»... إنهن محل الانفعال« (ابن عربي) بعض أقوال ابن عربي لا تكف عن الاحتفال بالأنثوي Le Fژminin، بحضوره الباذخ، ببهائه المصون، بعتمته الواعدة بالنهار، بحشمته المضيئة، وسريته الكاشفة، من داخل صونها المحيّر، ماهية الأسرار كلها. مبثوثة هذه الأقوال تماما كمقابسات مضيئة، في ثنيات بعض كتبه: (فصوص الحكم/ الفتوحات)، على سبيل المثال، أو مشكلة عصب كتابته الأساسي، كما هي الحال في (ترجمان الأشواق). إنها أقوال تُكتب في جوانية الجسد وبرانيته في آن، تمخر العمق تنتشر على سطح الكتابة، فاتحة إياها على الخارج العنيد، على الآخر المتعذِّر على القول، دون أن تجعله جزءا أساسيا من الجسد المكتوب، (corps ژcrit) أي على هبات الأنثوي ورؤاه المتعددة. شيء ما، كانفتاح للكتابة على الصيرورة الأنثوية (le devenir - fژminin)، على الجسد الأنثوي كهبة شرخ، تتماهى وشروخ الفكر اللامتوقعة، إذ هنا في حيز هذا الجسد بالذات، يتم العبور نحو الطاقة الفعالة للفكر وممكناته، نحو الترحيلات التي تطاول الخطاب وسكينته، ونحو خارج الكينونة الذي يهز أسَّ اللغة ويختبرها، أي نحو الأنثوي بما هو سطح الوجود، وأحداثه الخالصة. تبدو هذه الأقوال كتوقيعات aphorismes حيوية، بلغة دولوز في كتاب (منطق المعنى)، هي بمثابة طرق تأملية حاملة لطاقة »استفزازية« مثالية، تحدد مذهبا أو منظورا على الأقل. يقول ابن عربي في آخر فص من (فصوص الحكم)، وبالضبط في باب المحبة التي هي أصل الموجودات متحدثاً عن النساء: »إنهن محل الانفعال«، و»العلة مؤنثة«، وفي »الفتوحات«(1) يقول: »فحبهن فريضة واقتداء به عليه السلام. قال رسول الله (ص): حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة. فذكر النساء، أترى حبب إليه ما يبعده عن ربه، لا والله، بل حبب إليه ما يقربه من ربه«، ويقول أيضاً: »فمن عرف قدر النساء وسرهن، لم يزهد في حبهن، بل من كمال العارف حبهن، فإنه ميراث نبوي وحب إلهي، فإنه قال (ص)، حبب إليّ، لم ينسب حبه فيهن إلا إلى الله تعالى، فتدبر هذا الفصل ترَ عجباً«. لا تتعلق المسألة بوصف لموقع الأنثوي، بل بانخراط حميمي فيه، وفي فاعليته، وبالانتماء إلى قوته، وإلى (الفيض الغامر من الأنوثة، الذي ما فتئت حداثة بأكملها، تتمثل فيه فعل الكتابة، أي ضربا من القوة غير القابلة للتذويب)، كما يشير إلى ذلك بلانشو(2). لا يذهب هذا الانخراط نحو الأنثوي باعتباره معطى قابلاً للإدراك، بل نحوه كممكن، قابل للاشتغال والتأويل، أي نحو كتابته بالذات، بما هي عالمه الممكن، وجهه المعبر عنه، والكلمات التي يشتغل عليها التعبير. مسألة الانخراط/ الانتماء هذه، متعلقة جذريا باقتصاد الكتابة واستراتيجية الخطاب الصوفي عند ابن عربي، لأن هناك نوعا من الافتتان بجمالية الكتابة: (الأسلوب) أولا، افتتان هرمسي، غنوصي وخيميائي يتجاوز بالكلمات حدود التركيب والمعنى المألوفة، ليجعلها تندغم في صيرورة سحرية/ سرية، تلج نوعا من الانخطاف اللانهائي، شبيها بما أسماه نيتشه في سياق آخر: الرقص بالكلمات والأسلوب، وثانيا، لأن هذه الخطابية الصوفية عارفة، تتجاوز محدودية الحدوسات والشطحات إلى الاشتغال عليها، ومحاولة أسرها انطلاقا من آلة تأويل مركبة، ومن أشكال تعبير مختلفة، ولأنها أيضا خطابية بلا ذات (discursivitژ sans sujet)، تشتغل فيها سيرورة الكتابة على الآثار (les traces) أكثر مما تشتغل على/أو انطلاقا من ماهية معطاة. لا قياس يضبط هذا الانخراط في لانهائية النهائي، في ما يمكن تسميته بالمجاورة المدوِّخة للفكر والمربكة للحواس، أو المجاورة كإمكانية وكالتزام أونطولوجيين، لأن الشغف الانخطافي: (انخطاف ينمرس في أفق المعلوم وإزاء ملفوظاته، لا الانخطاف العاري والمتوحش والبدون علائق...، كما نلمسه مثلا عند »باتاي«)، يبتكر الآخر، ينشغل به، ويستحضره، وفق نمط يجعل الكتابة رهينة الأنثوي، مسكونة بندائه المستعجل والحاد، متعلقة إمكانيتها به. تتعلق المسألة هنا بقياس لانهائية الأنثوي، انطلاقا من/ وداخل نهائية الملفوظ: »الحديث النبوي«، الأمر الذي يجعل التجربة الانخطافية (Lصexperience extatique)، تجربة معرفية، مشروطة بفاعلية التأويل، ويجعل العمق الأونطولوجي، ملزماً باستدعاء الملفوظ، واستخراج ممكنات المجاورة منه. ان انخراط الكتابة، في استدعاء الأنثوي واستثماره، يتبدى وفق اجراءات عديدة: ارتباط حركتها الوثيق والجوهري مع اللامدرك باعتباره محل الأنثوي بامتياز، أو على الأقل محلا لتحقق أثره: »بالمعنى الذي يأتي فيه هذا الأثر، من »ما وراء« عصي على الإدراك والانكتاب، معبرا في آن عن المتعذِّر على التعبير Lصinexprimable«، وانخراط خطها في خط الصيرورة: »بالمعنى الذي تنأسر فيه الكتابة داخل صيرورة أنثى لا تقاوم«، انتشار الكتابة فوق سطح لا نهائي، وتعايش العديد من الأجساد الهويات داخلها، بالمعنى الذي تتعايش فيه الفكرة مع جسدها، والفتنة مع قرينها ويصعد فيه اللامقول، اللامفكَّر فيه إلى سطح اللغة، ويصير فيه الأنثوي سطح الأحداث بالذات لا عمقها المزعوم أي (كصور تبتكر في اللغة »لغة الآخر«)، حسب كريستين بوسي غلوكسمان. ذلك ما يسميه دريدا في (Eperons)(3)، العملية الأنثوية التي تكتب وتنكتب في آن، وإليها يؤول الأسلوب، لأنه إذا كان الأسلوب رجلاً فإن الكتابة أنثى. أن تكون الأنثى محل الانفعال، هو تأكيد لأبعاد هذه العملية الخلاقة والاستراتيجية وإبراز لأهمية التأنيث المعوَّل عليه، ولمنزلته في الوجود، أو لتلك الأنيما (LصAnima): القوة الأنثوية المحررة التي تصير نافعة ومؤكدة كما أشار دولوز بصدد تأويله حضور آريان (Ariane) في كتابة نيتشه. بهذا المعنى يصير الأنثوي تأكيد التأكيد، تماما كما آريان في لقائها ديونيزوس، حسب الفكرة العزيزة على دولوز في قراءاته لنيتشه، لا تأكيد المُقصى أو المنفي، يصير الحياة المؤكدة للكتابة. يمكن في هذا السياق، اعتبار »ترجمان الأشواق«، تعبيرا عن هذه الفاعلية المشتغلة عبر الفتنة: فتنة الكيان المجسد وفتنة اللغة في آن، أو فتنة التأويل وفتنة الأنثى الخطاب معاً. تبدو المسألة متعلقة بإبداع وإنتاج أنثويين، جزيئيين ومتعددين، ينتشران على سطح الكتابة، يفتحانها على الأقاصي القطبية، على الصيرورة اللامدركة، التي تجعلها مسكونة بنداءات ممكناتها اللانهائية، تائهة عن ماهيتها وعن حدودها، إذ لا يمكن أن نكتب الأنثوي ولا »حقيقته« ما دام موجودا باستمرار في المنأى اللجي للحقيقة، وبما هو لا حقيقة الحقيقة. يقول عنه ديريدا، إنه يبتلع كل ماهية كل هوية وخاصية، ويحجبها في اللاعمق/ اللانهاية. (إنهن محل الانفعال...)، أي محل الدوار (le vertige) اللانهائي، حيثما تتقدم الكتابة نحو الفقدان الباذخ لمركزيتها اللاهوتية أو العقلانية، لمنطقها. ليس الفقدان هنا، سقوطاً في جنون المعنى، ولكنه الفاعلية الانخطافية التي تلجها الكتابة كتأويل للملفوظ (lصژnoncژ) وتناسل للتأويلات، خصوصا حين تعلن كمساءلة لآخرها المطلق، عبر استدعاء الحب، والشهوة والحنين، وكل المفردات العشقية التائقة لمجاورة الأنثوي. إنها فاعلية شبيهة بآلة حرب، ذات سلطة غريبة، مرعبة وفاتنة. (الحب أعظم شهوة وأكملها)، يقول ابن عربي في »ترجمان الأشواق«(4). إنه الحب الذي يشتغل عبر الحنين (حنين المحبة والشوق لا حنين عَرَض يزول بزوال متعلقه)، والذي لا يمكن حدّه (أي تعريفه)، (فمن حدّ الحب ما عرفه ومَن لم يذقه شرباً ما عرفه، ومَن قال رويت منه ما عرفه، فالحب شرب بلا ري) يقول في »الفتوحات«. الحب باعتبار أهميته عند ابن عربي، هو كما الأنثوي، تحدّه (تعرفه) لا محدوديته بالذات. الشرب بلا ري، لا يشير فقط إلى مضاعفة قوة الفعل لدى المحب، بل وقوة الكتابة أيضاً (شيء ما كارتواء لا يني يضاعف رغبته...)، نمط التعبير الذي يحاول إنتاج الفكرة المتعددة واللانهائية للحب. إن جسد المحب جسدٌ مكتوب، طرس ممنوح لامّحاء وانكتاب المحبوب فيه، من دون أن تكون إرادة المحب الناظمة والموجهة له؛ طرس أورفيوسي بامتياز، ينعلن ككتابة للمحو وفتنته. يتبدى ذلك مثلاً، في حديث ابن عربي عن حرقة الشوق، التي تنتقل من البدن، ليصير الاحتراق نمواً لصورة المحبوب في الخيال. إن الاحتفال بالأنثوي، احتفال بتخيل جسدي/ فكري، بجمالية الخطاب، بدوائر التأويل المنبجسة من أنوية الجسد، وترحيلات الكتابة، احتفال يشتغل عن بُعد، وانطلاقا من مسافة معلومة، خصوصا إذا اعتبرنا مع ديريدا، أن المسافة التي تشتغل انطلاقا منها فتنة الأنثوي بفاعلية، هي عنصر سلطته، وأن علينا البقاء بعيدا عن هذا النشيد، عن هذا السحر، بعيدين عن هذه المسافة، لا من أجل الاحتراس من الانبهار كما يمكن الاعتقاد بل من أجل اختباره(5). إن الحنين الى النسوان (إلى الأنثوي) وحبهن، وخصوصا حنين العارفين (الذين يقول عنهم، في الفتوحات إن لهم أعيناً في قلوبهم، فتحتها لهم المعرفة، يرون بها منك، ما تجهله أنت من نفسك، لأنه ليست لك تلك العين، والذين عرفهم الجنيد قائلاً: العارف مَن ينطق عن سرك وأنت ساكت، أي يعرف منك ما لا تعرفه أنت من نفسك) إليهُنَّ، حنين الكل إلى جزئه، كاستيحاش المنازل لساكنيها الذين بهم حياتها، ولأن المكان الذي في الرجل الذي استُخرجت منه المرأة عمّره الله بالميل إليها، فحنينه إلى المرأة حنين الكبير وحنوه على الصغير. يبدو هذا التصور كتأسيس لخرائطية جسدية (cartographie corporelle)، تؤكد الاختلاف الجنسي وتنفيه في آن، كما لو أن الجسد لا تكونه الأعضاء والوظائف بقدر ما تخترقه الكثافات والعتبات وخطوط الترحيل والاستيطان: الآخر الأنثوي الذي يرحل ثم يصير موقعا للاستيطان، يصير جسدا بلا أعضاء، خرائطية محايثة لرغبة بلا ذات (desir sas sujet)، رغبة غير مذوَّتة (من ذات)، لا شخصية، وغير مجنسة (من الجنس). لربما كان الخطاب الصوفي، وخصوصا عند ابن عربي، أحد الخطابات النادرة في المجال المعرفي العربي الإسلامي، التي ارتقت بمسألة الرغبة في الكتابة كتحقق للصيرورة أنثى إلى مستوى اجراء فكري خلاق، كما لو أنه تفكير في جمالية الفتنة، في الغيرية المحايدة التي لا تنأسر داخل تأويل أو خطاب كتلوي/ بارانوي، يمنح الامتياز الثيولوجي الميتافيزيقي للذكوري (le masculin)، وكتابة غير مسبوقة بأية وصية، لالتباس الهويات الجنسية الذي يجعلها تنفلت ببذخ من سؤال: ما هو؟ الثيولوجي الميتافيزيقي، سؤال الماهية بامتياز. ضمن هذا السياق، يأتي احتفال هذا الفكر الكتابة بالعلة المؤنثة. (فإذا الرجل مدرج بين ذاتٍ ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين، تأنيث ذات وتأنيث حقيقي (...) كآدم مذكر بين الذات الموجود عنها وبين حواء الموجودة عنه (...) فكن على أي مذهب شئت، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم، والعلة مؤنثة...)(6)، كما يقول في آخر الفصوص: (فص: الكلمة المحمدية)، الذي خص الجزء الأكبر منه لتأويل حديث نبوي وإبراز موقع التأنيث داخله وأهميته وفاعليته وأبعاده اللامرئية، لا كتأنيث لفظي متعلق بالتركيب اللغوي للحديث: (لأن الحديث ذكر العدد على وجه التأنيث، رغم أن العرب تذكر لوجود مذكر في الخطاب)، ولكن كتأنيث معنوي غير لفظي، يعتمد إبراز الأنوثة المطلقة، الأنوثة التأكيدية، التي هي من الكتابة والجسد، تجربتهما القصوى، التي تنكتب خارج أسر الإرادة/ المشروع، ولا تصير قابلة للمعرفة قبل أن تكون موضوعا لرغبة سيدة، انه ما يسميه بلانشو سلطة الأنثوي المتعذر تعريفها، حتى على من يقدر أو يعتقد البقاء غريبا عنها، لا »الأنثوي الأبدي« (lصژternel fژminin) الذي تحدث عنه غوته، والذي هو نسخة شاحبة من بياتريس الأرضية والأبدية لدانتي(7). شيء ما ككتابة تخومية، دوارية، تضطلع بموقع الآخر، تفكره/ تكتبه كعودة للمُقصى، كفضاء للكتابة، يزهر بين الجنسين، ليترك شيئا مغايرا لهما يعبر، تماما كما تكون الصيرورة/ تشتغل في »الما بين« في »الوسط«، حسب دولوز، إذ من الواجب على اللغة بلوغ منعطفات أنثوية، حيوانية، جزيئية، وكل منعطف صيرورة قاتلة، إذ ليس هناك خط مستقيم لا في الأشياء ولا في اللغة، بل فقط مجموع منعطفات ضرورية يتم إبداعها كل مرة لتبيان الحياة وكشفها داخل الآخر: آخر اللغة، الفكر، الجسد والكينونة. يصل هذا المنعطف الأنثوي الباذخ والخطير أقصاه عند ابن عربي حين يقول في »الفتوحات«: ».. واعلموا ان الشيوخ إنما حذروا من أخذ الأرفاق من النساء، ومن صحبة الأحداث لما ذكرناه من الميل الطبيعي، فلا ينبغي للمريد أن يأخذ رفقاً من النساء حتى يرجع هو في نفسه امرأة، فإذا تأنث والتحق بالعالم الأسفل، ورأى تعشق العالم الأعلى به، وشهد نفسه في كل حال ووقت ووارد منكوحا دائما ولا يبصر لنفسه في كشفه الصوري وحاله ذكرا ولا أنه رجل أصلا، بلا أنوثة محضة، ويحمل من ذلك النكاح ويلد، وحينئذ يجوز له أخذ الرفاق من النساء ولا يضره الميل إليهن وحبهن«. إنها أقصى درجات فتنة الأنثوي، الصيرورة أنثى (le devenir - femme) للصوفي العارف، اختبار محك الأنوثة الكامن فيه، حين يصيرها، قبل أن يصبح جديرا بعشق الكيان الفعلي الذي يجسدها، أي أن ينمنح لنوع من (الخنثوية الأندروجينية (ondrogyne) التي ستُمنح لعشق »يلتهم نفسه إلى أقصى الحدود«، ويمكن أن يحرق حتى جذوره ما قبل الولادية (...) وكما أوضح هنري كوربان (H. Corbin)، في الصفحات الرائعة التي كرسها لجدلية الأنوثة لدى ابن عربي، فإن المزدوج أو الموحدة المتْنوية تبيّن كامل تجربة العشق الصوفي وتحيل الى طبيعة الأنثوي.. ونحن نقول: »العشق الصوفي« بما هو سياق من »الحنين المتعاطف« يكون العاشق والمعشوق فيه مأخوذين في وحدة متْنوية جوهرية، وفي هيام روحي وجسدي مزدوج يعمل بواسطة الصورة والخيال الفعال الذي يحقق التواصل العاطفي بين المرئي وغير المرئي، بين الروحي والجسدي، انها »صورة نشوانية« حادة يتحول فيها الشكل المحسوس والمباشر للمحبوب، الى شكل ظهور وتجلٍّ، الى حدث جواني، وإلى حضور يمارس الكشف والحجب في آن واحد، بهذا المعنى فموضوع العشق أو المعشوق هو »معدوم«: إن للعشق نزوعا إلى أن يمنح وجوداً للا واقع نفسه، أي هذه الرؤية/ اللارؤية المميزة للإيروسية)(8). ينفتح دوار الما بين جنسين (ذكر أنثى)، الما بين عالمين (أعلى أسفل)، الما بين عاشقين (العاشق المعشوق)، الما بين لغتين (لغة المحسوس لغة الخيال الفعال)، على خرق جذري (trans - radicale gression)، هو ما يحدد الفاعلية الجوانية/ اللامرئية لكتابة ابن عربي، خرق يراوح ما بين فتنة الجسد وفتنة اللغة، ويمكن أن نأخذ مثالاً مهماً عنه في وجه القديسة تريز دافيلا المنخطف المغمض العينين، في نوع من النشوة الباروكية وثنياتها اللانهائية، وهيئة الجسد المسكون بالفقدان الحميمي للجاذبية، كما هو الأمر في تمثال برنان (Bernin): (يحدد دولوز الباروكي (le Baroque) في كتابه اle pliب ووظيفته الاجرائية أو سمته الأساسية، بأنها ابتكار الثنيات الذاهبة نحو اللانهائي..)، وتحدد القديسة تيريز دافيلا الوَجْد (lصژxtase) أو الانخطاف (le ravissement) في (كتاب التأسيسات) بأنه اتحاد قوى الروح مع الله. تفتح مسألة الخرق هذه، تجربة كتابة الأنثوي (ژcriture du fژminin) على خارج يسكن الداخل المتعدد، والمتعذر اختزاله، الذي لا يمكن تخيل الداخل في انفصال عنه أو بدونه، شيء ما كانغماد/ اغتماد: (دخول جزء في نسيج الآخر) (invagination) حسب المفهوم الديريدي المستعمل في قراءة نص بلانشو (جنون اليوم)، الأمر يتعلق بانغماد البراني في الجواني، يصير عبره الداخل أخطر من الخارج وأعمق منه وأكثر تعلقا بالأقاصي. يتحدث ابن عربي، بصدد اشتغال الانغماد هذا وفتنة البرانية (lصژxterioritژ) عبر قوله في »الفتوحات«: فإن الفتنة بالاتساع، أعظم من الفتنة بالحرج والضيق. كل هذا يقود إلى القول إن الصيرورة الأنثوية ذات الطابع الجزيئي (molژculaire)، والبعيدة عن الإحالة على أشكال، موضوعات أو ذوات كتلوية (molaires)، لا تحيل بالضرورة على المرأة ككيان كتلوي متميز، أي المرأة بما هي مأخوذة داخل آلة ثنائية تعارضها بالرجل، بل الى ما قبل التعارض الثقافي/ الأنتروبولوجي، ذي النزعة الذكورية المركزية، وإلى ماقب أنطولوجي (prژ-onthologique)، يمكن التفكير فيه داخل حياد ماقب جنسي يمكن إرجاعه للأنثوي، الأمر الذي طرحه أفلاطون في محاورته (Timژe) انطلاقا من استعارة الكورا (Chora) الأفلاطونية التي اعتبرها دريدا(9) إحدى الاستعارات الكتابية التي يريد أفلاطون التفكير عبرها في الاختلاف العنيد، الكورا كموقع لانكتاب أصلي للأشكال، موقع »الجنس الثالث« قبل التمييز بين عالم »واقعي« (وهمي) وعالم الأفكار (حقيقي)، والتي تسمى أيضا رحما، مربية، وعاءً وأماً. إنه الأمر الذي يجعل العلة المؤنثة، علة الكتابة بالذات، التي تجعل الأسلوب وآثاره، بما هو سمة المذكر بامتياز، ينخرط في تراوحها الانخطافي المؤنث. لا يمكن للعلة المؤنثة، إلا أن تشتغل كعلة رحالة (cause nomade) خارج التاريخ الخطي (linژaire) للأشكال والخطط والأجناس، في خارج هو اشتغال الخرق بالذات، حيث يذوب التعارض المؤسس، يذوب الأساس، ليصير محددا انطلاقا مما يقصيه، يسكت عنه، من الهامش المتكلم: هامش الجسد/ الخطاب/ الأسلوب/ المعنى، كما لو أن الأمر يتعلق بفضاء ترحيلات، لهذه الهبة اللجية، الهبة المتأرجحة دوما بين التكلم والكتمان. إن كتابة ابن عربي نفسها، عبر التأرجح الذي تلج حيزه باستدعائها لحميمية الأنثوي وفتنته، تصبح متناً لنوع من الكتابة البيضاء، المعتمة التي تتشظى في آثارها (traces)، في امّحاءاتها، في محطات صمتها، وفي اللامفكَّر فيه الذي تحبل به، تكتبه وتمحوه، لتصير أثر الأثر (trace dصune trace)، شبيهة بطَرْس ملغَّز، أو لتنوشم باستحالة الكتابة، بنوع من الاشتغال الهرمسي، الفعّال في العمق الفاصل/ الرابط بين حافتي ثنية الجنسين في آن واحد (le pli des deux sexes)، لأن خط الأنثوي، يمر في ترحاله الباذخ بينهما. بهذا المعنى يكون ابن عربي أحد القلائل الذين ورّطوا الكتابة في مساءلة الأنثوي، والذين اندغموا في تحقق الهدف التخومي الملغز لفعل الكتابة والذي هو: إطلاق الصيرورات من قيودها (dژchainer les devenirs) كما يرى كلّ من دولوز وغاتاري في (النجود الألف). المراجع (1) ابن عربي، فصوص الحكم، دار الكتاب العربي، 1980، بيروت، ص 218 220. (2) Imaginairesde Lصautre ouvrage collectif, Harmattan, 7891, P. 53. (3) Derrida, Eperons, Falmmarion/ champs, 8791, P. 44. (4) ابن عربي، ترجمان الأشواق، دار صادر، بيروت، 1961، ص 22. (5) Eperons, op. cit. P. 72. (6) فصوص الحكم، مرجع مذكور، ص 220. (7) Blanchot; la communautژ inavouable, Mnuit, 3891, P. 19. (8) Imaginaires de lصautre, op. cit, P. 92. (9) Derrida, la dessimination; Seuil; 2791, P. 481 - 581. (*) كاتب من المغرب: فصل من كتاب معد للنشر عن سلسلة إصدارات »كراس« بعنوان »خرائطية الكتابة«.