As Safir Logo
المصدر:

فيلم فتى الشعبة يروي الهجرة الجزائرية الى فرنسا متى يحس الفرنسيون بذنبهم تجاه الجزائريين(صورة)

المؤلف: كليب سامي التاريخ: 1998-01-26 رقم العدد:7907

باريس سامي كليب يقول الصبي الجزائري عمر البالغ من العمر 9 أعوام والمولود في فرنسا »انا لست فرنسيا، انا عربي جزائري« فيتّهمه أترابه من أبناء المهاجرين بأنه فرنسي والا فماذا يفسر انه دائما الأول في صفه؟ تجري الحادثة قبيل السبعينيات في احد بيوت الخشب التي أقامها المهاجرون الجزائريون على الوحول وتحت المطر في الضواحي الفرنسية بعيد قدومهم الى فرنسا للعمل فيها حين كان الطلب على اليد العاملة المغاربية كبيرا جدا. لماذا نقرأ ما قاله عمر في الأرشيف الجزائري، فواقع الجزائر لا يترك مجالا للعودة الى الأرشيف، واحداثها تكاد تلغي كل مآسي التاريخ، وانما نستعيد تلك الذكريات الصعبة، وذاك العزم ومواجهة مصاعب الحياة، في فيلم يحمل عنوان »فتى الشعبة« الذي خرج قبل أيام قليلة الى الصالات الفرنسية. الحقيقة ان قصص هذا الفيلم ومشاهده لا تأتي من العدم، لكنها محفورة في ذهن شاب جزائري ولد في تلك الضواحي الفرنسية الفقيرة، وتأثر بعذاب والده ومعاناته لكسب قُوْته، فقرر ان يتعالى على الفقر والوحول والأمطار وبيوت الخشب، وان يبني لنفسه وطنا من الكتب والاحلام، فيسافر كل يوم مع رواية جديدة، ويسابق الريح الى المدرسة مستذكرا مستعيدا طيلة الطريق جدول الحساب وتاريخ فرنسا وأدب كبار الكتّاب الفرنسيين. فكاتب قصة الفيلم هو عزوز بقاق (تلفظ القاف كالجيم المصرية) الذي صار اليوم واحدا من كبار كتّاب فرنسا والذي عاش تجربة الهجرة بكل صعوباتها ومآسيها، فحوّل العذاب إبداعا وصاغ على نول ذاكرته صورا لعالم رحب فيه من العزم والعزيمة بقدر ما فيه من الكفاح للبقاء في عالم جديد بعيد عن الوطن الأم. وكان بقاق ولد عام 1957 في فيلوربان بفرنسا، من والدين جزائريين وهو بالتالي يملك الجنسيتين الفرنسية والجزائرية وحاز على دكتوراه في الاقتصاد ليصبح في ما بعد باحثا في »المعهد الوطني للعلاقات الاستراتيجية« منذ عام 1986 وفي المختبر الاقتصادي لاقتصاد النقل في جامعة ليون. وتركز أبحاثه خصوصا على طريقة عيش وحياة سكان الأحياء الفقيرة ومشاكل الانتماء والهوية في اوساط المهاجرين المغاربة. ويمكن ان نرصد لهذا الكاتب الاربعيني العمر اكثر من عشرين مؤلفا منذ عام 1984 لدى أبرز دور النشر الفرنسية، الامر الذي وضعه في مصاف المعروفين من أدباء فرنسا. أبناء المهاجرين هذه التجربة الغنية هي بالضبط التي نرصدها في عيون الصبي عمر، الشخصية الرئيسة في فيلم »فتى الشعبة«، ففي البيت الخشبي المحشور فيه كل أفراد العائلة الجزائرية المهاجرة، ينزوي الفتى الجميل ذو العينين الحالمتين والنظرة المتعالية على الفقر، في زاوية سريره (او ما يشبه السرير) يأخذ كتابا مهلهلا من على الرف الخشبي، ويغرق في القراءة والحلم. يتأمله والده الأمي بعين الأمل ويشجعه بلهجته الفرنسية المفككة على ان يصبح الأول في صفه وان يتفوّق على كل »الفرانسيس«. والشعبة هي أشبه بمخيمات اللاجئين في الدول الفقيرة، فيها أفراد عشرين عائلة يتآلفون في الغربة، ويحتالون على الفقر، لكنهم يتخاصمون بين الحين والآخر على الماء مشحونين بنقمتهم على الحياة وليس على الجار، وعيون عمر كآلة التصوير تنتقل من بيت لآخر ومن عذاب لعذاب، ترصد التفاصيل وتنقلها الى الذاكرة تحفرها فيها بانتظار يوم أفضل للكتابة والذكرى، والذاكرة تتوقف في يوم ممطر حين تأتي الشرطة الفرنسية لاعتقال احد المهاجرين بتهمة فتح ملحمة بصورة غير شرعية ودون مراعاة القوانين الصحية المرعية، فيختار المهاجرون ترك الشعبة والانتقال الى المساكن الجماعية التي بنتها لهم لاحقا فرنسا، ويتركون تحت الوحل والأمطار جزءا هاما من حياتهم وعذابهم والذكريات. يقول عزوز بقاق »ولدت من أبوين أميين، وهذا بالضبط ما أثار فيّ كل شيء، فوالداي ككل المهاجرين في تلك الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية لا يعرفون المدرسة. والدي كان يجبرني على العمل بقسوة لأصبح في مدرسة شارلمان الأول بين أترابي، وكأنما غريزته الفلاحية تدلّه بالحدس على أهمية التربية للنجاح، كان ايضا يثأر من البؤس الذي عاش فيه، فكان لا بد لي من ان أكتب أحزان وأفراح تلك المسيرة، واليوم تراني اجوب المؤسسات التربوية، أروي القصص لأطفال المدارس وأخبرهم عن الأهل الذين ضحّوا بكل شيء لكي ينجح اولادهم، فأحيي فيّ الذكرى وأثير فيهم الحماس«. تشبه مشاهد الفيلم ما تنقله لنا وسائل الاعلام عن غزة، وأطفالها المشردين في الشوارع، وتشبه الاحياء الفقيرة في دول العالم الثالث، وبين هذا اللون القاتم وتلك اللقطة الحالكة، يطل الفتى عمر كالأمل بغد أفضل، أمل ربما أصبح ابناء الضواحي الفرنسيون بحاجة ماسة له اليوم وسط عودة شبح البطالة وانعدام الأمن وانسداد الكثير من الآفاق، فالذين هاجروا الى فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، غالبا ما يجدون الجيل الثاني من ابنائهم وكأنما لا يزال واصلا لتوّه من القرى النائية في جبال الأوراس. وكعادته فإن المخرج كريستوف روجيه اعطى الأطفال مكان الصدارة في هذا الفيلم الطويل الأول له بعد سلسلة أفلامه الوثائقية التي كان للبنان نصيبه منها مع فيلم وثائقي عن الحرب فيه، ويبرر ذلك بالقول »في أثناء الطفولة فقط نكتشف العالم الذي نُمضي فيه كل حياتنا، انها المرحلة الاكثر اهمية التي يكون فيها الطفل بحاجة الى القيادة والمرافقة والمساعدة«. وقد أخلص المخرج الشاب (مواليد 1965) لذاكرة المهاجرين فنقل صورها بجرأة كبيرة خصوصا في هذه الأوقات التي أصبح فيها موضوع الهجرة من المواضيع الاكثر جدلا في فرنسا، اذ بات المهاجر في نظر كثيرين مسؤولا عن كل التأزم الاقتصادي والاجتماعي، ولئن كانت اللهجة »التعليمية« طغت بعض الشيء، الا ان عفوية الاطفال وبراعتهم في تصوير الذاكرة انقذت الفيلم من الغرق في الكليشيهات المعودة في مثل هذه الأفلام خصوصا ان المخرج تعرّف مثلنا على تلك الحقبة من الهجرة المغاربية الاولى الى فرنسا. يتزامن عرض فيلم »فتى الشعبة« مع حدثين لهما علاقة عضوية بالذاكرة، يتمحور الأول حول محاكمة المسؤول الفرنسي الكبير السابق موريس بابون بتهمة المساهمة في نقل اليهود الى معتقلات النازية خلال الحرب العالمية الثانية، ويتعلق الثاني بمحاكمة الفيلسوف روجيه غارودي بتهمة »انكار جرائم ضد الانسانية« في كتابه »الأساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية«. اما ذاكرة الجزائريين فلم تصل بعد الى حد المطالبة بمحاكمة الذين ألقوا بهم في نهر السين في الستينيات. الأفلام تبقى أكثر لطفا.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة