عوّدنا محمد عابد الجابري في كتاباته ومحاضراته على إطلاق دعوات يعتقد انها الدواء الناجح »للمشروع النهضوي العربي«. ومن بين هذه الدعوات او الوصفات، الدعوة »لاستنبات« الديمقراطية في البيئة العربية بعد ان نعي »مرجعيتها الأوروبية«، واختلافها عن الشورى ذي المرجعية التراثية الاسلامية وكذلك الدعوة لعدم استخدام مصطلح العلمانية في الخطاب الثقافي والسياسي العربي، بل حذفها من القاموس واقتراح الاستعاضة عنها بتعبير »العقلانية والديمقراطية«(1)، ناهيك عن الدعوة »لكتلة تاريخية« عربية بإرادة مريد يفصل بينه وبين غرامشي صاحب المصطلح زمان ومكان، أي أوجه اختلاف كثيرة. أما بشأن »العقلانية« فهو يتحفّز اليوم لاستنباتها في البيئة العربية من خلال استدعاء عقلانية ابن رشد. واللافت ان اكتشاف اهمية العقلانية وظائفيا في فلسفة ابن رشد ليس جديدا على الكتّاب العرب. فمنذ فرح انطون (ابن رشد وفلسفته)، الى عاطف العراقي (النزعة العقلية عند ابن رشد)، مرورا بعبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وآخرين، يجري التأكيد على النزعة العقلانية عنده في منظومة علاقته بالفلسفة (حكمة الأوائل)، وبالدين (الوحي والشريعة) كما يجري التأكيد دائما عن »حاجتنا في هذه الأيام« الى روح العقل التي تتجلى في فلسفة ابن رشد. هذه »الحاجة« يستعيدها اليوم الجابري في محاضرته في معرض الكتاب العربي في بيروت الثلاثاء 16/12/97 مشددا على »الحاجة الماسة الى الروح النقدية العقلانية الرشدية التي عالج بها الفيلسوف العربي الترسيم الايديولوجي للعقيدة ونسج بها علاقته مع علوم الأوائل، علوم اليونان، التي كانت تمثل في ذاك الوقت الحداثة«. ليس المقصود في هذه العجالة التذكير بأن الكثير من الكتّاب سبق الجابري في هذا التشديد منذ أوائل القرن وأبرز »حاجتنا الى ابن رشد«، وليس المقصود ايضا تذكير الجابري بضرورة احترام السبق والاعتراف بالفضل، باعتبار ذلك من دواعي الأمانة العلمية وضرورات التراكم المعرفي في الوسط العلمي الذي يفتقده عالمنا العربي. على ان هذا موضوع آخر قد نعود اليه تحت عنوان »الجابري والأمانة العلمية والوسط العلمي«. السؤال المركزي في هذه المقالة هو التالي: اذا كان الكتّاب العرب لا يزالون يبشرون بعقلانية ابن رشد منذ قرن ونيّف، فلمَ لم تنفع دعواتهم ووصفاتهم ولم تستنبت هذه العقلانية الرشيدة والرشدية وتخصب في أرض العرب ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرون؟ لمَ أضحينا نواجه »أزمة معنى«؟ وهذا هو التعبير الذي يستخدمه الجابري اليوم حيال ما يشهده الزمن القائم من انهيارات، بدءاً من انهيار الاتحاد السوفياتي، الى حرب البوسنة والتطهير العرقي فيها، الى ما يحصل في الجزائر، الى جريمة الأقصر... ولنذكر هنا ان كتّابا غربيين من تيار »ما بعد الحداثة« استخدموا من موقع آخر هذا التعبير (أزمة المعنى) لنقد عقلانية الحداثة نفسها، وان واحدا كروجيه جارودي استخدم ايضا هذا التعبير وردّده في مواجهة الحداثة الغربية التي قامت في رأيه على نفي »الآخر« وتهميشه.. غير أني أستدرك لأقول: لستُ مع جارودي ولا مع جماعة »ما بعد الحداثة« في مواقعهم عبر هذا الاستخدام. بل أني استطردت حول »أزمة المعنى« لأشدد على سؤالي: لماذا لم تنجب الدعوة الى عقلانية ابن رشد »معنى ما« حتى اليوم، وبعد تكرار الدعوات والإلحاح بأننا »بحاجة ماسة« إلى هذه »العقلانية النقدية«. هل تملك دعوة الجابري اليوم حجة أقوى وبرهاناً أبلغ لأن الأزمة وصلت الى ذروتها ولأن »اللاعقلانية« تكاد تطيح بكل شيء؟ يبدو لي أن اقتناع نخبنا المثقفة بالعقلانية أمر لا ريب فيه ولا إشكال على مستوى الإقرار والقبول. لكن »المشكلة« ان الأمر يتعلق بمجتمعاتنا كدينامية وحركة وتعبير وآلية سلطة ورقابة وتسيير أي كجدلية علاقة بين مجتمع ودولة وثقافة وسياسة. وكل هذا يبدو انه يسير لا وفقاً لما تشتهيه سفن النخبة الحاكمة او تلك التي تتطلع الى الحكم، بل لآليات ومسارات لم تكتشفها بعد »عقلانية« الكتّاب العرب، ولا عقلانية الجابري اليوم الذي يكرر تعبير »أزمة المعنى« ويكرر الدعوة لعقلانية ابن رشد. أرجح ان في هذه الدعوة ثغرتين مترابطتين: ثغرة تاريخية، او بالأحرى ثغرة في البحث والوعي التاريخيين. ثغرة في معرفة الواقع والإمساك به (كمعرفة جدلية بين ذات وموضوع). بالنسبة للثغرة الأولى: أصبح من نافل القول على مستوى تطور مناهج المعرفة في الإنسانيات، التذكير بأن التأريخ لنص من النصوص او لواقعة من الواقعات يفترض التمييز بين الحاضر والماضي، أي يفترض عدم خلطهما ولكن عدم فصلهما أيضا بحجة »الموضوعانية« المفترضة. وهذا يعني ان »مساءلة الحاضر للماضي« كما يقول مؤرخو »الحوليات« الفرنسية، تفترض ان اسئلة الحاضر لا تجد جوابها في الماضي، بل انها تجد في الماضي حقلا معرفيا يغنيها ويثريها بعناصر جديدة، أي أن هذه الحركة الجدلية (حركة الذهاب والإياب الدائمة بين الماضي والحاضر) (مارك بلوخ) تولّد أسئلة جديدة ومعرفة جديدة، وهكذا.. وبالنسبة لإبن رشد تقوم بين عقلانيته (في سياقها الزماني والمكاني) وعقلها اليوم، وبعد ما تراكم في تراث العقلانية من محطات وإضافات بدءاً من الرشدية اللاتينية، الى ديكارت وفلاسفة الأنوار، وما بعد الأنوار، ومرورا بكل القفزات الابستمولوجية المتأخرة في العلوم الانسانية والاجتماعية، تقوم حلقات متراكمة، لا يمكن القفز عنها بموقف دعوي ايديولوجي: الدعوة الى عقلانية إبن رشد، فهذه الدعوة لا تفيدنا بشيء. إنها نوع من »أصولية عقلانوية« (Rationaliste) تتشابه منهجياً مع أختها »الأصولية الإسلامية«. ما يجمع بينهما »تأصيل« واحد في المنهج، وقفز عن التاريخ لتثبيت مرجعية في »الماضي« او تبني »بنية« من بنيات النص ودلالاته ووظائفه. وفي هذا يستوي المفكر القومي »الأصولي« والمفكر الاسلامي »الأصولي«، كما يستوي الحزب القومي والحزب الديني، وسواء سمّى الحزب نفسه »حزب الأمة« او »حزب الله« تبقى العبرة في المنهج. (راجع توسيعاً لهذه الأفكار في كتابنا: مشروع النهوض العربي: أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني الى الاجتماع الوطني 1995). ان المنهج المتضمن في خطاب الجابري يذهب باتجاه القفز عن التاريخ كحركة تراكم وتحولات وقفزات، ليستغني عنها (عن الحركة) بمفهومي »المرجعية« الساكنة، و»البنية« الثابتة، و»القطيعة« كدعوة. لكن القطيعة لا تحدث الا عبر التراكم المعرفي (لا الدعوة) وفي أوضاعنا العربية، لنتذكر ان نصف الأمة أمي وان القراءة محدودة جدا، ناهيك عن اللاتواصل بين قطاعات الفكر والثقافة، وركام التناقضات والانهيارات الهائلة وبؤس الناس وأحوالها الموصوفة »باللاعقلانية«. والأحرى ان نقول »بلا عقلانية« المفكر والباحث العربي، بسبب عجزه عن عقل هذه »اللا عقلانية« كما يقول صديقنا حسن قبيسي في قراءته لمارسيل موس، في كتاب »الهامش والمتن 1997). ان استحضار عقلانية ابن رشد على غرار ما يكتب الجابري، وعلى غرار ما يصنع يوسف شاهين في فيلمه »المصير« من صور وجماليات وخطابات ومغنى جذّاب، قد ينعش مخيال المثقف العربي المعاصر، وينمي لديه قدرة الجدال الايديولوجي ضد الأصوليات الدينية الحاضرة، متوهماً الإقناع، وهو في الحقيقة لا يُقنع إلا نفسه والمقتنعين معه. لذلك فاننا بدعوتنا القديمة الجديدة الى عقلانية ابن رشد والإلحاح على »حاجتنا اليه« فإنما نسيء الى ابن رشد ونسيء الى أنفسنا ومجتمعاتنا. نسيء الى ابن رشد لأننا لا ندرسه بتاريخيته (أي بزمنه ومكانه)، ونسيء الى أنفسنا ومجتمعاتنا عندما نسقط عليه حاجتنا الى العقلانية النقدية فنتماهى معه تماهيا في »مشروع نهضوي معاصر«. (راجع حول نقد هذا التماهي والإسقاط دراسة الزميل انطوان سيف القيّمة: »ابن رشد في رؤية عربية معاصرة: فرضية ازدواجية الحقيقة« الفكر العربي صيف 1995). أما حول الثغرة الثانية المتمثلة بغياب معرفة الواقع، فلعلها نتاج الأولى أو مدخلها لا فرق. ذلك ان معرفة الواقع والحديث الدائم عن القطيعة المعرفية التي تعني التجاوز، تتطلب شروطا لا يتنبّه لها الجابري ولا »المفكرون« الذين حبسوا أنفسهم في بوتقة »الثقافة الفلسفية« ومقولاتها »العقلانية« التي تصل الى الترسيم العقيدي او »الدوغما« في تمثلها للعقلانية، فابتعدوا عن فلسفات العلوم الانسانية والاجتماعية ومناهجها وطرائقها او أهملوها، او لم يُحسنوا استخدامها في فهم التاريخ والواقع، فوقعوا في الانقطاع، او التماثل. فإذا كانت القطيعة في ابستمولوجيا العلوم ولا سيما العلوم الاجتماعية تعني التراكم والتجاوز، فان الدعوة الى استحضار نماذج من الماضي للاستنهاض تلغي تاريخ التراكم الذي حصل في أوروبا، وتغمض العين عن الفراغ الحاصل في واقعنا العربي، وتستعيض عن كل هذا برهانات جذابة ولكنها خاسرة، وكما كان حال أغلب مثقفينا في النصف الثاني من القرن العشرين في ذهابهم بالرهان على الكاريزمات والمهدويات والقيادات الملهمة، وبمعزل عن أي معرفة بالواقع وإمكاناته واتجاهاته، وعلى رغم ادعائهم الكثير من »العقلانية«. أليست هذه »العقلانية« نفسها هي التي تكررت مع العديد من المثقفين العرب أيضا في حرب الخليج الثانية والجابري من بينهم؟ لا نريد من هذا التذكير أن ننكأ جراحاً، ولكن لا نريد أيضا ان نتمادى في أوهامنا حول دعوات »العقلانية« دون ان نراكمها معرفة »تاريخية ومعرفة« بالواقع وعقلا »لللا معقول«. ان وعي الحاضر لهو شرط لوعي التاريخ. ولا أجد للتعبير عن هذا الموقف أفضل مما كتبه الزميل انطوان سيف: »ان ابن رشد ليس منصة إقلاع لنهضوية جاهزة وصالحة كما يتوهم البعض«. ان علاقتنا التاريخية بإبن رشد من موقع الحاضر، يجب الا تختلف عن علاقتنا (كمؤرخين) بالغزالي او إبن عربي او الشاطبي... أيّاً كان تصنيف الواحد منهم في الماضي. فعقلانيتنا اليوم تستدعي ذلك. وعقلانيتنا المعاصرة لا تنبني من خلال »عقول« الماضي.