As Safir Logo
المصدر:

ولاية الفقيه بين مغنية والخميني

المؤلف: مغنيه عبد الحسين محمد جواد التاريخ: 1997-12-16 رقم العدد:7874

ولاية الإمام المعصوم(2). كتب مغنية: »ان قول الامام المعصوم وأمره تماما كالتنزيل من الله العزيز العليم »وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى«، 3 النجم. ومعنى هذا ان للإمام المعصوم حق الطاعة والولاية الكاملة على الراشد والقاصر والعالم والجاهل، وان السلطة الروحية والزمنية في حال وجوده تنحصر به وحده لا شريك له وإلا كانت الولاية عليه وليست له، علما بأنه لا أحد فوق الإمام المعصوم عن الخطأ والخطيئة الا خالق الخلق والآمر جل وعز.. أبعد هذا يقال: إذا غاب المعصوم انتقلت ولايته بالكامل الى الفقيه غير المعصوم ؟ ان حكم المعصوم منزّه عن الشك والشبهات، لأنه دليل لا مدلول، وواقعي لا ظاهري. اما الفقيه فحكمه مدلول يعتمد على الظاهر وليس هذا فقط، بل هو عرضة للنسيان وغلبة الزهو والغرور والعواطف الشخصية والتأثر بالمحيط والبيئة وتغيير الظروف الاقتصادية والمكانة الاجتماعية، وقد عاينت وعانيت الكثير من الاحكام الجائرة، ولا يتسع المجال للشواهد والأمثال، سوى أني عرفت فقيهاً زاهدا تقيا قبل الرئاسة، وبعدها تحدث الناس عن ميله مع الأولاد والأصهار«. »المراد بالولاية هنا بكسر الواو : السلطة على أمور سنشير اليها. وبالفقيه: المجتهد العادل في زمن غيبة المعصوم. وما من شك ان الأصل عدم ولاية اي انسان على آخر الا ما خرج بآية محكّمة، او رواية قائمة، لان الحرية حق مقدس لكل فرد، ومن أجله قامت الحروب في كل العصور. وقد ثبت بالإجماع والنص الواضح ان للفقيه العادل ولاية الفتوى والقضاء، والولاية على الأوقاف العامة وأموال الغائب وفاقد الاهلية مع عدم الولاية الشخصية، وإرث من لا وراث له، وكذلك على الممتنع في بعض الحالات، والتفصيل في كتب الفقه، واختلفوا: هل للفقيه ولاية على غير ذلك؟ وبكلام أوضح وأوسع، ان ولاية الإمام المعصوم(ع) تعم وتشمل أمور الدين والدنيا بما فيها رئاسة الدولة وتنفيذ الأحكام كما سبقت الإشارة، فهل تنتقل الى الفقيه ولاية المعصوم العامة المطلقة بعد غيبته؟ وفي رأينا ان ولاية الفقيه أضعف وأضيق من ولاية المعصوم، وان الأولى لا تتعدى الأشياء التي أشرنا اليها وقوفا على القدر المتيقن من النص والإجماع«. وقال الإمام الخميني في كتابه »الحكومة الاسلامية« ما معناه: لا فرق بين ولاية المعصوم وولاية المجتهد العادل من حيث العموم والشمول، اجل ان منزلة المعصوم أرفع من منزلة المجتهد، ما في ذلك ريب، ولكن وظيفتهما واحدة حتى في السلطة والإمارة، وأي عاقل يفرق بين ولاية المعصوم على الصغار وولاية الفقيه؟ الجواب: »ان التعاون في المنزلة يستدعي التفاوت في الاعمال والآثار لا محالة، ومن هنا كان للمعصوم الولاية على الكبير والصغير حتى على المجتهد العادل، ولا ولاية للمجتهد على البالغ الراشد، وما ذاك الا لأن نسبة المجتهد الى المعصوم تماما كنسبة القاصر الى المجتهد العادل. اما المساواة في الولاية على الصغار بين الاثنين كمّا وكيفا فلا تستدعي بحال ان تكون ولاية الفقيه المجتهد كولاية المعصوم الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم حتى انفس المراجع والفقهاء الكبار، ما في ذلك أدنى ريب. وقد نعود الى هذا الموضوع«. من أقوال العلماء قال الشيخ الأنصاري في »المكاسب«: لا دليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام المعصوم »وربما يُتخيّل من أخبار واردة في شأن العلماء الفقهاء انهم كالأئمة وورثة الأنبياء، والرسل، وكأنبياء بني اسرائيل، وان مجاري الأمور بيد العلماء بالله، والأمناء على حلاله وحرامه. وغير ذلك، لكن الأنصاف بعد ملاحظة سياقها او صدرها او ذيلها، يقتضي الجزم بأنها في مقام البيان لوظيفة الفقهاء من حيث نشر الأحكام الشرعية، لا كون الفقهاء كالنبي والأئمة صلوات الله عليهم في كونهم أولى الناس في أرواح وأموال الناس. فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلّف فلا دليل على وجوب العطاء اليه شرعا... وبالجملة فإقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام المعصوم الا ما خرج بالدليل دونها خرط القتاد«. وقال الميرزا النائيني في كتاب »منية الطالب«: »لا إشكال في ثبوت منصب القضاء والإفتاء للفقيه في عصر الغيبة، وهكذا ما يكون من توابع القضاء كأخذ الشيء المدعى به من المحكوم عليه وحبس الغريم المماطل والتصرف في بعض الأمور الحسبية كحفظ مال الغائب والصغير ونحو ذلك، وانما الأشكال في ثبوت الولاية العامة... واستدلوا عن ثبوتها للفقيه بالأخبار الواردة في شأن العلماء، ولكنك خبير بعدم دلالتها على المدعي، اما قول النبي(ص): علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل فلعل هذا التنزيل من حيث تبليغ الأحكام، واما مجاري الأمور بيد العلماء، والعلماء ورثة الأنبياء ونحو ذلك، فمن المحتمل ان المراد بالعلماء هنا الأئمة المعصومين عليهم السلام كما في الخبر المعروف مداد العلماء كدماء الشهداء«. وفي »بلغة الفقيه« للسيد محمد بحر العلوم: »لا شك في قصور الأدلة عن إثبات أولوية الفقيه بالناس كما هي ثابتة للأئمة عليهم السلام«. وأخيرا لو كان كل فقيه أميرا حاكما لكانت الأمراء الحكام بعدد الفقهاء فتسود الفوضى، وينتشر الفساد في الأرض. وفي »أصول الكافي«: »لا يكون في الأرض إمامان الا وأحدهما صامت« وأي فقيه يصمت ويتنازل للآخر؟ »سبقت الإشارة الى ان دولة الاسلام تمتاز عن سائر الدول بأن دستورها وطريقها الوحيد هو كتاب الله وسنة نبيه. ولا يختلف في ذلك إثنان من المطالبين بقيام هذه الدولة، وانما السؤال في سيادة الدولة: هل هي للفقهاء المجتهدين بالخصوص، ولا يسوغ لغيرهم القيام بشؤونها؟ او يسوغ ذلك لغير المجتهدين على أن لا يتجاوزوا حدود الشريعة الاسلامية كما هو شأن المقلد الملتزم؟ ذهب الى الأول من ساوى بين ولاية المعصوم والفقيه من حيث العموم والشمول، والى الثاني من فرق بينهما. ونجنح نحن الى ان يتم اختيار رجال الدولة في العصر الراهن بيد المسلمين المحكومين لا بيد الفقهاء خاصة، لان ولاية الفقيه أضعف وأضيق من ولاية المعصوم كما أشرنا، وعليه يسوغ ان يتولى امر الدولة غير المجتهدين على ان تتفرغ طائفة من الاختصاصيين بالشريعة الاسلامية، وتصوغ قوانين تخضع للكتاب والسنة صياغة عقلية واضحة، قريبة الى الأذهان والأفهام، واذا لم يجدوا نصا في هذين المصدرين اجتهدوا على أساس المبادئ العامة بما يحقق مصلحة الجميع، وعلى الدولة المنتخبة التنفيذ والعمل بهذه القوانين. وباختصار، ان اعمال الدولة ليست كلها دينية ومسجدية، فمنها ادارية وسياسية، ومنها اجتماعية واقتصادية لم يرد فيها نص، فتُترك للعرف، والاخصائيين العقلاء يقومون بهذه الاعمال في حدود المصلحة العامة حتى ولو كانت تقليدا للغرب ما دامت لا تحلل حراما وتحرم حلالا، وفي الحديث الشريف: »الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها«. ويا ليت عند المسلمين ما عند الغرب من علوم وفنون ومدارس ومصانع وجيش نظامي وضمان صحي واجتماعي. واذا ساغ للشيخ محمد عبده ان يقول: قد تجد في اوروبا مسلمين بلا اسلام، وفي البلاد الاسلامية اسلاما بلا مسلمين ساغ لغيره ان يقول ايضا: أية دولة احسنت العمل فهي مسلمة حتى ولو كان رجالها من غير الفقهاء، وان اساءت فما هي من الاسلام في شيء حتى ولو تخرج اعضاؤها من النجف او الأزهر. ومعنى هذا ان العِبَر بالفعل لا بالفاعل، وبالجذور لا بالقشور«. »تبين لنا مما سبق ان المعصوم غائب. وان الامارة لا تختص وتنحصر بالفقهاء وحدهم، والناس لا ينقادون لطاعة الله وهداية العقل تلقائيا، والعقلاء كلهم يدركون بأن الدولة أمر ضروري لضمان الأمن وتوطيد العدل، فهل من طريق الى معرفة من يتولى أمر الدولة والقيام بشؤونها؟ مع الفرض بأن المطلوب دولة اسلامية لا تتناقض مع أي نص من نصوص القرآن ومبادئ والاسلام. ونحن لا نعرف طريقا مع هذا الفرض، الا الاستفتاء العام والانتخابات بلا إرهاب او رشوة ولا تزييف وتحريف، لكي يشعر كل فرد بأن (الدولة) ورئيسها المنتخب ليست غريبة عنه، ولم تتأمّر عليه بالقهر والغلبة. والإسلام يبارك هذه الحرية وهذا الانتخاب ما دام لمصلحة الجميع، ولا معصية فيه لأمر الله ونهيه، كيف؟ وهو من باب تدبير الحياة وحل المشكلات«. اعداد: عبد الحسين محمد جواد مغنيه (*) كتاب »الخميني والدولة الاسلامية« تأليف محمد جواد مغنيه، إصدار دار العلم للملايين، 1979، وهو احد مؤلفات الراحل الفقهية التي تُدرّس في الأزهر والنجف وقم، كموسوعة »الفقه على المذاهب الخمسة« و»فقه الإمام جعفر الصادق« و»علم اصول الفقه« وغيرها. (2) وهو الإمام المعصوم المهدي المنتظر الذي سيخرج من غيبته ويحكم بالمطلق، فيملأ الأرض عدلا بعد ان مُلئت ظلما، وهو آخر الأئمة المعصومين عند الشيعة وعددهم إثني عشر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة