»أعرفُ أن الشمسَ غداً، ستأتي مسحورةً بالنوافذ، وتعيد إليّ حصّتي من الذهب«. (من »الوصول إلى مدينة أين«) لا قد يشبه شيئا بمقدار ما ما يشبه سركون بولص قصيدة النثر، التي بها، كما يقول، يكتب تناقضات وجوده. واذا صدّْقنا قول سركون بولص عما يكتب أدركنا ان »الشبه«، اي شبه مستحيل، فالمتن، كما الهامش والحواشي، افتراق دائما والى الأبد. إذاً هو الخلْفُ في اساس سوء فهمٍ مستديم، ان تكون القصيدة »نثراً« وان يكون الشاعر »شاعر قصيدة نثر«، وعلى هذا، او مثله، يُبنى كلُّ »مجدٍ« زائل. فإذا اهتدى المهتدون أقاموا على حالٍ وسيرة، وأقاموا في المكان، ولكن أين يقيم الواقف على المفارق والمنعطفات والشعاب التي اذا أفضت فإلى مسالك ودروب؟ كل مجد زائل، مثله في ذلك كمثل كل شيء، فليس إلا التوهّم يجعل الوجود جمعاً ومسكةً وسياقاً؛ أما الجوال الخَرِف، صنو الغريب والمنبوذ واللامقيم، فله ان ينثر في كل جهة بعضا من كلامه، ويثق ان الكلام لا يبقى فلا يخشى دوام المثول امام حقيقة لا تحولُ او تزول. وسركون بولص يشبه بعض هذا او كله، او لا يشبه شيئا او احداً. المهذار الغُفْلُ المقتصد في هذره. الماثلُ الغائب الذي يحاول ان يختصر تناقضات وجوده في عبارة، لو ان العبارة تبقى. سركون بولص المولود في 19 شباط 1944، بالقرب من »الجبانية« (العراق)، انتقل الى بيروت وهو في الثالثة والعشرين من عمره (نحو عام 1967)، حيث أمضى سنتين قبل ان يرحل الى سان فرنسيسكو في الولايات المتحدة الاميركية، ليقيم فيها حتى العام 1996. كتب كثيرا، وانقطع عن الكتابة طويلا، ولم تصدر له الى اليوم سوى ثلاث مجموعات: »الوصول الى مدينة أين« (منشورات سارق النار، 1985) و»الحياة قرب الاكروبول« (دار توبقال، الدار البيضاء 1988) و»الأول والتالي« (منشورات الجمل، كولونيا 1992). فقط. هذا ما قد يختصر كل »نبذة« عن حياة سركون بولص الى اليوم. شاعر عراقي في المنفى منذ ثلاثين عاما؛ شاعر في الشتات. والأغلب انه أمضى سحابتها خارج دائرة الاضواء التي ربما أراد ان تضيق لكي لا تنير اكثر من فسحة داخلية. اضاءةٌ من داخلٍ الى مداه الأعمق، ما أتاح له، ربما، مقدارا من الاصغاء لم يُتح سوى لقلة قليلة من شعراء قصيدة النثر من الجيل الثاني. سركون بولص يصغي ويمسك بيد قارئ شعره لكي يتعرّف نعمة الاصغاء، لأن في الاصغاء وحده يمتلك الكلام ان يغادر رطانة وصخباً هما في نبرة تلفّظه، حتى تكاد النبرة ان تزول. وليس المنطلق في اخذ الشاعر بيد القارئ وجهة الاصغاء هاجسا لغويا او لسانياً او »شعرياً« (بمعنى البويطيقا كما تقول الفرنجة) بل هاجسٌ »نثري« لا غاية له »أشرَفَ« (؟!) من البوح بالمعلن، بما لا يصنف، لنثريته، من بين »الاغراض الشريفة«. إن أصغيتَ لشعر سركون بولص، وأنت قارئ شعر، لن تسمع، ولن يصل بك الشعر الى »غاياته«. تبقى حائراً، عند المفترق، حيث تحتدم »الحكاية« ولا تنتهي بل تمنحك ان تكون »حكاية« لقصيدة اخرى ل»نثر« آخر لا ينعقد في نشيد او حكمة. وتلك »شبهة« اخرى في شعر سركون بولص: أيُعقل ان الشعر »يروي«؟ لم نسمع او نقرأ بعد اجابة. غير انه في شعر سركون بولص »يروي« كثيرا اشياء تبقى، في العادة، على هامش كل رواية، كأن سركون بولص يقول الرواية ليست نثرا خالصاً. كأنه يقول: الشعر هو النثر الخالص. لم ينته شعر بولص من اللبس الذي يجعله مُشكلاً، وهذه ايضا سمة تضاف الى التمايز الذي لا يستطيع قارئ »الشعر« ان يغفله: كيف تتسع لغة لكائن ليس إلهاً؟ وإذا اتسعت له، متى لا تجعله إلهاً؟ إن أدركَ ان النثر إله الاشياء الصغيرة، البسيطة، وإن أدرك ان الآلهة مملون في عزلتهم وان الفانين يضحكون، يصبحون ظلالا او.. كلابات. حكمة »قصيدة النثر«، اذا كان لهذه القصيدة حكمة، ان الحِكَمَ لا وجود لها، وان اللغة التي تصنع كل شيء، هي كذبٌ رائع، وان المبتدأ ان تصدّق اللغة وإن كذبت. ان »تسير، واحدا من العباد/ في الزحام الذي يملأ الطرقات« او »ستتعلم: هناك تحت جلد الأساطير، تحت ركام كل شيء، أفعالٌ مختارة، أفعالٌ اختيرت لك وحدك لتتبعها بدقة«. وإن تبعتها قادتكَ الى المفارقة، الى المُفترَقْ، الى خيار ان تسلك قويماً او تنعطف او تقيم حيث انت او تعود ادراجك، او ان تقول إن ما سبق ليس سوى نثرٍ، اي هذر لا يستحق سماعه ولكنْ: اصغِ. قد تكون »قصيدة النثر«، كما لا يحب سركون بولص ان تُسمى، وليدة »غضبٍ« هائل في نشأتها. وقد تكون وليدة »أسىً« لا يُفصح عن حذافيره الا بالهذر والتفريج. وقد تكون شيئا آخر لم ندركه جيدا ولا ندركه الآن غير انها وجدت على ايدي كبار قد يكون معظمهم في الظل او في ظل الظل. وقد يكون هذا شرطها، ولو كان جائراً. لا نغالي إذا قلنا إن سركون بولص أحدهم وإن مالَ إلى ظلٍّ فاءِ إليه كثيرون ممّن يسعون الى الاصغاء. أختارُ وقد يختار سواي سواها، قصيدة »النهر« (من مجموعته »الأول والتالي« 1992) لا لأدلّ القارئ بل لأدلّني أيضا وأيضاً: »بعد أن نام الأحياءُ يسهرُ الموتى على ضوءِ القنديل في بستان الفاكهة المهجور، يلعبون الورق تحت الاشجار وأنا أصغي إلى النهر عندما يجري تحت نافذتي وأسمع كيف يختلسُ الزمانُ خطاه.. وحيثما قرأتُ آثارهُ كأرجلِ الغرابِ في طين أيامي وخطت شعري خيوطٌ إضافيةٌ من الرماد. العابرً فوق المعبر، يعرف ان القادم جاء الريحُ لا تؤسَرُ بالشبكة وأنا لم آخُذ الفرَسَ النبيلة بل انتهيتُ إلى هذه الغرفةِ في طرفِ المدينة حيث أصغي إلى النهر عندما يجري تحت نافذتي وأسمعُ كيف يختلس الزمان خطاه«.