As Safir Logo
المصدر:

الموسيقار المغني الاديب ركريا الحجاوي كان شيخ المداحين وجامع التراث

المؤلف: ناصف عمرو التاريخ: 1997-12-03 رقم العدد:7863

القاهرة عمرو ناصف تصادف هذا الأسبوع ذكرى رحيل الفنان زكريا الحجاوي الذي عاش حياته ينقب عن كنوز الفن الشعبي المصري في شرايين الريف المصري، ليعيد الى الحياة، العشرات من حكايا العشق وقصص البطولات وسير العارفين. وصفوه برائد الفن الشعبي المصري، ولقبوه بشيخ المداحين وملك الكلام، وهي كلها صفات وألقاب يستحقها الحجاوي، ويصر عليها اليوم بعد اكثر من عشرين سنة على رحيله، كل الساعين الى استنشاق عبقه في موالد الحسين والسيدة زينب والسيد البدوي وعبد الرحيم القناوي، حيث كان الحجاوي يطوف مع فرقته التي أسسها في الخمسينات لينشد ويطرب في ليالي هذه الموالد، دون ان يكل او يمل من هدفه الاساسي كباحث وجامع لمفردات الفن الشعبي الاصيلة، والذي يرده للسامعين مخلوطا بإيداعه وطين الأرض، ومرويا بفطرة الفنان المجهول الذي أبدع وقال كلمته ومضى، دون ان يشغله اللهاث خلف الطبع الميكانيكي وحقوق الاداء، حتى استحق الحجاوي ما قاله عنه محبوه من أنه يعرق إبداعا من كثرة ما شرب الحياة المصرية . ولد الحجاوي في الرابع من حزيران /يونيو/ 1914 في مدينة المطرية على ضفاف بحيرة المنزلة بمحافظة الدقهلية . أصدر مجموعة قصصية حملت عنوان (زهر البنفسج) وكانت المجموعة الاولى والاخيرة اذ هجر الحجاوي بعدها مجال القصة واقفا نفسه على موهبة اخرى بدت خصبة لديه، وهي الاهتمام بالفن الشعبي، فطاف قرى ومدن محافظات مصر يجمع حصيلة ضخمة من الغناء الشعبي والديني التراثي والحكايا والقصص والسير، لينقحها بعد ذلك ويعيد تقديمها اذاعيا ومسرحيا، تلفزيونيا بعد ذلك. ومع ذلك لم يقنع الحجاوي بهذه المنافذ، فكون فرقته الشهيرة للفنون الشعبية التي لم تترك مناسبة او مولدا من موالد الأولياء والعارفين الا وقدمت فيها عروضا وفنونا ثم واتته فكرة (سرادق الحسين) المستمرة والمتألقة حتى الآن، اذ لا يزال السرادق يقام على مدار أيام شهر رمضان من كل عام، ليقدم صورا من الغناء والرقص والموسيقى الشعبية بخلاف فن (المديح) الذي برز به الحجاوي، وهو فن يعتمد على الغناء المادح للرسول وآل البيت بوجه الخصوص. بعد ذلك اتجه الحجاوي الى الكتابة المسرحية، فنشر مسرحية واحدة هي (بغماليون) التي لم تأخذ مثل الكثير من اعمال الحجاوي ما تستحق من الاهتمام والتقدير. كان الحجاوي شاعرا مغنيا موسيقارا قاصا مسرحيا مخرجا مغنيا صحفيا، كما كان متذوقا من طراز رفيع لكل ألوان الفنون، وكان يقول: ان الأجيال لا ترث الالحان وتبقى عليها وتواظب في ترديدها من باب العبث، ولكن لأن هذه الالحان ترضي حاجات كثيرة وكبيرة في نفوسهم. من اكبر الانجازات التي حرص الحجاوي عليها محاولته تسجيل كل ما يجمعه من التراث الفني الشعبي الموشك على الاندثار، اذ خشي من ان يتحكم التلفزيون يوما ما في أذواق الناس بما سيقدمه من ألحان معاصرة، وتمنى ان يشارك التلفزيون الإذاعة المسموعة في حفظ الألحان الشعبية والتراثية ويوسع لها مكانا بارزا في برامجه كما حرص على تسجيل دراما التراث الشعبي قال عنها دائما انها المعبرة عن تفرد الشخصية الفنية للشعب المصري، فالموسيقى »الرسمية« اي موسيقى الصالونات وألحانها الأرستقراطية يبثها رجال تعلموا ودرسوا خارج دنيا التراث الشعبي وتأثروا بموسيقى تتشكل من خليط من البشارف التركية والموشحات الاندلسية، الى درجة ضاعت معها احيانا الشخصية والأصل، واللحن الشعبي في نظر الحجاوي وليد الفطرة واتساع الأفق والخبرة المشبعة بروح الحكمة والتجربة الانسانية داخل البيئة الأصلية للشخصية المصرية.. لم يمهل القدر الحجاوي حتى ينهي هذا المشروع الكبير، فمات بعد ان أنجز فقط الجزء الأول من موسوعته (التراث الشعبي) والتي كانت أهم مشاريعه.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة