كنا قرأنا في الملحق الثقافي للسفير الصادر في 7/11/97 مقالة للاستاذ سليمان الشيخ بعنوان »لماذا أضاعوا رواية غسان كنفاني.. العبيد او اللوتس الاحمر الميت« كما قرأنا في مجلة »الوسط« العدد 292 تاريخ 1/9/97 عن الموضوع نفسه لنفس الكاتب ويبدو من عنوان المقالتين وسياقهما ان هناك اتهاما للقيمين على نشر تراث غسان بدءا من لجنة التخليد مرورا بمؤسسة غسان كنفاني الثقافية ومؤسسة الابحاث العربية ويعلم الله من هو المعني أيضا بالتآمر والتقصير خصوصا بعد ان انتقل بعض اعضاء لجنة التخليد الى رحمة الله. وبما أني معني مباشرة بذلك بسبب ائتماني على تراث غسان منذ يوم استشهاده وحتى الآن، ثم بحكم موقعي في لجنة التخليد، ومن ثم في مؤسسة غسان كنفاني الثقافية، أرى لزاما علي من خلال التزامي هذا بإيضاح بعض الأمور المتعلقة بموضوع النشر خصوصا بما لم ينشر من التراث.. من روايات او قصص قصيرة او دراسات سياسية او مقالات متعددة المواضيع او سوى ذلك وهي كثيرة.. إثر استشهاد غسان منتصف العام 1972 تألفت هيئة من رفاق غسان وأصدقائه للاهتمام بجمع ونشر واعادة نشر تراثه الأدبي وأطلق على هذه الهيئة اسم »لجنة تخليد غسان كنفاني« وأنيط العمل الميداني بعضوين (وهما ما زالا على قيد الحياة.. على الأقل حتى الآن.. احدهما موجود خارج لبنان حاليا). إصدارات قامت اللجنة بجمع التراث المنشور والمخطوط وأخذت تنازلات من جميع دور النشر (وهذه مبادرة مشكورة للمساهمة في نشاط اللجنة). ثم قامت بعملية التصنيف ونشرت بالأشتراك مع دار الطليعة المجلدين الأول (الروايات) والثاني (القصص القصيرة) مع كتيب رسوم لأرض البرتقال للفنان ضياء العزاوي في خلال عامين وحين تأسست رسميا العام 74 مؤسسة غسان كنفاني الثقافية صدرت المجلدات الأخرى بإشراف المؤسسة ودور النشر الاخرى المعنية فصدر المجلد الثالث (المسرحيات) والرابع (الدراسات الأدبية) ثم القنديل الصغير (قصة للأطفال نصا ورسوما لغسان). وكان مقررا ان يصدر تباعا المجلد الخامس (الدراسات السياسية) والسادس (فارس فارس وآخرون) والسابع (روايات وقصص لم تنشر) وكانت قد بدأت الحرب اللبنانية ثم الاجتياح الاسرائيلي عامي 78 و82 وتغيرت ظروف النشر والتوزيع فارتأينا اعادة نشر مجموعات الروايات والقصص القصيرة في كتيبات صغيرة بالاضافة الى المجلدات وخوفا من ضياع بعض المخطوطات التي تعرضت للحريق بسبب الاحداث وانقذت بأعجوبة قمنا بنشر بعضها خارج نطاق التصنيف الآنف الذكر فنشرنا »من قتل ليلى الحايك؟« و»القميص المسروق وقصص اخرى« ومؤخرا »فارس فارس« الذي ضمناه نماذج مما تم جمعه من المكتبات ودور الصحف مما نشره غسان فيها منذ بداياته »صحف الرأي والحرية والمحرر وملحق »الانوار« و»الحوادث« و»الهدف« ومن مركز الابحاث الفلسطينية قبل تدميره ومن مكتبة الجامعة الاميركية« ومن بعض الأصدقاء والمهتمين علما ان الكثير منها لم ينشر بعد. ارجو هنا عدم استباق ما سوف يرد والاتهام بالتقصير او تضييع التراث او اخفائه. اللوتس الأحمر الميت ان عدم نشر رواية »اللوتس الاحمر الميت« حتى الآن هو نموذج لما قد يربك النشر، او للحساسية التي يمكن ان تنشأ عنه. هذه الرواية تقرب كثيرا من المذكرات الشخصية وتصور ردود الفعل التي كان يتعرض لها غسان أثناء عمله السياسي والتنظيمي. هذه الرواية كتبها غسان في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات على فترات متقطعة وفيها احيانا فقرات كالمذكرات: يوم كذا تاريخ كذا.. يسرد فيها ما حدث. أظن انه في عام 59 وبعدها بقليل كان غسان تحت وطأة ضغوط تنظيمية عبر عنها في الرواية وهذا الظن يزداد يقينا بعد قراءة مقالة الاستاذ بلال الحسن في »السفير الثقافي« بتاريخ 11/7/97 في الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده كتب الاستاذ الحسن هذه الفقرة: »كان غسان عضوا في حركة القوميين العرب، ثم عضوا في الجبهة الشعبية، ثم ناطقا رسميا باسمها الى ان مات(!!). وأقول عن معايشة طويلة له في هذا المجال، انه كان حزبيا سيئا، لا يعني ذلك انه لم يكن ملتزما، بل كان شديد الالتزام، وانما نفورا من متطلبات العمل الحزبي. كان ينفر من الاجتماعات ولا غيرها، وينفر من الواجبات الحزبية ولا يؤديها (كتجنيد الاشخاص مثلا)، لكنه يعطي كل وقته لجريدة الحزب حين يطلب منه ذلك، كان يختار ما يريد ان يعمل، ويرفض الانصياع لأي مطلب حزبي آخر. كان ملتزما، ولكنه ليس حزبيا محترفا«. ومؤخرا علمت من أحد رفاق غسان السابقين انه في العام 69/70 تعرض لنفس النوع من هذه الضغوط (ربما الاحتراف الحزبي او ربما لأسباب اخرى) وهذا يفسّر بشكل واضح ما ورد في بعض مذكراته التي كان يكتبها من وقت لآخر حين كتب »أظن أنه قد آن الأوان لنشر رواية اللوتس الاحمر الميت« وهذا يعني انه لم يكن ينوي نشر هذه الرواية بسبب ربما تعرضها رمزيا لبعض رفاقه. وانهى غسان روايته هكذا على لسان هشام بطل الرواية: »الحياة كلها سخف... كل شيء سخف. احس بالتعب.. فجلس على رصيف دكان مغلقة وأخذ ينظر الى الناس بوجوم. راوده إحساس مفاجئ بأن كل هؤلاء الذين يركضون سوف يموتون يوما ما.. وشعر بارتياح لمجرد انه فكر في ذلك، لقد كان تعبا جدا، وليس يدري كيف مدد جسده على رصيف الدكان، وسقط في النوم، فيما كانت الاعلانات المضاءة قد بدأت ترتجف«. ولكن غسان لم ينشر الرواية برغم مرور سنتين على ملاحظته في مذكراته. ننشر أو لا ننشر هنا نقع في حيرة هل ننشر أو لا ننشر. اخترنا الطريق الصعب، عرضنا نسخا من هذه الرواية على بعض الأدباء والنقاد ودور النشر والرفاق السابقين ووردتنا إجابات متناقضة زادت من حيرتنا وحرجنا وتركتنا نتعرض لاتهامات ربما باطنها الحرص على التراث وظاهرها افتعال معارك أدبية لا حاجة لها ويمكن تداركها بقدر قليل من البحث. وهنا أريد ان اسأل الأستاذ سليمان الشيخ ومن ثم مجلة »الطليعة« الكويتية كيف يجوز نشر رواية في مجلة لها تراث طويل في العلاقة مع غسان وما كان يمثل، دون اطلاع المعنيين بموضوع نشر تراثه او استشارتهم وأخذ رأيهم في ذلك أم ان تراث غسان هو ملكية عامة لكل ان يعتبر نفسه معنيا بها دون الرجوع الى اي مرجع كان. ثم كيف وصلت نسخة من هذه الرواية الى المجلة؟ ولم تتكرم المجلة بإعلامنا رغم اننا اطلقنا نداء عاما لكل من لديه مخطوطة لغسان كي يحيطنا علما بها ليسهل علينا جمع التراث. ومع ذلك فنحن نتمنى على مجلة الطليعة والاستاذ سليمان الشيخ تزويدنا بنسخة من الرواية المنشورة خاصة وان المرحوم الفنان ناجي العلي قد رسم لها كما ذكر. كذلك نرجو من الاستاذ الشيخ تزويدنا بنسخة من كتابه »ما لم يعرف من أدب غسان كنفاني« مشكورا. حدث هذا أيضا بالنسبة لمخطوطة اخرى »ثم أشرقت آسيا« وهي عبارة عن دراسة سياسية ومشاهدات للصين الشيوعية في الستينيات اثر زيارة غسان لها. اما فيما يتعلق برواية »سقوط الجليل« التي أشار اليها الكاتب فالحقيقة انها هي نفسها التي سماها غسان فيما بعد »العاشق« وهي رواية غير مكتملة كان غسان يعود اليها من وقت لآخر ويبدو لنا من المخطوطة انه كان مقدرا لها ان تكون ملحمة روائية لتأريخ ثورة الشعب الفلسطيني، وقد نشرناها في المجلد الاول (الروايات) مع الأعمى والأطرش (وهذا العنوان لم يختره غسان) كروايات غير مكتملة. في مقالة الاستاذ الشيخ الاخيرة في السفير الثقافي حيرة ايضا في »المناسب وغير المناسب« سواء فيما يتعلق بالمستوى الفني للرواية كأول محاولة روائية لغسان او في الظروف المتغيرة (وخاصة السياسية منها والتنظيمية) او حتى في الحرص على المستوى الشخصي لأدب غسان... وهذه آراء يشترك فيها مع بعض النقاد والأدباء الذين استشرناهم ومعنا. ولكن الأستاذ الشيخ اتخذ قراره بالانحياز الى وجوب النشر.. ولكن اتخاذ القرار بالنشر أظنه ما زال مسألة فيها نظر. فاروق غندور (رئيس مؤسسة غسان كنفاني)