كتب فارس خشان: تخترق، بعد ظهر اليوم، قضية اغتيال الرئيس رشيد كرامي حجاب السرية، ويعاود قائد »القوات اللبنانية« المحلولة سمير جعجع اطلالته القسرية من على »مقعد المتهم« ليذكر الرأي العام بقضيته بعدما انشغل عنه بقضاياه الاقتصادية والاجتماعية والقضائية المستجدة. كثيرة هي الامور التي تغيرت من آخر ظهور علني لجعجع حين ترافع عن نفسه في قضية محاولة اغتيال الوزير ميشال المر... فالناس كبرت همومهم والوطن تغيرت اولوياته وبات الاقتصاد في طليعتها... والضحية تغيرت صبغتها الطائفية لتتكتل على المتهم انظار »وطنه الآخر«، ورئيس الحكام استبدل بآخر ليسبدل معه اسلوب التعاطي. الا ان الحاكم الجديد الرئيس منير حنين ليس غريبا على اكثر متهمي المجلس العدلي اهتماما... فالقاضي والمتهم سبق ان التقيا في غرفة مغلقة على وقائعها حين كان الأول يحقق في قضية اغتيال المهندس داني شمعون وكان الثاني يرد عنه تهمة ليست بسيطة بأبعادها القانونية والشعبية. يومها أبرز حنين أفضل مزايا القاضي حين عرض على جعجع أن يتنحى لأنه كما المغدور من دير القمر ولأنه كما المغدور ابن للرئيس كميل شمعون مع فارق البنوية الجسدية والروحية. ويومها أبرز جعجع افضل مزايا المدعى عليه: الثقة بمن يحاكمه وقال لحنين: »أنت الضمانة«. امور كثيرة تغيرت في المشهد العام الذي سيؤثر على دقائق الامور... فهل سيتغير اسلوب جعجع في التعاطي مع المجلس العدلي... بمعنى، هل سيقبل ان يجيب عن الاسئلة التي ستطرح عليه وهو الذي امتنع طوال فترة التحقيق في هذه القضية عن الاجابة عن اي سؤال، ام سيصر على الظهور بمظهر المترافع لبراءته وليس بمظهر المتهم العادي؟ واذا ثابر على خياره هل سيتيح له الرئيس حنين فرصة قول ما يريد في آخر المحاكمة وهو امتياز انفرد الرئيس السابق فيليب خير الله في اعطائه لأي متهم مهما علا شأنه في قصر العدل؟. اسئلة برسم مجريات هذه المحاكمة، لا يمكن ان تجد اجوبتها اليوم ولا في الجلسات الثلاث الاول لأنها حتما ستخصص للدفوع الشكلية فالتلاوات. وسط هذه الصورة ستفتح هذه المحاكمة فصلا آخر من فصول الحرب اللبنانية، فكما قضية الكنيسة فتحت ملف تطبيق اتفاق الطائف، قضية شمعون فتحت ملف حرب »الأخوة الأعداء« وقضية المر فتحت ملف حل الميليشيات، فإن قضية كرامي ستفتح ملف وحدة الوطن وأحلام الفيدرالية وهواجس الانقسام الطائفي والشوق الى »رجال الميثاق« الذين كانوا يتحاورون بالرغم من غليان الأحقاد وهلوسة الموت. وإذا كان »ورثة الدم المهدور« ينظرون الى الماضي الذي كان يملؤه حضورا رئيسهم الشهيد، فإن المتهم بتغيير مسارهم، بقسوة الاغتيال، يتطلع الى المستقبل... والمنفذ الوحيد إليه هو العفو الخاص او العام. فإذا كان جعجع في السنوات الاخيرة قد واجه اتهامات محصورة بطائفته ونال عليها عفوا من رأس الهرم الكنسي تحول لاحقا الى مطلب مسيحي تجاه الدولة، فإنه هذه المرة يواجه اتهاما مفتوحا على الجناح الآخر من الوطن وبالتالي عليه ان يكسب عطفه وتأييده ليتمكن من كسب المستقبل... والمعركة لا تبدو سهلة مع الرأي العام والقانون. فعلى مستوى الرأي العام فإن تحرك جعجع وهيئة الدفاع عنه سيكونان امام خيارين اولهما التوجه الى كل لبنان بالبراءة، فإذا فشل هذا المنحى فيعتمد الخيار الثاني اي العودة الى »القبيلة« وبالتالي الى لغة الطائفية... وما اخطرها. أما على مستوى القانون فإن مواجهة جعجع والدفاع ستكون مع ملف اتهامي هو الاكثر تماسكا وأدلة وشهودا حتى بين المتهمين انفسهم وفي مقدمهم العميد خليل مطر الذي لن يتراجع عن افادتية الاولية والاستنطاقية لجهة ما سماه الوقائع التي حصلت معه وأهمها انه كان على الزورق الذي فجر المروحية 906 التي كانت تقل الرئيس كرامي وصحبه. وقبل العرض للمتهمين الموقوفين لا بد من التوقف عند من سيشكل الخصومة. فالحق العام سيكون ممثلا بالنائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم الذي أشرف على التحقيقات الاولية وأبدى مطالعته بالاساس في القضية، معتبرا ان كل الأدلة تجرّم جعجع. أما جهة الادعاء الشخصي فستكون ممثلة بالمحامين: خضر حركة، بسام الداية، عصام نعمان، حسن القواس، مصطفى الاسير واميل كنعان. وتتميز هيئة الادعاء بالآتي: } متابعة المحامي حركة للملف منذ اغتيال الرئيس رشيد كرامي، وواكب ثلاثة محققين عدليين في القضية وهم: منيف عويدات الذي كان قد تنحى، وليد غمرة الذي ترك الملف عند تعيينه رئيسا لهيئة التفتيش القضائي، وجورج غنطوس الذي أصدر القرار الاتهامي في القضية. } حسن القواس وهو قاض جزائي معروف. كان في قضية داني شمعون عضوا في المجلس العدلي ووقع الحكم الذي صدر بحق جعجع. } اميل كنعان وهو شقيق العميد خليل كنعان الذي يقال ان »القوات اللبنانية« هي من اغتالته في منزله حين كان نائما في سريره، ولم يتمكن التحقيق من توقيف المتورطين بسبب مقتل اكثر المنفذين وهرب مَن بقي حياً. وسيواجه كنعان مواقف عاطفية حين تُتلى إفادة خوسيه باخوس عن إقدام فرقة من »الصدم« على قتل شقيقه. أما في جهة الدفاع فيحضر دفاعا عن جعجع المحامون: ادمون نعيم، عصام كرم، موسى برنس، كريم بقرادوني، روبير حداد وايلي لحود. وتتميز هذه الهيئة بالآتي: } عودة برنس الى هيئة الدفاع بعدما تغيّب في ملف محاولة اغتيال الوزير ميشال المر وخروج الوزير السابق ادمون رزق. } خروج المحامين سميح بشراوي وجهاد عبد الله بسبب عدم التزامهما بقرار »القوات« التصويت للنقيب انطوان قليموس في الانتخابات النقابية والسير بقرارهما انتخاب المرشح ميشال ليان. } أما عودة »الصديق اللدود« كريم بقرادوني الى التحالف مع جعجع عام 1997 كما كان في 1/6/87 تاريخ اغتيال الرئيس كرامي، فقد ترجمت وكالة من »القائد السجين« لنائبه الذي هجره. إلا أن دون مثول بقرادوني عقبات تتمثل بعدم موافقة الرئيس عضوم على وكالته لأنه مدرج على لائحة شهود الحق العام، لسببين أولهما انه وبحسب افادة عزيز صالح قد احتفل مع جعجع واركان الامن بنجاح عملية الاغتيال، وثانيهما لأنه يعرف تركيبة الامرة في »القوات« وكذلك الاجواء السياسية التي كانت سائدة في تلك الفترة. ولكن بقرادوني ينفي الواقعة الاولى ويقول ان له حقا بالتوكل... ووفق سياسته اللينة المعتادة لن يخوض معركته هذه بقساوة مما حدا به الى اخذ قرار بالتغيب عن جلسة اليوم لينتظر قرار النقيب انطوان قليموس لناحية جواز التوكل او عدمه. ومع سفر قليموس المستمر حتى 18 كانون اول المقبل، سيبقى بقرادوني متغيبا عن الجلسات. إلا ان اوساطا قانونية اكدت ان هذه المسألة لم يسبق ان اثيرت في لبنان حول جواز توكل شاهد حق عام في قضية عن احد المتهمين فيها، لكنها اشارت الى ان هذه المسألة اثيرت مرة واحدة في فرنسا وقد اجازت محكمة التمييز للمحامي الشاهد بالتوكل عن متهم في القضية نفسها. أما في لبنان فأثيرت نقطة أصعب منها وهي جواز توكل محام مدعى عليه عن مدعى عليه آخر في القضية نفسها. وقد صدر حكم في 16/1/1995 عن محكمة استئناف بيروت الناظرة بالقضايا النقابية برئاسة القاضي عفيف شمس الدين وعضوية المستشارين الياس ناصيف وجان فرنيني والمحاميين عمر زين وسليم غاريوس حول هذه المسألة، وأجاز للمحامي المدعى عليه ان يتوكل عن مدعى عليه آخر في القضية نفسها. وجاء في الحكم الذي نُشر في كتاب »المحامي بين القضاء والنقابة والموكل« لمؤلفه القاضي شمس الدين: حيث أن المحامي عاطف الشعار اعترض على قرار مجلس نقابة المحامين الذي فسخ قرارا صادرا عن نقيب المحامين كان قرر فيه رفض إعطاء الإذن للمحامي عبد الله القبرصي يأخذ الوكالة عن المدعو نزيه الشعار في مواجهة المحامي عاطف الشعار، واعتبر ان قرار مجلس النقابة الذي أبطل قرار النقيب ورخص للمحامي عبد الله القبرصي بأخذ الوكالة المذكورة، مخالف لقانون تنظيم مهنة المحاماة وللنصوص الواردة في قانون الموجبات والعقود المتعلقة بالوكالة وذلك بحجة ان المحامي قبرصي سينصرف للدفاع عن نفسه لانه فريق في الدعوى موضوع الوكالة. وحيث ان نقابة المحامين طلبت رد الاعتراض لان في اعطاء الاذن للمحامي قبرصي تكريس لحق الدفاع المتوافق مع احكام القانون. وحيث انه لا يمكن اعتبار المحامي قبرصي ممنوعا عليه التوكل عن السيد نزيه الشعار لمجرد كونه فريقا في الدعوى ولان ليس ما يمنع ان يكون المحامي وكيلا عن غيره في دعوى يمثل فيها هو أيضا كمدعى عليه ولا مجال للاخذ بالقلق الذي يساور المحامي المعترض من ان المحامي قبرصي سينصرف وسينشغل بالدفاع عن نفسه ويهمل حقوق موكله، وذلك لان هذا القلق محله اذا كان ساور الموكل المذكور وليس المحامي المعترض الذي هو خصم له. وحيث انه في جميع الاحوال فإنه لا بد للسيد نزيه الشعار من محام يمثله والترخيص للمحامي قبرصي في ان يكون وكيلا عنه لا يتعارض مع نظام مهنة المحاماة ولا مع قانون الموجبات والعقود لانه ليس في احدهما ما يمنع المحامي الخصم في الدعوى بصفته الشخصية من ان يكون محاميا عن آخرين يقفون معه في ذات الجانب من النزاع. وتنتهي المصادر القانونية الى القول ان جواز توكل محام مدعى عليه على مدعى عليه آخر في القضية الواحدة هي مسألة تجيز للمحامي الشاهد ان يتوكل عن المتهم في القضية نفسها خصوصا وان ابداء الرغبة بالتوكل يعني ان الشاهد متعاطف مع المتهم، الامر الذي يمنع الشهادة تحت اليمين ويحصرها. وفي مطلق الاحوال القضية... عالقة. المتهمون الموقوفون قد تكون اكثر شخصية لها وقع خاص من بين المتهمين بشكل متواز مع جعجع هي شخصية العميد خليل مطر نظرا لموقعه العسكري في الجيش اللبناني، ولكونه شقيق مطران بيروت للموارنة بولس مطر، ولكونه متمسكا بإفادته ولاسيما الاستنطاقية منها الأمر الذي يعطيها مزيدا من الصدقية. إلا أن العميد مطر يرفض التهمة الموجهة إليه بالتدخل في جريمة الاغتيال ويصر على براءته مما اسند اليه واوكل هذه المهمة الى المحامين النائب شاكر ابو سليمان وبدوي ابو ديب الذي كان قد تمكن من إظهار براءة فؤاد مالك في ملف تفجير كنيسة »سيدة النجاة« في الاشرفية وسيكون الى جانب جعجع ومطر المتهم عزيز يوسف صالح الذي حرس المتهم الفار جوزف سكر فيما كان يقوم بعمليات تصوير استطلاعية ثم عملية تصوير تفجير الطائرة وسيدافع عنه المحاميان عبدو بوطايع وسليمان لبوس اللذين دافعا عن مانويل يونس في ملف المر وخرج ببراءة. والى صالح سيمثل المتهم انطوان بطرس الشدياق الذي كان مرافقا لغسان توما وستدافع عنه المحامية سيدة حبيب. اما المتهم الموقوف الاخير فسيكون الرقيب في الجيش كميل الرامي المحكوم عليه امام المحكمة العسكرية بمحاولة اغتيال العميد غازي كنعان، ومسند الى الرامي اشتراكه بوضع عبوة على ضريح الرئيس كرامي قبيل ذكرى الاربعين بطلب من المدعى عليه كتيل الحايك تضليلا للتحقيق ولابعاد الشبهة عن »القوات اللبنانية« وذلك لقاء بدل مادي. إذا قضية الرئيس كرامي تنطلق اليوم.. فهل ستحمل مفاجآت؟