في القاهرة... عام 1997، صدر كتاب قديم جديد هو تجميع للأعداد الكاملة لمجلة »التطور« الصادرة عن جماعة »الفن والحرية« عام 1940. صدرت هذه النشرة لمدة عام في سبعة اعداد فقط، حذفت الرقابة نصف عدديها الرابع والخامس، ومنعت صدور عددين كان من المفروض صدورهما في يونيو ويوليو 1940، وبالتالي لم يريا النور. ثم صدر العددان السادس والسابع على شكل جريدة نصفية في أربع صفحات. ومما يدعو للتأمل كيف يمكن ان يكون لهذه النشرة قليلة الحجم والانتظام مثل هذا الوقع غير العادي في تشكيل الحياة الثقافية الراديكالية في مصر طوال هذا الزمن. بل واللافت اكثر هو عودة هذه النشرة بفعالية خيالية تتجلى في النفوذ الملهم لشواغلها بالنسبة للحركة الثقافية الشبابية في مصر. كيف يمكن لرجال ونساء غادرونا منذ زمن طويل، ووصلنا منهم القليل، ان يكون لهم هذا الحضور الحميم داخل نفوس اعداد واسعة من الشباب صغير السن، حتى الذين لم يقرأوهم او لم يطلعوا على انتاجهم الآخر تأثروا بمشاعر المحيطين ممن اطلعوا على أعمالهم وشكلوا لهم صورة حميمة في ذاكرتهم، هذا في الوقت الذي تتربع فيه كتل صماء من المثقفين في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وتصب كتاباتها على الرؤوس يوميا دون ان تلقى اي صدى او استجابة وكأنها قادمة من المريخ. قد تكون استعادة حضورهم هذا جزءا من احتياج عميق لروح التمرد التي حملوها، والشك في كل ما هو مستقر، لاستدعاء القدرة على التغيير والسعي لمشروع ثقافي انساني جديد للمجتمع المصري الذي يزخر بكم هائل من التناقضات غير المحتملة، وصراع لم تشهده مصر بهذه الحدة من قبل بين كل ما هو مؤسساتي راكد في مواجهة كل ضجيج الحياة وصخب الاحتياجات التي تصرخ مطالبة بطرق جديدة في التعاطي مع الواقع... مجتمع يبحث عن لغة جديدة في مواجهة صرامة الخطاب السلطوي السائد (دينيا كان أم ليبراليا ام تنويريا)، وشباب تخنقه الرغبة في الإبداع دون تحقق. المطلب بسيط: لغة مشتبكة مع الحياة وقادرة على الصراع، غير نمطية ولا تخاف ان تكون غير مقبولة، لغة تستطيع ان تنتمي لاحتياجات الناس ومعاناتها وقهرها خارج لعبة السلطة. فمن يبادر بخلق تلك اللغة؟!! يبدو ان الراهن غير مرض، ومن هنا كان الشوق لاستعادة الذاكرة الحية القادرة بالفعل على استدعاء هذا النوع من الاشتباك. جورج حنين، رمسيس يونان، أنور كامل، كامل التلمساني، بمبادرة منهم تأسست جماعة »الفن والحرية« في يناير عام 1939، عشية الحرب العالمية الثانية، وغداة تأسيسها أصدرت الجماعة نشرة »الفن والحرية«. وفي العام التالي اصدرت مجلة »التطور«، ومنذ فبراير 1940 اشرفت على عدد من معارض الفن الحر. وعلى مدار تاريخها القصير أصدرت عددا من الكراسات في السياسة والفن والفكر. كانت دارها في شارع المدابغ (شريف حاليا) ملتقى للمثقفين المصريين. »الفن والحرية«، ثم اصبح اسمها »الخبز والحرية«، تكونت وتمت من التقاء جماعة »المحاولين«، جورج حنين ومن معه وجماعة »الدعاية الفنية«، يوسف العطيفي ورمسيس يونان، ومن »المنبوذين«، نسبة الى »الكتاب المنبوذ«، أنور كامل وكامل التلمساني وفؤاد كامل واحمد رشدي، وجماعات اخرى وأسماء اخرى حدث من خلالهم اكبر تجمع ثقافي ثوري شهدته مصر في مطلع الأربعينيات. ومن عباءتهم خرجت ابداعات كثيرة معاصرة لهم وتالية عليهم. كان لهم بصماتهم على انتاج العديد من المبدعين المصريين مثل انجي أفلاطون ولويس عوض وآخرين. أصدروا العديد من الكتابات السياسية مثل: »مشاكل العمال في مصر« 1941، و»الصهيونية« 1944، و»لا طبقات« 1945، و»أخرجوا من السودان« 1947. الا ان بريقهم الحقيقي تجلى في تأثيراتهم المتنوعة والمميزة على الحركة الأدبية والشعرية وفي الفن التشكيلي والسينما. تأثروا بالسريالية وتبنوا الاشتراكية ودافعوا عن الطبقات العاملة وعن حرية العقل، كما دافعوا عن حقهم في التعبير عن كل هذه الأفكار. »نحن نريد ونعرف ما نريد« كان هذا شعارهم في مواجهة الجماعات المحافظة التي اتهمتهم بالافساد. فيكتب أنور كامل في احد أعداد »التطور«: »ان كان في تحرير العقول من الخرافات والأساطير الرجعية افساد، وان كان في تحرير الناس من الرق والعبودية إفساد، فنحن نعلن من هنا بأن لنا رسالة واحدة في هذه الحياة: هي إفساد عقول الناس«. ولقد عملوا بإخلاص من أجل ذلك... كتبوا الشعر ورسموا... أبدعوا للأدب والمسرح والسينما... عاشوا حياتهم.. تركوا بصماتهم... ولا زال صخبهم مسموعا في وسط المدينة في القاهرة والاسكندرية وأينما حلوا. عرب لطفي