As Safir Logo
المصدر:

احمد بهاء الدين:تجدد في مضمون الصحافة

المؤلف: الصلح منح التاريخ: 1997-10-28 رقم العدد:7833

في العام 1948 ومع صحوة جيل عربي كامل على قرار دولي بتأسيس اسرائيل، برزت في مصر ظاهرة انشداد قوي الى العروبة عبّر عنها احد الساسة العرب بالقول: »خسرنا فلسطين وربحنا مصر«. وكان من رموز هذه الظاهرة بين الشباب المصري الكاتب والصحافي والمفكر المرحوم احمد بهاء الدين الذي رافق المتنورون العرب مأساة مرضه الطويل ثم موته بعاطفة حزن قوي. ولقد احتفت القاهرة مؤخرا بولادة لجنة تكريم لفقيد العروبة والفكر، فكانت لنا نحن اصدقاءه مناسبة للتأمل في بعض المزايا التي جعلت لنتاجه ذلك المكانة الخاصة في قلوب الناس وعقولهم. ليسوا قلة هم الكتاب العرب، والمصريين بالذات الذين قرأهم الناس بشغف وأعجبوا بروائع فكرهم وأدائهم. ولكن ندر ان نشأ بين كاتب وقرائه مثل العلاقة التي بين احمد بهاء الدين وقرائه. فهي صحبة عقل وقلب أساسها صدقية هذا الكاتب والثقة بانسجامه مع ما يقول وتأدبه بآداب المستنير الحقيقي الذي لا يكتب ليبهر الآخرين او ليسرق عقولهم او ليزين صورته عندهم او ليتباهى عليهم بسعة ما يعرف او ليجعل من نفسه اعجوبة كبيرة او صغيرة في عيون المفتونين به، وانما هو يكتب ما يكتب لأنه هكذا يرى الأمور ولأنه هكذا يتصور خير الإنسان والأوطان ولانه يتوخى النفع لبني قومه، ويقدم هذا النفع حتى على إمتاعهم ومداعبة إحساساتهم الفنية وغير الفنية. لقد التزم أحمد بهاء الدين بما اعتقده حقا او صوابا، او جمالا، ولكنه لم يحتكر الشعور بامتلاك الحقيقة، فليس اجمل من الحقيقة عنده الا الاحتفاظ بذلك القدر من الشك الذي يقيه من نزعة فرضها فرضا على الآخرين. فحتى الإيمان الكامل لا يبيح لصاحبه مصادرة طرق الآخرين الى الايمان على نحو ما يرونها هم، لا مايراها هو. انه ليس داعية حتى لما يعتقده حقا اذا كانت هذه الصفة سوف تجعل منه او تهدد بأن تجعل منه دكتاتورا صغيرا او كبيرا. فالحق لم يوجد ليحرم الناس حق استعمال عقولهم بالشكل الذي تفرضه عليهم هذه العقول. واذا كان السياسي المصري القديم مكرم عبيد قد قال لمصطفى النحاس المزهو بنزاهته: ان النزيه هو من نزه نفسه حتى عن الاحساس بالنزاهة، فان احمد بهاء الدين تصرف على أساس ان شعور الفرد بأنه مالك وحده الحقيقة ينقص من مرتبته بين جنودها الحقيقيين. انه لم يماش دكتاتورا ولا سمح لنفسه ان يكون ولد في مجال الرأي والفكر مشروع دكتاتور. وعندما كانت النزعة الدكتاتورية تحاصره في مصر او غير مصر، فالهروب الوحيد الذي كان يتسامح مع نفسه هو الهروب الى فوق، اي الى عالم الأفكار والرؤى المجردة والخالصة التي لا يجرؤ احد على التنكر لها، فهي تبقى قادرة على إلزام المجموعة الأوسع من البشر، حكاما ومحكومين، بالخجل على الاقل من نقائها. اما التهاون في الحق والسكوت عنه فأمر لم يمارسه احمد بهاء الدين لا في بلده ولا في البلدان الاخرى. كان اكثر ما يحزنه عدم صدقية الجواب العربي الرائج على الفارق الحضاري بين العرب والعالم المتقدم. فعلى الرغم من دروس الحرب عام 1948 ثم حرب عام 1967 استمر عدم التحسس العربي بما فيه الكفاية للفارق الحضاري بين العرب والعصر. كان يشعر اننا متخلفون عن التحسس القوي بالتخلف والبطء في مسيرتنا. وفي آخر كتاباته عن اخطاء شائعة في فهم موقف الاسلام من بعض القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية كان يتفجر حماسة ضد تفسير الاسلام حليفا للتخلف ولفارق التقدم والقوة بيننا وبين سابقينا اليهما في هذا العالم. كأنما هو يكمل مسيرة اولئك الرواد الصادقين لفكرة العروبة الذين ما انشقوا عن الجماهير الاسلامية المنشدة الى الدولة العثمانية باعتبارها دولة الخلافة الا تحت وطأة التساؤل الصادق عن سر تغلب الغرب في كل معركة خاضها ضد الدولة الاسلامية الكبيرة. فالحرص على حقن الحياة العربية بهذا السر هو الذي أطلق العروبة في العصر الحديث، والعروبة بذلك ليست في العمق الا نوعا من التوفيق على المستوى المدني بين قيم الأديان وسر غلبة الغرب، سواء تجلى في المفهوم القومي او الحضاري الواسع. ولست أشك في ان هذا كان أهم ما شغل احمد بهاء الدين، انه بالتأكيد ليس عقائديا منغلقا ولا قوميا بالمعنى المتحجر للكلمة ولا أسير ماضوية معينة لحاكم او حزب او رؤية بل عقل مفتوح على المستقبل باتجاه صياغه عرب لا بد ان يعيشوا عصرهم ويعيشوا في العالم الراهن وفقا لأسرار تقدم هذا العالم ولا سيما قيم العلم والحرية والحقوق الخاصة والعامة. وعندما انفجرت الحرب اللبنانية رأى احمد بهاء الدين في ذلك نكسة داخل التطلع العربي الى الحضارة وقد استكتب قريبا لي مقالا في مجلة العربي التي كان يرأس تحريرها عن الصيغة اللبنانية والخصوصية اللبنانية. لانه كان يشعر انه ليس في العالم العربي معرفة كافية بالخصوصية اللبنانية والتجربة اللبنانية. وجاء الى لبنان يوصي قادة العمل الفدائي الفلسطيني خيرا بلبنان وديموقراطيته ووحدته الوطنية. وعلى كون احمد بهاء الدين من اكبر المتحمسين لدور مصر في البلاد العربية، فانه كان يدعوها الى الدقة والمعرفة بشؤون كل قطر عربي، ولم يكن يريد لمصر اي خطوة ناقصة او غير مدروسة في الساحة العربية، وكان يحسن الاستماع الى كل رأي على مذهب أهله حسب قول الجاحظ: »اذا أوردت قولا او رأيا فأورده على مذهب اهله«. فقد كان يعرف جيدا الرأي اللبناني والرأي الجزائري والرأي السعودي والعراقي والسوري الخ... وطبعا الفلسطيني والأردني. كان يريد لمصر ان تستمع الى العرب وتعرفهم كما هم وتتجاوب مع تطلعاتهم الى التنسيق معها بغيرة عربية وموضوعية في الوقت نفسه. ولكنه، بالمقابل، لم يحب الاتكالية العربية على مصر، وقد كتب يقول في الاكلاف التي حملتها مصر وشعبها يعمل في البلاد العربية ولهاً: لقد اصبحت مصر بروليتاريا الأمة العربية. وأذكر جلسة عشاء عند الدكتور احمد الخطيب في الكويت. كان الموضوع سياسة السلم والحرب. كثر حديث الحاضرين عن وجوب الحرب. وقد اكثر الدكتور منيف الرزاز وكان في حينه امينا عاما لحزب البعث من الدعوة الى الحرب وردد اننا يجب ان نحارب يجب ان نحارب. فما كان من احمد بهاء الدين الا ان قال بحدة: لا تقولوا نحارب نحارب قولوا: حاربوا أنتم أيها المصريون. وكان على انحيازه الواضح للتقدم، وربما من أجله ايضا انسانيا مع مخالفيه في الرأي من زملائه كمصطفى أمين. بل مع كل من يتصور نفسه بريئا او مظلوما امام سلطة يوافقها بهاء الدين في الخطوط العريضة من سياستها. فقد روى لي قصة زائر له في مكتبه في القاهرة يشكو له حالا وقع فيه. كان الزائر إقطاعيا من آل الفقي على ما ذكر لي قضى عمره يعيش في الارض التي يملكها يهتم بها ويعتبرها عالمه الوحيد. لم يكن يأتي الى القاهرة الا نادرا ليسجل عند أهلها في خانة الموسرين الباذخين. فلما صدر القرار بمصادرة اطيانه فوجئ هو نفسه كما فوجئ أهل العاصمة ممن كانوا لم يعرفوا اسمه كواحد من اكبر ملاك الاراضي وجاء الى القاهرة يستعلم عن سر ما جرى ويجري. ويأتي الاقطاعي مذهولا الى احمد بهاء الدين في مكتبه ويروي له قصته مع أرضه وتعلقه بها. واحمد بهاء الدين اشتراكي مؤمن بالإصلاح الزراعي ومع تمليك الفلاحين الفقراء ارض الاقطاع. ومع ذلك يتفهمه ويقدر صوفيته في حب أرضه. ذكر لي وهو يحدثني عن ذلك الاقطاعي ان الفقي قال له: اخذت الارض مني ولكنني ما دمت قادرا كل صباح ومساء على ركوب السيارة والطواف بأرضي ومجرد رؤيتها والتفرج عليها فإني أشعر انها لي بمعنى من المعاني وأنا لها. وختم احمد بهاء الدين القصة لي وقال: »كل ما طالب به هو ان نعطيه الحق في حب أرضه السابقة، ولم يزد على ذلك. وما زلت اذكر تلك الزيارة وتعلق ذلك المصري بالارض«. وقد عاش ومات بسيطا صادقا متواضعا ولكن تواضعه كان هو الكبير بعينه. ان معظم الرجال يمكن ان نحددهم كما يحدد أي رقم في أي شك لأي مصرف قبله »فقط« وبعده »لا غير«. اما أحمد بهاء الدين فهو من صنف لا يمكن ان يكون مسبوقا بفقط ولا متبوعا بلا غير. لقد كان بهاء، بانفتاحه وقبوله الآراء المختلفة جميعا وأصالته في الانتماء للثقافة والابداع، وإدراكه ان مصر لا تكتمل الا بالعرب، وان العرب لا يكتملون الا بمصر، »خميرة« وثبة نوعية في الصحافة المصرية خاصة والعربية اجمالا. بعده أصبح من قبله قديما ومن بعده متأثرا به. على ان أهم ما يبقى من احمد بهاء الدين هو ان الصحافة جزء لا يتجزأ من حركة التنوير العربي. ويقيني ان تطور بقية وسائل الاتصال، من إذاعات مرئية ومسموعة، سوف يحمل الصحافة اكثر فأكثر عبء هذا الدور. وصلة احد بهاء الدين بالثقافة والحرية المطلقة مكانا مميزا في الوجدان العربي امام شيخوخة مرحلة في رسالة الاعلام وولادة مرحلة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة