As Safir Logo
المصدر:

مناقشة لكي يحفظ الدين

المؤلف: مرتضى محمد التاريخ: 1998-01-07 رقم العدد:7891

وردت في صحيفة »السفير« بتاريخ 10/12/1997 مقالة بعنوان »إجماع الأمة او إجماع الفقهاء« للدكتور وجيه قانصوه، الذي اعتبر في ختامها ان ما جاء في مقالته هو وجهة نظر حبذا لو تناقش. ومن هنا، وتلبية لدعوته كانت لنا هذه الملاحظات التي نتمنى ان يتقبلها الكاتب بصدر رحب وعقل منفتح. أولا في المنهج: تعاني المقالة المذكورة من خلل منهجي واضح ويمكن إختصار هذا الخلل في نقطتين: 1 العمومية: اختلف المسلمون حول الإجماع لناحية الحجية، فبينما اعتبره المسلمون من أهل السنة أصلا ودليلا مستقلا مقابل الكتاب (القرآن) والسنة (الحديث النبوي)، اعتبره الإمامية (الشيعة) انه لا موضوعية له في الفقه ولا حجية له في نفسه، وان حجيته إنما تنبع باعتبار كاشفيته عن الحجة التي هي قول المعصوم أو فعله او تقريره، فهو ينتهي الى الدليل الثاني أي السنة. وهذا الاختلاف في أصالة الإجماع او حجيته ادى الى الاختلاف في معيار وشروط انعقاده، فاعتبر بعض أهل السنة ان الإجماع هو اتفاق أمة محمد(ص) خاصة على أمر من الأمور وهو ما ذهب اليه الغزالي والشافعي وابن قدامة، بينما ذهب آخرون الى ان انعقاده يتم باتفاق أهل الحل والعقد وهو ما ذهب اليه الآمدي والحاجبي. وذهب قول ثالث الى انعقاده بقول الأكثرين من أهل العصر وهو قول محمد بن جرير البصري وأبو بكر الرازي، بينما ذهب مالك الى انعقاده باتفاق أهل المدينة (المنورة) فقط. اما أحمد بن حنبل والشوصماني وبعض االمعتزلة فقد نفوا أي وجود للإجماع(1). أما الإمامية فقد اتفقوا جميعا ان حجية الإجماع تنبع من كونه كاشفا عن قول المعصوم ورضاه سواء استكشف من الكل او باتفاق جماعة. فلا عبرة للعدد في حجيته. فقول المئة مع عدم كشفهم يسقط أمام قول اثنين إذا حصلت الكاشفية. ان هذا الاختلاف الجوهري في معنى الإجماع وحجيته يحتم على الباحث الإشارة اليه بداية ليصوب به بحثه ونقاشه. فلا يصح إطلاق النقاش بهذه العمومية مع وجود هذا الاختلاف الجوهري. ان هذه الاشكالية المنهجية أفقدت مقالة الدكتور »قانصوه« الدقة وطبعتها بطابع العمومية التي أدت الى إصابتها بالعقم. 2 عدم الاستقصاء: اختلف المسلمون في دليل الإجماع، كما اختلفوا في معناه وحجيته. فالمسلمون من أهل السنة استدلوا عليه بطرق ثلاث: أ القرآن: وقد استدلوا بعدة آيات إحداها قوله تعالى: »ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا« (سورة النساء آية 115). ب السنة: ومنها »لا تجتمع أمتي على ضلالة« وهو الحديث الذي ذكره الكاتب. ومنها أيضا: »من فارق الجماعة ومات، فميتته جاهلية« وغيرهما. ج العقل: وخلاصته ان اجتماع الجم الغفير من أهل الفضل والذكاء مع استفراغ وسعهم في النظر والبحث لطلب الحكم، يمتنع في العادة اتفاقهم في الخطأ(2) لأنه يلزم منه التكليف بما لا يطاق. وهذه الأدلة الثلاث قلما تجد كتابا أصوليا لم يذكرها حتى يلفت اثني عشر وجها. أما الإمامية، فعلى اختلاف أدلتهم في إثبات الحجية، فإنها على الأغلب تعود الى مباحث عقلية. ويمكن ردها الى أربع طرق: أ طريقة الحس: وتسمى بالإجماع الدخولي. وخلاصته ان حجيته تتوقف على دخول المعصوم بين المجمعين. ب قاعدة اللطف: ومقتضاها الاستكشاف عقلا بأن اجتماع العلماء على حكم يخالف الحكم الواقعي يقتضي، وفق قاعدة اللطف، تدخل المعصوم للتصويب والا لزم سقوط التكليف بذلك الحكم، أو إخلال الإمام بأعظم ما نصب لأجله وهو تبليغ الأحكام المنزلة. ج طريقة الحدس: ومقتضاها القطع بكون ما اتفق عليه فقهاء الإمامية وصل اليهم من إمامهم يدا بيد، لأن اتفاقهم برغم اختلافهم في بعض المسائل يعلم منه ان الاتفاق كان مستندا الى رأي المعصوم لا عن اختراع للرأي. د طريقة التقرير: وهي ان يتحقق الاجماع بمرأى ومسمع من المعصوم مع إمكان ردعهم ببيان الحق ولو بإلقاء الخلاف بينهم، الأمر الذي يكشف عن إقرار المعصوم لهم في ما اتفقوا عليه. خلاصة الأمر ان حصر دليل الإجماع من قبل الكاتب بالحديث النبوي »لا تجتمع أمتي على ضلالة« ومن ثم الدخول في مناقشة دليلية الدليل على الإجماع (إجماع الفقهاء) وتبني رؤية معينة حول معناه، لا تخلو من مجازفة ظاهرة، لا سيما مع رفض البعض له، وتشكيك البعض الآخر فيه سندا ودلالة، كما سنوضح ذلك لاحقا. ان أصول البحث العلمي الموضوعي عند مناقشة قضية معينة، تستلزم استقصاء الأدلة ومناقشتها، لأن ذلك من شأنه أن يعطي متانة للاستدلال واقوائية للدليل واستيعابا للفكرة من مختلف جوانبها. ثانيا بين الإجماع والنص: يقول الكاتب: »خصوصية الإجماع أنه ليس وحياً لا يصدر عن إرادة عليا او سلطة لها حق الطاعة، حتى يكون الإجماع بذلك ملزما بعنوان الانقياد والامتثال«. ان ما تقدم حول اختلاف معنى الإجماع يؤدي الى بطلان ما ذهب اليه الكاتب، على الأقل وفق رؤية الإمامية لحجية الإجماع، لأن سلطة الإلزام عندهم انما تنبع من كاشفية الإجماع عن رأي المعصوم لا من مجرد الاتفاق، فإن ذلك يعني ان الحكم المجمع عليه صادر عن سلطة لها حق الطاعة وبالتالي يكون ملزما بالانقياد والامتثال له. وقد يناقش كلام الكاتب أيضا من وجهة نظر أهل السنة: لأن قوله »ولا تنبع إلزامية من اجتهاد المجتهد المرتكز على الدليل المتين، ليكون مدار الحجية فيه متانة الاستدلال وقوة الحجة.. بل الإجماع عبارة عن التقاء الآراء حول مسألة من المسائل، فهو إجماع الإرادات لا إرادة الإجماع..« محل نظر من جهتين: الأولى: إن كون الإجماع هو إجماع الإرادات لا إرادة الإجماع انما يعني ان هؤلاء العلماء الذين تشكلت من آرائهم عناصر الإجماع، اجتهدوا، من دون وجود رابطة بينهم، وأعملوا قدراتهم الاستنباطية وإمكاناتهم العقلية بشكل فردي ثم توصلوا الى نتيجة واحدة. وعليه فإن اجماعهم متأخر عن دراستهم للنص وتحليله وبالتالي تأخر سلطة الإجماع عن اجتهادهم. وأمام هذه القضية يصبح كلام الكاتب بأن »الإجماع يخرج المعنى من حيز التفكير والتحليل ومن سلطة العقل« في غير محله. نعم قد يكون لكلام الكاتب وجه من جهة الجيل الذي يعيش في الزمن الذي يلي عصر المجمعين. أي اولئك الذين يعيشون بعد تحقق الإجماع. الا ان هذا الوجه مندفع جزئيا بالجهة الثانية من البحث: الثانية: ان الاتفاق مع عدم الرابط بين المجمعين (إجماع الإرادات) أقرب الى القبول وأقوى في الحجة من الاتفاق مع وجود الرابط (إرادة الإجماع)، لأن الاتفاق الأول يكشف عن وجود ملاك له من نص او غيره، اما الثاني فيحتمل فيه ان يكون معللا بأمر غير ما هو الواقع. الا ان ذلك قد ينطبق فقط على اجماع المتقدمين الذين عاشوا بعيد عصر التشريع ممن عاصر المعصومين او عاصر أتباعهم. وبالتالي فان اجماع هؤلاء المتقدمين موجب للحدس القطعي بوجود نص معتبر دائر بينهم (كل بحسب مبانيه الفقهية والاجتهادية) او معروفية الحكم في عصر التشريع. ان ذلك يحصر حجية الإجماع في طبقة المتقدمين من دون إجماع العصور الأخرى. وكلما ابتعدنا عن عصر هؤلاء يضعف احتمال صحية الأخذ بالإجماعات التالية، وفق حساب الاحتمالات الذي قرره الشهيد السيد محمد باقر الصدر. وبالتالي فان كلام الكاتب بأن اجماع كل عصر حجة على عصره لا وجه له. ثم يتابع الكاتب فيقول: »فالإجماع يخرج المعنى المنتج والمجمع عليه من مساحة الممكن ليعمده بالضرورة الممتنعة على المخالفة.. فهو اي الإجماع لا يناقش الفكرة ولا يعقلن المعنى ولا يعنى باقوائية الدليل..« فهو يقول: »ان الفرق بين الإجماع وبين الكتاب والسنة، ان المعنى في الكتاب والسنة مختزن في النص، ولا يتحدد الا بمنهجية تحليل وقدرات المستنبط، فالنص حقل للإمكانات العقلية ولمنهجيات القراءة والتأويل.. اما الإجماع، فإنه يخرج المعنى من حيز التفكير والتحليل ومن سلطة العقل، ليكتسب المجمع عليه مقبولية مطلقة، ويتحول.. الى حكم ما قبلي«. وهذا الكلام لا يمكن التسليم به بشكل مطلق، لان ما أورده على الإجماع يرد ايضا، الى حد ما، على الكتاب والسنة. فكون الكتاب والسنة خاضعين لتحليلات وقدرات المستنبط لا يعني خضوعهما مطلقا لاستعلائية العقل ومزاجيته من دون ضوابط وروادع يحكمان تحليله وعمله. فضرورات الدين، على سبيل المثال، فوق سلطة العقل. بل ان الكثير من المعتقدات والأحكام لدى كل طائفة مما كان دليله نصا واضحا، ممتنع بالضرورة على المخالفة، لان فهم النص خاضع للظهورات اللغوية والاستظهارات العرفية. وبالتالي فان الكثير من النصوص خصوصا العبادية منها تقع فوق المنهجية العقلانية وفوق سلطة العقل، بل هي حاكمة على العقل نفسه. ومن هنا كان الحديث المشهور عن المعصومين: »ان دين الله لا يصاب بالعقول«. ثالثا بين الدليل والاستدلال: يعتبر صاحب المقالة ان ثمة مسافة بين المعنى الاصطلاحي للإجماع والذي قال انه »اتفاق المجتهدين على أمر من الأمور الدينية« وبين دلالة النص الذي أنشأ شرعيته ومنحه سلطة الإلزام. حيث اعتبر ان أشهر تلك الأدلة واكثرها اعتمادا هي رواية »لا تجتمع أمتي على ضلالة (او خطأ)«. اما في ما يتعلق بما اسماه »المعنى الاصطلاحي« فهو مشكل. لان تعريف الاجماع عند اهل السنة مختلف فيه كما تقدم. اما عند الإمامية فسلطة الإلزام لا تنبع من نفس الاتفاق بل من كونه كاشفا عن رأي المعصوم. وعليه فان اعتبار التعريف الذي قدمه الكاتب هو المعنى الاصطلاحي للاجماع لا يخلو من مصادرة. اما حول دليل الاجماع، فقد تقدم الكلام فيه ايضا، ولا ينفع في دفع الإشكال قوله عن الحديث بأنه أشهر الأدلة وأكثرها اعتمادا، لما عرفت ان ما من احد اقتصر في دليله على الحديث المذكور. وعلى أي حال، فان الإمامية لم يثبت لديهم هذا الحديث. اما أهل السنة فانه ضعيف عندهم حسب موازينهم في الجرح والتعديل. وقد ذكر الشهيد السيد محمد باقر الصدر أنه ورد بكتبهم بصيغتين: } الاولى: عن أبي خلف الأعمى عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله يقول: »... ان أمتى لا تجتمع على ضلالة«(4). وأبو خلف الأعمى هذا قد شهد بضعفه جملة من علمائهم، وقد قال بعضهم ان هذا الحديث جاء بطرق في كلها نظر. } الثانية: عن قضمضم عن شريح عن أبي مالك الأشعري انه قال: قال(5) رسول الله »ان الله اجاركم من ثلاث ضلال:... وان لا تجتمعوا على ضلالة« وقضمضم الناقل للحديث محل خلاف عندهم من حيث الصحة وعدمها. أما شريح الذي ينقل عنه قضمضم فهو وان كان قد شهدوا بوثاقته الا انه نقل الحديث عن أبي مالك الأشعري، ومن المظنون بشكل قوي، انه لم يدرك أبا مالك، وهناك من يشكك في أصل رواية شريح مباشرة عن الصحابة. فقد نقل عن محمد بن عوف أنه سئل هل سمع شريح اصحاب رسول الله(ص)، فقال لا أظن ذلك، كما صرح أبو حاتم ان كل ما يرويه عن أبي مالك الأشعري فهو مرسل(6). وبسبب المناقشة في سنده، ادعى البعض تواتر الحديث معنويا، وفي هذه الدعوى مناقشة أيضا. وذهب آخرون الى انه على رغم عدم ثبوت تواتره، الا ان تلقي الأمة له بالقبول، يلزم منه ثبوته، وفي ذلك مناقشة أيضا. ففضلا عن ان الاحتجاج بثبوته بتلقي الأمة له بالقبول احتجاج بالإجماع وهو غير ثابت بعد فهو إثبات للشيء بنفسه. فان بعض المسلمين، كالإمامية والظاهرية والخوارج بل وبعض المعتزلة كالنظام، لا يسلمون به، والا لما خالفوه(7). ومن جهة ثانية فان الحديث المشهور هو المتحدث عن الضلالة، والضلالة تستبطن الإثم والانحراف، وهو أخص من الخطأ وعدم الحجية المبحوث عنها في الإجماع، فان خطأ المجمعين جميعا في مسألة فرعية لا تعني ضلالتهم كما هو واضح(8). وهذا الاستبطان لمعنى الإثم والانحراف في الضلالة يجعل من كلام الكاتب حول ان نص الحديث »ظاهر بأن معقد الاجماع ومورده مطلقان ولا ينحصران في شؤون الدين والشريعة... بل يشير الإطلاق الى الاجماع في الأمور التي من شأن كل الناس ابداء الرأي حولها والنظر فيها، وهذا يكون في مسألة إدارة شؤونهم وقضاياهم الاجتماعية المتعلقة بالخيار والمسار العام الذي ينتهجه المجتمع«. أقول ان هذا الاستبطان يجعل كلام الكاتب في غير محله. أضف الى ذلك ان طبيعة القضايا التي ذكرها الكاتب، لو ان الاجماع عليها حجة، فلا وجه لحصرها بالأمة الاسلامية، وهو خلاف ظاهر النص الذي حصرها بها وهو قول الرسول »أمتي«. ولعل هذا ما حاول الإشارة اليه بعض العلماء عندما قالوا: »لو ان اجماع الناس بما هو اجماع، كيفما كان وبأي دافع كان، حجة ودليل، لوجب ان يكون إجماع الأمم الاخرى غير المسلمة ايضا حجة ودليلا، ولا يقول بذلك واحد ممن يرى حجية الاجماع«(9). ومن جهة ثالثة، فان ورود لفظ »أمتي« ظاهر يكون الحجية انما هي في إجماع الأمة كلها او جميع المؤمنين بدون استثناء، فمتى خالف واحد منهم اي كان فلا يتحقق الاجماع الذي قام الدليل على حجيه بما ذكر، لان العصمة، على تقدير ثبوتها بالأدلة المتقدمة (الحديث) انما ثبتت لجميع الأمة لا لبعضها(10). ولو تنزلنا وقلنا بأنه يكفي اجتماع الأكثرية ليتحقق الاجماع، فنقول بأن ورود لفظ »أمتي« يقضي بأن تكون هذه الاكثرية تشمل جميع الفرق والمذاهب، ولا تتحقق الا بأن تكون ايضا عبارة عن مجموع اكثرية كل مذهب. وفي كلا المعنيين (الكل او الاكثرية) يظهر ان مصداق الاجماع انما هو المتعلق بضروريات الدين وثوابته، فهي الموارد التي اجمعت عليها الأمة. وما يدل على هذا المعنى او يقويه انه عند مراجعتنا لمصدر الحديث حيث أحال الكاتب (بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ج5) وجدنا روايتين، في صفحة مختلفة عما أحال اليه لاختلاف الطبعة والناشر، وهما يشيران الى ما ذهبنا اليه. وخلاصة الروايتين المنقولتين عن أحد المعصومين: الأولى: »... فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون، لقول النبي(ص): لا تجتمع أمتي على ضلالة فأخبر النبي(ص) ان ما اجتمعت عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضا هو الحق، فهذا معنى الحديث...«(11). الثانية: »... وذلك بقول رسول الله(ص) لا تجتمع أمتي على ضلالة فأخبر ان جميع ما اجتمعت عليه الأمة كلها حق، هذا اذا لم يخالف بعضها بعضا..«(12). ويلاحظ ان كلتا الروايتين قد ذكرت معنى الاجتماع وهو اجتماع الأمة كلها، من دون ان يخالف بعضها بعضا. ولا يصح الاعتماد على هاتين الروايتين للاستدلال على صحة الحديث موضوع النزاع، لأنه لا بد من ملاحظة مناسبة النص، وهو انما ورد في إطار المحاججة، وعليه فربما يكون المعصوم قد اورده على سبيل »ألزموهم بما ألزموا به انفسهم«. ثم يتابع الكاتب ليقول بأن »دليل الإجماع لا يقرر سلطة الجماعة المستقلة عن الفرد، بقدر ما يمنح للفرد حضوره ويوسع فضاء كينونته.. ويكون الإلزام ناشئا بذلك من رأي الفرد في تعبيره..«. وقد ظهر مما تقدم عدم صوابية هذا القول، لأن خروج بعض الأفراد عن الإجماع، سوف يؤدي الى انحلال هذا الاجماع وسقوط حجيته. ولو كان الالزام ناشئا عن رأي الفرد لما سقطت الحجية مع خروج البعض وبقاء الأكثرية، وهو ظاهر الروايتين المذكورتين آنفا، بل هو ظاهر الحديث ايضا كما أسلفنا. كل ذلك يظهر ان سلطة الاجماع الذي ورد في الحديث انما هي سلطة الجماعة بما هي جماعة. مع أننا نتحفظ على استعمال كلمة سلطة، لأن ظاهر الحديث ان النبي(ص) لم يرد بقوله هذا اقرار سلطة ما، بل الكشف عن واقع، وثمة فرق بينهما. وبعد كل ما تقدم من إظهار بطلان ما حاول الكاتب الاستدلال به، يظهر بطلان النتيجة التي حاول الوصول اليها وهي جعل »اجماعات كل عصر حجة على زمانه، ولا يتعداه الى غيره من العصور والأزمان«. وعلى رغم ان ذلك سيحول »النتاج الفقهي والعلمي في التاريخ من تراث مثقل بالأعباء الاجماعية والإلزامات الاجتهادية، الى تجارب علمية متحركة في مجرى زمن تتطور فيه المناهج وتتغير فيه فرضيات العقل« كما صرح بذلك الكاتب، الا انه سيجعل النص خاضعا لسلطة العقل القاصر عن التوصل الى الأحكام التي تعلقت بها إرادة المشرع، وبالتالي تفويت الحكمة من التشريع، لأن مقتضى قول الكاتب هو تبدل الأحكام مع تبدل فرضيات العقل، وفي النهاية ضياع الدين. ومن هنا قال الإمام الصادق(ع): »دين الله لا يصاب بالعقول القاصرة... بل يصاب بالتسليم«(13). والذي ينبغي الاشارة اليه الى ان ذلك التسليم انما يأتي بعد إثبات وجود الله وإثبات النبوة وما يترتب عليها من نصوص إثباتا عقليا، وبالتالي لزوم الامتثال بمقتضى ما توصل اليه العقل. فالعقل خاضع لسلطة النص الذي ثبت لزوم التعبد به وفق ضوابط معروفة، بمقتضى ثبوت لزوم إطاعة المولى، المشرع للنص، ثبوتا عقليا. وعليه فتسليم العقل للنص انما هو ناتج عن عجزه بمعرفة ملاك الأحكام وعللها. وفي الختام أقول: اننا لم نكتب ما كتبناه إلا... حفاظا على الدين. المصادر 1 موسوعة الإجماع في الفقه الاسلامي، سعدي ابو حبيب، دار العربية بيروت. 2 الاجتهاد والمنطق والفقهي في الاسلام، مهدي فضل الله، دار الطليعة، ص152. 3 أصول الفقه، محمد رضا المظفر، دار التعارف، بيروت، ج2، ص95. 4 نقله ابن ماجه في سننه، ج2، ص1203. 5 نقله أبو داود في سنته، ج4، ص98. 6 بحوث في علم الأصول، تقريرات السيد محمد باقر الصدر، حررها محمود الهاشمي، ج4، ص308. 7 الاجتهاد والمنطق والفقهي في الاسلام، مهدي فضل الله، ص155. 8 بحوث في علم الأصول، ج4، ص308. 9 أصول الفقه، ج2، ص89. 10 المصدر نفسه، ج2، ص92. 11 بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء، بيروت، ج5، ص20. 12 المصدر نفسه، ج5، ص68. 13 المصدر نفسه، ج2، ص203.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة