم يتمكنوا من الحكم فعلا بسبب إقصائهم عن ممارسة ذلك الدور من جانب السلطتين الأموية ثم العباسية اللتين مارستا السلطة باسم الخلافة للنبي(ص). والولاية للفقيه تنسجم ايضا مع أصول العقيدة الاسلامية التي تفرض على أتباعها نظاما معينا في السلوك والتصرف، والعقيدة محتاجة دائما الى الراعي المسؤول عن حمايتها وعن التزام الناس بها، ولذا يكون الفقيه هو المخوّل والمفوّض اليه القيام بهذه المهمة الأساسية، لأنه أجدر الناس على توليها والقيام بمتطلباتها، ويكون وجوده على رأس السلطة في الإسلام هو الضمان وفق الشروط الشرعية المعتبرة فيه من الاجتهاد والعدالة والورع والزهد في الدنيا والكفاءة والقدرة على الإدارة والتنظيم وفهم الواقع المعاصر وغير ذلك من الصفات التي تجعله الأمين المؤتمن على الإسلام والأمة معا. والذي يؤكد ضرورة ان تكون الولاية في الاسلام للفقيه دون غيره هو ما رأيناه من التنازع والتقاتل المستمرين في العالم الاسلامي بعد إقصاء أطروحة »النص« حيث صار هذا المنصب مطمعا لكل طامع من دون التزام الضوابط الشرعية، أو عبر توسيع دائرة الشروط هذه لتشمل ولاية الحاكم الجائر كما هو الموجود في بعض الفتاوى عند بعض المذاهب الاسلامية، حيث تحرم الخروج على الحاكم ولو كان جائرا ومنحرفا عن الصراط المستقيم. ولهذا نقول ان القول بالولاية للفقيه لا ينسجم أبدا مع الطرح الذي يذهب الى فصل الدين عن السياسة لأن هذه الفكرة ليست من الاسلام بشيء، بل هي بعيدة كل البعد، وبعض التعليقات الواردة على ولاية الفقيه منطلقة من أطروحة الفصل التي لا وجود لها في الإسلام لأنه دين متكامل يشمل كل نواحي الحياة، وفكرة الدمج بين الدين والسياسة هي من صميم الإسلام وأساسه، والحاكم المسلم يجب ان يتمتع بالمواصفات التي تجعله أهلا لقيادة المسلمين من الناحيتين الدينية والدنيوية كما كان رسول الله(ص) والخلفاء بعده وبالأخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)، ولذا قال الإمام الخميني المقدس (سياستنا عين ديانتنا، وديانتنا عين سياستنا). وأما القول بأن الخلاف الحاصل اليوم هو بين (ولاية الأمة) و(ولاية الفقيه) فهذا مما لا مُحصّل له، لأنه لا خلاف بين الولايتين خاصة في عملية انتخاب السيد القائد الخامنئي(دام ظله) وذلك لأن صيرورته في موقعه كولي فقيه جاءت ثمرة هذا الاندماج بين الولايتين، وذلك لأن الأمة هي التي انتخبت »مجلس الخبراء« الذي عيّن بدوره السيد القائد بعد انتخابه وليا، وأما اذا كان المراد من ولاية الأمة هو اعطاؤها الصلاحية المطلقة للتنصيب والعزل مع غض النظر عن الشروط الشرعية المطلوب توافرها في الولي فهذا مما لا ينسجم مع الضوابط والقواعد الاسلامية التي تعطي الأمة حق الإشراف على مسيرة الولي عندما لا يعود متمتعا بالمواصفات والشروط، او عندما ينحرف في إعمال ولايته عن جادة الحق والصواب، لكن الأمة لا تملك الحق المطلق في العزل عندما لا يحيد الولي عن الضوابط في ولايته وتصرفاته وخصوصا أن الولي بعد انتخاب الأمة له مباشرة او عبر ممثليها يصبح ذلك الولي نائبا للإمام المعصوم(ع) لا ينعزل الا بمخالفة القواعد والضوابط. وما يحاول البعض تمريره على طريقة ان الإمام الخميني المقدس صاغ النظرية بطريقة تحفظ له دوره القيادي في الأمة عبر الجمع بين الوظيفة الدينية والوظيفة السياسية فهذا الكلام لا يستحق الرد العلمي أكثر من غيره، لأن مرد هذا الكلام الى اقتباس الكاتب عن أطروحة الفصل التي سبق ان فندناها في هذه المقالة، وليس في توحيد الوظيفتين اعتداء على فصل السلطات كما يصور الكاتب ذلك، لأن فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية ليس من الإسلام في شيء، بل هو نتاج المعركة بين الكنيسة والتقدم العلمي في الغرب الذي انتصر عليها وأقصاها عن ممارسة أي دور في أمور السلطة الزمنية وحصرها ضمن جدران الكنائس وأماكن العبادة لا غير. والخلاف حول ولاية الفقيه وحدود سلطته ليس خلافا بين الشعب والأيديولوجيا كما يحاول الكاتب ان يصور ذلك، بل ضمن الأيديولوجيا الاسلامية يوجد دور مهم للشعب من خلال رقابته وإشرافه ومتابعته لقيادة الولي، وان رأى ان قيادته لا تستجيب ولا تلبي حاجاته او تقصّر في ذلك مع إمكانية القيام بها، فللشعب في النظرية الاسلامية حق العزل من خلال نفسه او من خلال ممثليه وهم »مجلس الخبراء« كما في التشريع المعمول به حاليا في إيران والذي يجمع بين حق الشعب وحق الأيديولوجيا التي تحكم مسيرته وواقعه. وأما القول بأن الذي حصل بعد وفاة الإمام الخميني المقدس هو بدعة حيث تم ترفيع الإمام الخامنئي »دام ظله« الى رتبة »آية الله« فهذا مما تكذبه الوقائع وشهادات كبار العلماء في الحوزة العلمية في كل من قم وطهران وغيرهما التي تشهد باجتهاد سماحة القائد ودقته في استنباط الأحكام، ونحيل مطلق هذا الزعم الى ما كتبه آية الله السيد »محمود الهاشمي« في كتيب منشور حديثا (نظرة جديدة في ولاية الفقيه)، ويرد هذا الزعم طرح الإمام الخامنئي »دام ظله« للمرجعية من كبار العلماء والمجتهدين، وكتاباته الفقهية وأجوبته للمستفتين هي الرد العملي الذي يُبطل ذلك الزعم من أساسه. وأما تشبيه النظام الاسلامي بالأنظمة الشيوعية على النمط اللينيني او الستاليني او الماوي الا كلام أجوف لا يصدر عن كاتب يحترم قلمه وكتاباته، فأين وجه الشبه بين النظامين، فالشيوعية كفر وإلحاد، بينما النظام الاسلامي قائم على أساس الإيمان بالله واعتباره المصدر الوحيد للتشريع والتقنين، والنظام الشيوعي قائم على استبداد فئة أقوى من غيرها بالحكم وفق معادلات معينة، بينما الحكم الاسلامي قائم على العدل والمساواة والانضباط ضمن الحدود التي تفرضها الشريعة. وأكبر دليل على رد كلام هذا الكاتب هو هذا الحوار الجاري في إيران إذا لم يكن المقصود منه إثارة الفتنة، ومسألة ولاية الفقيه هي بحث تطرق إليه ويتطرق إليه الفقهاء حتى الآن في الحوزات، وفي المسألة آراء متعددة ولم تتعرض الدولة لأي منهم طالما أن النقاش فيها ضمن الأطر المناسبة والأماكن المعدة لذلك من دون وجود نية تعكير الأجواء او تهييج الحالة الشعبية للثورة على الدولة والنظام. لذا فإن هذا الكلام ليس صادرا عن حريص بالطبع لكنه صادر عن إنسان رضي أن يبيع كلامه ومواقفه للأعداء والمستكبرين وعملائهم. لذا نقول في خاتمة المطاف ان الفقيه له الولاية بمعنى السلطة وهو من الناحية التنفيذية مسؤول عن إدارة أمور الأمة كالنبي(ص) والإمام المعصوم(ع) وان كان كل من النبي(ص) والإمام المعصوم(ع) متمتعين بصفة العصمة التي يفتقدها الفقيه، الا ان الشرط البديل عنها هو »العدالة« التي تعني وجوب ان يكون الولي الفقيه ملتزما بالأحكام الاسلامية لكي يكون ذلك وسيلة من وسائل اطمئنان الأمة له بالشخص ولقيادته بالدور الذي يقوم به. (*) المراد ب»النص« هو »من كنت مولاه فهذا علي مولاه« وهو كلام النبي(ص) في غدير »خم« المعروف بين مكة والمدينة، عندما جمع المسلمين بعد عودته من الحج المسمى ب»حجة الوداع«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة