As Safir Logo
المصدر:

الحريري يفتتح ورشة عمل حول الفساد في الادارة وطرق مكافحته: اكبر العيوب ليس الفساد بل الهدر والعجز.. والمتاح اليوم دعم اجهزة الرقابة(صور)

المؤلف: UNKNOWN التاريخ: 1997-11-20 رقم العدد:7853

الحريري في بداية كلمته اقترح الرئيس الحريري تعديل عنوان الورشة من الفساد الى »الهدر والعجز وطرق معالجتهما« معتبرا ان العنوان الحالي »يبالغ في تصوير وضع الادارة في لبنان، البلد الذي عانى ويلات الحرب ونتائجها«. وتطرق الى اهتمام صندوق النقد الدولي وعدد من المؤسسات الدولية بموضوع الفساد الاقتصادي والاداري »باعتبارهما مشكلة عالمية« مشيرا الى ان لبنان »لم يتخلف عن الآخرين في التصدي لظاهرة الفساد والافساد«. وقال الرئيس الحريري »يتجاوز السخط على الفساد في لبنان، والدعوة لمكافحته حدودهما الواقعية. لكن هذا الغضب العام من الفساد قديم قدم النظام اللبناني نفسه، ثم ان كل محاولة للاصلاح بقيت في اطار المبادرة التي لم تكتمل او اتت نتائجها اقل بكثير من المتوقع منها. هناك من يقول ان الفساد سببه طائفية النظام، وطائفية الادارة. وهناك مَن يقول: بل ان الفساد سببه النظام السياسي، ووقوع الادارة في اسر الطبقة السياسية. وهناك اخيرا مَن يقول: ان الامر أهون من ذلك، ويكفي ان نفعّل الاجهزة الرقابية لكي يصبح كل شيء على ما يرام«. واعتبر الرئيس الحريري ان تجربته خلال السنوات الخمس الماضية »اوصلت الى قناعات« وان مشكلات الادارة اللبنانية »ناجمة عن العوامل الثلاثة السابقة، وليس عن واحد منها وحسب«، واضاف »فما تزال للادارة في غالبية كوادرها العليا ارتباطات تضعف او تقوى بالطوائف التي ينتمي اليها الموظفون. وهذا في حد ذاته ليس مشكلة، لكن المشكلة في ان اختيار تلك الكوادر لا يتم غالبا وفق قواعد الكفاية او الصلاحية او الملاءمة. أما الامر الثاني المتعلق بالنظام السياسي فأنا أرى ان الادارة، وفي كوادرها العليا بالذات، ملتصقة اكثر مما يجب برجالات الطبقة السياسية، الذين يقيسون نفوذهم وفاعليتهم بعدد الموظفين الذين أدخلوهم في الادارات المختلفة. ويبدو الامر الثالث تقنيا لكنه شديد الاهمية: اجهزة الرقابة، ومدى قدرتها على ممارسة صلاحياتها رغم الطائفية والتدخلات السياسية، وقصور الوسائل. ويميل المتحدثون عن فساد الادارة اللبنانية الى نسيان عامل مهم هو الحرب الاهلية الطويلة، التي اضطرت الادارة الى الانقسام مناطقيا وطائفيا، ورغم عودة الادارات الى العمل في سياق واحد؛ لكن كثيرا من الذين مارسوا ممارسات مناطقية وطائفية وحزبية لا يزالون في الادارة، ولا أدري كم تغيروا«. وقال الرئيس الحريري »لا أقصد ان افاجئكم بعد كل ما ذكرتُ عندما أقول إن في ادارتنا كثيرا من الشرفاء والصابرين والعاملين بصمت وتفان، وانه رغم الفساد الاداري والسياسي، فإن اكبر عيوب ادارتنا ليس الفساد بل الهدر والعجز وهما أسوأ من الفساد. لقد راهنتُ ومعي كثيرون على الاجيال الشابة التي تتسم بالكفاية والحماس للوطن والجديد والمستقبل. ورأيتُ ان الورشة الهائلة للاعمار والتنمية ستدفع بالكفايات الجديدة الى السوق، والى القطاع الخاص، والقطاع العام على حد سواء. وسيشكل ذلك ضغوطا هائلة على رجالات الطوائف والسياسة والاحزاب.. فتظهر بالتدريج ادارة جديدة لا تخلو من الطائفية، ولا تخلو من السياسة، لكنها توسع مساحة الدولة، ومساحة الصالح العام، ومساحة الجديد والمستقبلي. وقد حصل شيء من ذلك رغم الجو التشاؤمي السائد. فالمصارف والشركات والمؤسسات العامة، استقطبت عناصر شابة لامعة الكفاية، وبدأت آثار اعمالها تظهر في نجاح تلك المؤسسات والادارات. وأحسب ان القاعدة التي تسود في هذه القطاعات ان العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة من السوق. ولا اقصد التهرب من مطالب الاصلاح الاداري عندما أذهب الى ان الصلاح الصحيح لمشكلات الادارة عجزا وهدرا وفسادا يكمن في تحديثها، اي باستقدام الكفايات الجديدة اليها، وتجاوز العقبات القانونية والمادية من اجل الوصول لذلك. فإذا حدث ذلك فإنا سنشهد خلال عقد لا اكثر ادارة جديدة لا تتجاوز الفساد فحسب، بل تتجاوز العجز، وهو الدائم الأهم«. وأضاف »كانت الوصفة الدائمة للاصلاح الاداري هي التطهير. وانا ارى ان المتاح والضروري اليوم في هذا المجال دعم اجهزة الرقابة، وتمكينها سياسيا وتقنيا من ممارسة صلاحياتها. أما تجاوز العجز و التسيب والهدر، فيكون بالتحديث القائم على اساسين: استقدام العناصر الجديدة بالحوافز والامكانيات والتحييد السياسي، والتدريب والتأهيل المستمرين للعناصر الوسطى والصغرى الموجودة، مع ربط الترقية والتقدم الوظيفي بهما. إن مستقبل لبنان الاقتصادي والاجتماعي يعتمد الى حد كبير على وجود الادارة الديناميكية العصرية، المنضبطة بضوابط القانون والمسؤولية. وبقدر ما تكون الادارة منفتحة ومرنة، تعمل بعقلية تقديم الخدمات وتحقيق النتائج، واعتماد مقاييس ومعايير واضحة للأداء الناجح، بقدر ما ننجح في الحد من فرص الفساد والتسيب والهدر«. واكد الرئيس الحريري ان الاصرار »على النهوض والاعمار والتنمية الشاملة، يضع مهام النظر في الادارة واصلاحها وتحديثها ضمن الاولويات. ومن هنا فإن ورشتكم من اجل التشخيص ومقترحات الاصلاح، شديدة الاهمية بالنسبة لنا مسؤولين ومواطنين«. السنيورة وتحدث الوزير السنيورة، في بدء كلمته عن الفساد كظاهرة موجودة وملازمة للحكم في كل زمان ومكان، تتغير وتشتد وفقا لتراخي الضوابط، ثم تحدث عن اهم العوامل التي اسهمت في »تفاقم« موجة الفساد الاداري في لبنان، فاعتبر ان الحرب التي عصفت بلبنان »أدت الى تفاقم المشكلة« وان »التضخم الذي استفحل إبان الاحداث ادى الى تآكل القيم والمعايير والرواتب والمدخرات واجور غالبية المواطنين بمن فيهم العاملون في الادارة، وأودى بمعظم شرائح الطبقة الوسطى التي كان غالبية الموظفين في الادارة اللبنانية ينتمون اليها وأدى الى انحسار دورها كصمام امان في المجتمع، ودفع بقسم من الموظفين الى التراخي في السلوك وعدم الالتزام بآداب الوظيفة والى توسل الرشوة للمحافظة على مستوى المعيشة الذي كانوا عليه او على مستوى قريب منه على الاقل«. واضاف »وأفرزت الاحداث طبقة جديدة من اثرياء الحرب الذين استباحوا كل شيء من اجل تحقيق كسب مادي سريع وشكلوا نموذجا حاول بعض الموظفين الاقتداء به بحيث تراءى للكثيرين ان النجاح في الحياة ليس الا باقتناص الفرص والتشاطر وليس اساسا وليد العمل والجهد والاجتهاد والتضحية والامانة المهنية وهو الامر الذي شجع على تفشي قناعات جديدة خاطئة في المجتمع اللبناني«. واشار الى »تنامي الشعور الحزبي والطائفي والمذهبي على حساب الشعور الوطني« حيث اصبح الولاء »للحزب وللطائفة وللمذهب اقوى وأولى من الولاء للوطن وللدولة وللادارة، واشتدت المداخلات السياسية في الادارة لنصرة ابناء الحزب الطائفة والمذهب حتى ولو كانوا من الفاسدين والمفسدين«. وقال السنيورة »وأفرزت الاحداث قوى جديدة هي ميليشيات الحرب التي كان من المفترض ان يكون دخولها الى الدولة لتندمج في مسيرتها ولإزالة الخلل في البنية الوطنية خطوة على طريق تعزيز الوفاق الوطني. الا ان النتائج لم تكن بمستوى التوقعات حيث ان الكثير من المواقع لم يتأقلم مع منطق الدولة واتخذ لنفسه مواقع في الادارة في مرحلة ما بعد الحرب يعوض عما كان له من نفوذ وهيمنة. واسهمت هذه القوى في ادخال اعداد كبيرة الى الادارة تحت ذرائع واشكال مختلفة دون الاستناد الى معايير موضوعية لجهة الحاجة الحقيقية او الكفاءة المهنية او الجدارة والاستحقاق«. إلى ذلك تناول الظواهر الآتية: أدت الاحداث وكثرة العمل وتشعبه وعدم توافر الكفاءات المطلوبة الى انحلال السلطة الرئاسية في الادارة والى ضعف الرقابة التسلسلية والى انعدام الرقابات الخارجية، وبالتالي الى انعدام المساءلة والمحاسبة، فنشأت مجموعة كبيرة من الموظفين المتواكلين والمقصرين والمسيئين الذين لا يحترمون الانظمة ولا يلتزمون بأحكام القانون. أدت الاحداث الى انخفاض المستوى العلمي والانضباط الخلقي والمسلكي بصورة عامة، فانعكس ذلك على الموظفين الذين التحقوا بالادارة ولا سيما إبان الاحداث وبعدها مما اثر على حسن ومستوى الاداء العام في الادارة. لم تقتصر آثار الاحداث على العنصر البشري بل طالت جميع جوانب الادارة من نصوص قانونية وهيكليات تنظيمية ووسائل عمل وادوات ووسائل ضبط داخلي واجراءات، فلم تعدل النصوص القانونية والاجراءات التنظيمية لكي تجاري التطورات التي طرأت على عمل الادارة الحكومية ووظائفها ومستوى ادائها، ولم تتطور الهيكليات التنظيمية لتستوعب الوظائف الجديدة، وتخلفت وسائل عمل الادارة وادواته عن تلبية الحاجات المستجدة في مهام الادارة، ولم تتم اعادة النظر بالاجراءات والتقنيات المستعملة لكي يتم اداء الخدمة للمواطنين بأسرع وقت واقل كلفة ولم يبذل جهد بطبيعة الحال لتطوير وتدريب مختلف العاملين في الادارة لكي تتكيف اذهانهم ومعارفهم ومهاراتهم مع المتغيرات والمتطلبات الوظيفية المستجدة مما ادى الى المزيد من انغلاق الادارة على نفسها. واعتبر ان هذه العوامل والعناصر »مجتمعة اسهمت في تفاقم موجة الفساد في الإدارة لدرجة كاد الكثيرون يميلون الى الظن بأن الفساد أصبح سمة هذه الإدارة والصفة الملازمة لها، إلا انه وانصافا للحقيقة فإن مساحات كبيرة من النزاهة والاخلاص للوظيفة ما زالت قائمة ومن الواجب التنويه بها وتشجيعها«. ورأى ان عملية الاصلاح الإداري »ولكي تكون على مستوى متطلبات العصر والتحديات القادمة، هي عملية طويلة وشاقة ومستمرة، ومتكاملة، ولا تتعلق بجانب دون آخر، وإلا بقيت ناقصة وعاجزة« وشدد على أهية العنصر البشري وقال يجب ان يُعاد النظر في أسس اختيار موظفي الإدارة، لا سيما على مستوى الكادرات المتوسطة والعليا وذلك باجتذاب العناصر الكفوءة والمتميزة، وإعدادهم وتدريبهم على تحمّل المسؤوليات وممارسة الأعمال وتأدية الواجبات وبعث روح المبادرة والابداع فيهم وحثهم على بذل الجهود ومضاعفة الانتاج وتوفير الضمانات اللازمة لهم وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب عليهم، بحيث يتم توقيع العقاب على المهملين والمقصّرين والمسيئين من جهة، وتقدير المستحقين ومكافأتهم من جهة ثانية، وبحيث يكون تقدير المتفوقين والمنتجين منهم مثالا يُحتذى، وبحيث تكون معاقبة المقصرين والمهملين والمسيئين عبرة لكي لا يتمثل بهم سواهم في الاهمال والتقصير والاساءة«. وأضاف »فلجهة اختيار الموظفين لا بد من اعتماد مبادئ الجدارة والاستحقاق بحيث يتم اشغال الوظيفة من قبل الموظف المناسب لها بعلمه وخبرته وانتاجيته، وبحيث تتم الافادة الكاملة من طاقات وقدرات القوى البشرية العاملة في الإدارة. ولا بد من تحديث وسائل اختيار الموظفين بالانتقال من النظام القائم على اساس كشف معلومات المرشح للوظيفة الى نظام قائم على أساس كشف شخصية ومؤهلات ومهارات وخبرات ومعارف المرشح للوظيفة وقدرته على إدارة مساعديه او الوحدة او فريق العمل«. وأكد الوزير السنيورة على ما يأتي: أولا: الحاجة الماسة الى تعزيز دور الإدارة الوسطى والعليا باعتبارها تمثل عنصر القيادة الإدارية. ثانيا: ضرورة توفي الظروف والامكانيات لممارسة الرؤساء التسلسليين صلاحياتهم التنظيمية والتوجيهية والإدارية والرقابية بكل انضباطية وجدية لكي يستقيم العمل الإداري. ثالثا: تعزيز دور اجهزة الرقابة وأهمية وتفعيل دورها، لتكتمل معها عناصر الضبط الإداري والحد من الفساد، ويتكامل البناء الإداري العام بدءا من الحلقة الأولى التي تكون بحسن الاختيار ونوعيته وانتهاء بالحلقة الأخيرة وتكون بالمحاسبة. ولا بد أيضا ان يستكمل تقييم أداء الموظف بتقييم أداء الإدارة التي يعمل فيها تأكيدا لفكرة فريق العمل، عن طريق تفعيل الرقابة عليها بالارتقاء بها من الرقابة على المشروعية، أي على مدى تقيد الإدارة بالقوانين والانظمة، الى الرقابة على الانتاجية والأداء وبالمقارنة مع الكلفة المتكابدة. وقال »إن هذا النوع من الرقابة يعتبر اختصاصا قائما بذاته له اصوله وقواعده واسسه واجراءاته المتعارف عليها دوليا، والمتطورة باستمرار بتطور النظم المحاسبية واجراءات الضبط الداخلي حيث تظهر محصّلة انتاجية الإدارة. ويشترط لممارسة هذا النوع من الرقابة مؤهلات لا تتوفر غالبا في من يمارسون حاليا أعمال الرقابة الداخلية والخارجية على الإدارة، كما ان عملية تكوين الكوادر المؤهلة لتولي هذه الرقابة تتطلب وقتا طويلا لايجاد العناصر التي تتمتع بالكفاءة العلمية وتدريبها لتكتسب الخبرة العملية اللازمة. لذلك لا بد من مواكبة الاتجاه العالمي الذي يميل، حتى في حال وجود مثل هذه الكوادر الى اعتماد مكاتب التدقيق والمحاسبة المشهود لها بالكفاءة والخبرة لتدقيق حسابات الدولة بالتنسيق الكامل مع اجهزة الرقابة الحالية لا سيما ديوان المحاسبة. وربط الوزير السنيورة عملية الاصلاح الإداري بموضوع دور القطاعين العام والخاص، لجهة تحديد هذا الدور في اطار مدى قدرة الدولة على القيام بواجباتها، وقال »لقد آن الأوان ان ندرك حقيقة اساسية وهي ان الموارد المتاحة امام الإدارة، مالية كانت أم بشرية، كانت وستظل محدودة. لذا فقد أصبح لزاما على الدولة ان تسارع الى تحديد دور القطاع العام وحجمه ومداه وحدود تدخله، مما يستوجب إعادة نظر دقيقة في دور كل من القطاعين العام والخاص وفي دور المؤسسات الأهلية بحيث يتكامل دور كل منها مع ادوار الآخرين لتحريك عجلة الاقتصاد ودفع عملية التنمية الى الامام، بحيث يركز القطاع العام على ما يجب ويمكن له ان يقوم به بشكل جيد وكفؤ وفعال ويضع الاطر الصحيحة والسليمة لدور متنامٍ للقطاع الخاص في مجالات درج القطاع العام على القيام بها والتي يستطيع القطاع الخاص ان يقوم بها بشكل اوفى وافعل واقل كلفة وأكثر انتاجية وذلك ضمن الاطر التي تضعها الدولة والتي تكفل عدم الاحتكار والتسلط لا سيما وانه اصبح باستطاعة القطاع الخاص ان يستعيد دوره الطبيعي والريادي وان يأخذ دورا متزايد الأهمية في عملية إعادة الإعمار والبناء. لقد بات على القطاع العام ان يركز على الأمور الاساسية بدل الانشغال في امور عديدة لا يستطيع ان يبرع فيها وتؤثر على فعاليته وانتاجيته ونجاحه. ان هذا من شأنه ان يخفف من الفائض في عدد المستخدمين في الإدارات العامة ويسهم في خفض عجز الموازنة، ويفتح مجالا لتوفير فرص عمل عديدة من خلال توسع القطاع الخاص في أعماله، واستعمال طاقات الدولة والاقتصاد بشكل أكثر تركيزا وفعالية وانتاجية. ان الدعوة التي تقول بتوسيع دور الدولة ولا سيما في القطاعات الانتاجية او المقولة انه بامكان الدولة ان تقوم بجميع الادوار الاقتصادية والاجتماعية، ليست سوى دعوة مفتوحة الى مزيد من الهدر والفساد ومن سوء الإدارة ومن سوء استعمال الموارد المتاحة للبلاد«. وشدد الوزير السنيورة على الأهمية التي يجب ان تعطى للإدارة في المرحلة المقبلة »بدءا بتحرير الإدارة من الولاءات المختلفة والمتعددة، السياسية والطائفية والحزبية والشخصية لكي يبقى الولاء خالصا للدولة، ولكي تبقى الإدارة محصنة وفي خدمة المواطنين جميعا. وهذا يعني تحرير الإدارة من السياسة وابعاد الإدارة عن هيمنة رجال السياسة وتدخلاتهم لتحقيق مصالح شخصية او مصالح انتخابية على حساب الدولة وعلى حساب جميع المواطنين«. واعتبر أن هذا الأمر »يتطلب من جميع المسؤولين، وفي أي موقع كانوا ولأية جهة انتموا المبادرة الى الشروع باتخاذ القرارات الصعبة الواجب اتخاذها والتعاون على تسهيل وعدم عرقلة اتخاذها بل والحض عليها لا سيما وان ظروف البلاد ومصلحتها العليا اصبحت تقتضي الاسراع في اتخاذ مثيل هذه القرارات والمواقف. ان تحرير الإدارة من السياسة يعني أيضا تحرير الإدارة من العصبية والطائفية لكي تسود روح الخدمة العامة بين الموظفين ولكي يتم اختياره وفقا لمعايير الكفاءة والنوعية ومستوى الأداء، وحتى تكون محاسبتهم على اساس الإنتاجية والعطاء، وليس على اساس المحسوبية او الولاء«. وقال »ولا بد من الإشارة الى ان سوء اختيار الموظفين والتدخلات السياسية في التعيين وفي الإدارة، وتغليب الاعتبارات الطائفية او الحزبية او السياسية او المناطقية في عمل الإدارة هو المدخل الاساس الى الفساد الإداري، وهذا الفساد يؤدي الى الانحراف العام والى تشويه مفهوم الخدمة العامة، وهو يستشري في حالات الفساد السياسي وتوفير الحمايات المختلفة وفي ظل ضعف مؤسسات الرقابة. وهنا تتدخل المصالح الخاصة والفئوية لتمارس تأثيرها وضغطها من خلال الوسائل غير المشروعة لاستغلال فرص الفساد، ولتمنع الدولة من ممارسة سلطتها وواجبها في محاربة الفساد وردعه«. وأضاف »انه من خلال بحثنا لموضوع الفساد في الإدارة يجب ان لا ننسى او نتناسى ضرورة اعتماد سلسلة رتب ورواتب جديدة تعكس أولا الحجم الحقيقي للمسؤوليات الملقاة على عاتق الموظفين وثانيا الزيادة التي يجب ان تتحقق على عدد ساعات العمل في إدارات ومؤسسات القطاع العام لتصبح أربعين ساعة. كما ينبغي وضع نظام متطور وعادل للحوافز المادية والمعنوية لمكافأة الأداء المتميز لا ان تصبح الحوافز جزءا من الراتب سواء تميز عمل الموظفين ام لم يتميز«. مرهج وبدأ الوزير مرهج كلمته بالحديث عن مهام مكتب وزير الدولة لشؤون الاصلاح الاداري، واعتبر ان »معالجة موضوع الفساد الاداري لا تشكل مهمة اساسية من مهام الاصلاح الاداري«. لكنه شدد على ان معظم الجهود التي تبذلها الوزارة »لتنمية الادارة سوف تهدر اذا لم تعالج مشكلة الفساد الاداري بجدية اكبر«. ثم تطرق الى الهدف من الندوة، وطرح ورقة عمل حول سبل معالجة الفساد الاداري، تحت عنوان »الحل الاداري« وقال »سوف نطرح عليكم ما سُمّي »الحل الاداري« كاضافة الى المساهمة الغنية للحلين القانوني والاخلاقي لمشكلة الفساد الاداري. ان فرضيتنا في هذا الاطار هي الآتية: ان الاشخاص ليسوا فاسدين، الاوضاع الادارية هي السيئة وهي لبّ المشكلة. ان الاوضاع الادارية السيئة تخلق فرصا للفساد والافساد. ان هذه الفرص تشكل عامل جذب للفاسدين وعامل عدوى للصالحين. لذلك، فإن جانبا كبيرا من الحل يكمن في معالجة الاوضاع الادارية السيئة لازالة فرص الفساد. وقال: »تعكس صيغة الفساد الاداري في اكثرية البلدان بسلسلة مقفلة تؤمن تماسكها عناصر اربعة على مستوى السياسيين والناخبين والموظفين والادارة. لهذه العناصر الاربعة مصلحة في خلق واستمرار السلسلة المقفلة لانها تمكنهم من انتزاع ارباح معينة بعضهم من بعض على قاعدة الانتفاع المتبادل. ان اعادة النظر في الاوضاع الادارية وتقويمها يحدان من تفاقم الفساد ومن امكان التفاف الموظف الفاسد على الاوضاع الادارية السليمة بحيث تعترضه صعوبات كبيرة تمنعه من تحقيق غايته وتوفر امكانات اكبر لكشف محاولاته. ان ايجاد المصاعب والمعوقات في مواقع استراتيجية في صميم الترتيبات الادارية هو ما اسمّيه الحل الاداري لمشكلة الفساد«. واوضح الوزير مرهج »يتوجه الحل الاخلاقي التربوي لمشكلة الفساد الاداري الى الناحية الاخلاقية الداخلية للاشخاص ويوضح الحاجة الى تدوين اصول التصرف في انظمة خاصة بكل من الافراد والمؤسسات والمواطنين، فيعاد بناء النسيج الاخلاقي للمجتمع. اما الحل القانوني القضائي لمشكلة الفساد الاداري، فيستدعي متابعة ومراقبة العمل الاداري عن كثب ويوفّر سبل ووسائل الحصول على ادلة ضد الفساد، فيفعل كلا من العقاب الاداري، والمؤسسات القضائية الهادفة الى مكافحة الفساد. هنا ايضا، يتضح ان الحل القانوني القضائي يعمل في محيط البنية الادارية وليس داخلها«. واعتبر ان الحل الاداري »الناجح يجب ان يركّز على العناصر الادارية اضافة الى اعادة النظر في الهيكلية والنظم الادارية على اختلاف انواعها ولا سيما تلك المتعلقة بتبسيط الاجراءات وغيرها. ومما لا شك فيه ان ادخال المعلوماتية الى الادارة بشكل واعٍ ومدروس يؤمن تقديم الخدمات السريعة واختصار الاجراءات وتوفير شفافية كاملة لتحركات الادارة«. لا بورد وألقى المستشار الاقليمي للوقاية من الاجرام والقانون الجزائي جان بول لابورد مداخلة تناول في مقدمتها قِدم ظاهرة الفساد، واعتبر انها تشكل كممارسة »تهديدا حقيقيا لوجود الدولة بحد ذاته«، ثم تطرق الى اثر الفساد على صعيد العلاقات التجارية الدولية. واشار الى ان الفساد الدولي »بلغ مستويات تساوي اقتطاعا بنسبة 5 في المئة من مجمل الاستثمارات الاجنبية وصادرات السلع نحو الدول المتنامية. فبالتالي، وعلى اساس تقييم يعود الى سنة 1992، يتم اختلاس 47 مليار دولار اميركي سنويا من خلال الفساد. ولا شك في ان هجرة رؤوس الاموال هذه تسيء للغاية الى نمو الدول الاقتصادي، لا سيما الدول المتنامية او التي تمر بمرحلة انتقالية اذ انها لا تملك الوسائل البنيوية لمواجهة الفساد«. وتناول نشاطات الامم المتحدة المتعلقة بمكافحة الفساد وقال »وفي عالمنا المضطرب بفعل تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، سيعثر الفساد دوما على فرص واسباب جديدة للتطور. الامر الذي ينطبق خاصة على لبنان اذ ان هذا البلد يواجه اليوم، بعد حرب دامت 17 سنة، اوضاعا متردية للغاية في الخدمة العامة«. واستدراكا لهذه الرهانات، طلبت وزارتا العدل والاصلاح الاداري اللبنانيتان الدعم التقني من مركز الوقاية الدولية من الاجرام لمكافحة الفساد. وفي هذا الصدد، ينبغي اعادة تحديث قانون الاثراء غير المشروع الذي وضعه البلد عام 1953 والذي لم يطبق بتاتا والذي يتطلب تنقيحا. اشكر الوزارتين لدعوتهما، وأنا على ثقة من ان تعاوننا سيكون بناءا«. حوار مع الحريري سئل الحريري عن سبب عدم قيام الدولة بمكافأة الموظف حتى لا يلجأ الى وسائل اخرى فأجاب »اذا كان هناك كلام حول سلسلة الرتب والرواتب والزيادة وعدم اقرارها وتأخيرها او غير ذلك، ليس لاننا نشعر بأن الموظف لا يستحقها او نحن نمثل الرأسمالية الجشعة التي تريد ان تمتص دماء الشعب العامل، هذا الكلام غير صحيح نحن ننظر الى وضع البلد العام ونتصرف بمسؤولية ونتحملها وتاليا لا يمكن ان تقاس الامانة في العمل بحجم الراتب، هذا مستحيل، بداية لم يجبر احد على الوظيفة. ان للدولة امكانات مالية محددة تسير من ضمنها لا نستطيع تجاوزها، واذا لم نستطع ذلك فنسمح للموظف بأن يرتشي، هذا تفكير خطير جدا واذا لم يكن الموظف بموقع يستطيع من خلاله ان »يرتشي« ماذا يفعل؟ هل يؤسس شركة خاصة للرشوة؟«. وعما اذا كان يمكن للتركيبة السياسية الموجودة اليوم ان تتخذ تدابير للحد من الفساد في السياسة والادارة، قال الرئيس الحريري »نحن تولينا المسؤولية قبل خمس سنوات وجميعنا يعلم كيف كان الوضع، وكان في استطاعتنا ان ننطلق ونعتبر ان الوضع السياسي »شاذ« وهو كذلك، وتاليا لا نستطيع القيام بأي عمل، اي قبل ان تبدأ الاعمار يجب اجراء الاصلاح السياسي، وهذا صحيح، ولكن ليس هناك دولة في العالم توقف عقاربها او تستطيع ذلك، حتى تتحقق شروط عدة. نحن اخذنا طريقا آخر، وقلنا إن الوضع العام محدد في وجود جزء من ارضنا محتلة والبلد خارج من الحرب، وهناك وضع سياسي معقّد، وتسوية في المنطقة معالمها غير ظاهرة، من هنا وضمن هذه المعطيات نريد ان نحاول بناء البلد والتقدم به«. واضاف »ان الذي حصل خلال السنوات الخمس الفائتة كبير جدا، وليس صحيح ان ما حصل محصور فقط بالكهرباء والمياه والهاتف والنظافة وغيره. بل لقد عاد لبنان الى الخارطة العالمية وثبّت نفسه واصبح لدينا كوادر عديدة جدا، واصبح الموظفون الاكفياء في مراكز حساسة وجدية في البلد، لدينا مشاكل، هذا صحيح، هناك اخطاء حصلت وستحصل طالما ان هناك عملا. يوجد تضخيم للمشكلات وهناك محاولة لتصوير البلد وكأنها على قاب قوسين او ادنى من الخراب، وهناك مسؤولون ووزراء في الدولة يقولون هذا الكلام، فهل هذا صحيح؟ كلا. وهم يعرفون ذلك، ولكن لماذا يقال هذا الكلام اذا كان غير صحيح، لاننا اصبحنا في نهاية الثلاث سنوات التي مُدد فيها للرئيس الهراوي. وهناك فئة تعتقد ان انتخابات الرئاسة فُتحت، ليس هناك مبرر لهذا الكلام، لانه لا يوجد شيء في هذا الاطار قبل سنة او عشرة اشهر من الآن، ولكنهم يعتقدون بأنهم يحاولون تركيز وضعهم او تحضير مستقبلهم، وهم في ذلك على خطأ«. اضاف »لدينا موازنة تدرس في المجلس النيابي، صحيح، وأمس حصل اجتماع بيني وبين رئيس المجلس النيابي وتدارسنا الامور بكل جدية وموضوعية وايجابية ووضعنا المشكلات امامنا وهي مطروحة في البلد، ونحن نحاول ايجاد حلول مع بعض المسؤولين. فهل نستطيع القول إنه بعد اجتماعين آخرين »حُلّت المشكلة«، هذا غير صحيح، هناك مجموعة من المشكلات المتراكمة بحاجة الى وقت حتى تحل. والمهم ان نأخذ التوجه والارادة السياسية لحلها، فهل الوضع ميؤوس منه، هذا غير صحيح ابدا، وهل هو بالشكل الذي يحاول البعض تصويره، حتما لا، وهناك محاولة لتصوير الامور بأنها الى خراب. غداً او بعده، ماذا سيحصل؟ لا شيء، ستشرق الشمس وتغيب ويبدأ نهار جديد. اقول ان هناك اناسا لديهم اوهام وتمنيات، وهم سيبقون في هذا الجو بضعة اشهر، وبعد ذلك سيرون ان كل هذا الكلام ليس له تأثير. الجو العام في البلد يتأثر هذا صحيح، لاننا في بلد حساس ومسيّس، ولكن هل لدينا كارثة لا سمح الله، مصيبة. واي بلد لا يوجد فيه مشكلة؟ فجميع البلدان التي زرناها يوجد فيها مشكلات، ومشكلاتنا متشابهة، مثل الدين العام اليوم في الاسواق العالمية، نعتقد انه يجب ألا يكون له تأثير ولو نفسي علينا، فالعالم مترابط مع بعضه، ونرى ماذا يحصل في هونغ كونغ وباريس ولندن ونيويورك، ولماذا لا نكون نحن كذلك. ومع ذلك فإن وضعنا افضل من غيرنا بكثير«. وتابع »قبل ثلاثة اسابيع حصل امر في لبنان ومر ضمن العاصفة من الكلام والتشكيك، وهو انه في اثناء انهيار عملية الاسهم في آسيا واوروبا ونزول الاسهم في بورصة نيويورك، كان لبنان يوقّع في هذه الاثناء قرضا لمدة عشر سنوات بقيمة 400 مليون دولار هذا امر غير بسيط، ومر عليها مرور الكرام، مع انه امر مهم جدا واساسي، هذا يدل على ان الثقة في لبنان اكبر بكثير من ثقة بعض الناس. وهذا الامر لم يأخذ حيزا في بعض وسائل الاعلام، ان الذي حصل هو نتيجة جهد كبير بُذل في خلال السنوات الفائتة، ويؤكد الثقة بالبلد. وهذا القرض هو لعشر سنوات وهي المرة الاولى التي يتم فيها ذلك، مع العلم انه في اول اصدار لسندات الخزينة قام به لبنان لسنتين »قامت القيامة« والآن نستدين لعشر سنوات ونستطيع الاستدانة لسنوات اكثر، هذا امر ليس بسيطا وهو دليل ثقة. برأينا ضروري جدا حصول اصلاح سياسي، وأنا مع هذا الامر ولا اعتقد ان احدا لديه شك في ذلك، ولكن في غياب الاصلاح السياسي لا يعني ان نترك الامور سائبة حتى لا يصبح الاصلاح السياسي وغيره متعذرا، واعتقد ان هناك امورا كثيرة تغيرت في البلد من خلال السنوات الفائتة على الرغم من الكلام. وسئل هل انت كرئيس لمجلس الوزراء وكمسؤول عن سياسة الدولة مع القيام بحملة على الفساد؟ فأجاب: »يجب الا يتبادر الى ذهن احد بأننا لسنا ضد الفساد، فنحن نقوم بحرب على الفساد منذ اول يوم تسلّمنا فيه المسؤولية وحتى الآن وكثير من التجاذبات التي حصلت في البلد والمعارك السياسية سببها حربنا على الآفة الموجودة في المجتمع. احاول ان اقول الامور بواقعية ويوجد في هذه القاعة موظفون في الدولة وأنا اعرف معظمهم واحترمهم وعندما نتكلم عن الفساد في الادارة يؤخذ انطباع بأن الادارة اللبنانية فاسدة، واقول ان هذا الكلام غير صحيح، هناك فئة كبيرة من الموظفين شريفة وهي تعمل في الليل والنهار ولا يحصلون على شيء في المقابل، فهؤلاء علينا احترامهم ومكافأتهم. وردا على سؤال قال الرئيس الحريري: »تبسيط المعاملات موضوع مهم جدا، وسبق وقلت بتصريح رسمي ان الاجراءات في الدولة موضوعة لاذلال المواطن. والقوانين مركّبة، بشكل ان اي معاملة تتطلب من المواطن وقتا طويلا وهذا يؤدي الى الرشوة وغيره، من المفترض تبسيط المعاملات واعادة النظر بالهيكليات، وهذه امور لا خلاف عليها لكن هناك موضوع اساسي، وهو هل ان الارادة السياسية الجامعة موجودة لذلك او لا؟«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة