كتب احمد زين: عندما طلب رئيس المجلس النيابي نبيه بري في جلسة افتتاح الدورة العادية الثانية من النواب العشرة الاعضاء في المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ان لا يتغيبوا عن الجلسة المقبلة لقسم اليمين القانونية، تذكر النواب ان في البلاد مجلسا اعلى آخر »لا تترتب على قراراته رسوم جمركية«. ولا يدري احد اذا ما كان عقد النواب العشرة سيكتمل في الجلسة التي لم يحدد موعدها بعد. ولكن من المؤكد ان اكتمال العقد سيدخل هذا المجلس في حقبة جديدة من النسيان، اقلها حتى اجراء الانتخابات النيابية في العام الالفين وعدم اكتمال العقد سيبقي وجود »المجلس الاعلى« ماثلا للعيان باعتبار ان هناك ما يذكر بوجوده ويبقيه موضوعا على جدول اعمال الجلسات العامة لمجلس النواب. فما هو هذا المجلس الاعلى الذي يحاكم الرؤساء والوزراء، ولا يتذكره اللبنانيون ونوابهم إلا مع كل سنة كبيسية عندما ينتخبون الاعضاء في هذا المجلس؟ يخطئ الذين يعتقدون ان المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء هو من مكتسبات اتفاق الطائف. فهذا الاتفاق لم ينص على انشاء او استحداث هذا المجلس انما قال بتشكيله فقط وبسن قانون خاص بأصول المحاكمات لديه. فالمجلس الاعلى منصوص على انشائه في المادة 80 دستور منذ صدوره في 23 ايار 1926. وقد حددت هذه المادة هيكلية هذا المجلس ومهامه وبعض الاصول الواجب اتباعها عند قيامه بأعماله. فنصت على ان يتشكل من سبعة نواب وثمانية من اعلى القضاة. ويرأس هذا المجلس القاضي الارفع رتبة وتصدر قراراته بغالبية عشرة اصوات، وفرضت هذه المادة اصدار قانون خاص لتحديد اصول المحاكمات لديه. ويمكن القول ان هذا المجلس كان ولا يزال بالنسبة للدستور والنظام والحياة السياسية في لبنان بصورة عامة شبيها بالازهار الاصطناعية التي توضع في زاوية بيت. فهي لا تزيد الاوكسجين في النهار ولا تعطر الارجاء برائحة ورد. انها منظر فقط. قد يريح العيون ولكنه لا ينفع ولا يضر. ويظهر ان الحكم المتعاقب على لبنان قد اختلف على كل الامور باستثناء مادتين في الدستور قد توافق على تحويلهما ل»ديكور« في ارجاء النظام هما المادة 80 والمادة 95(إلغاء الطائفية السياسية). ويتبين ذلك من الآتي: عندما تمت مناقشة مواد الدستور اللبناني سنة 1926 كان من الطريف ان يتم اقرار المادة 80 من دون اي نقاش بعكس بقية المواد. طرحت المادة فاقرت. وقد تعدلت هذه المادة شكليا مرتين، ففي سنة 1927 طرح التعديل واقر، وفي سنة 1990 طرح ايضا واقر، وفي المرتين من دون اي نقاش او سؤال. والاطرف من هذا ان تطبيق المادة 80، اي انشاء المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء بقي مستحيلا حتى 26 تموز سنة 1990 لان القانون الخاص بأصول المحاكمات لديه لم يصدر بعد 64 سنة من صدور الدستور. وتتابع صبغة الطرافة في تاريخ هذا المجلس. ففي سنة 1966 وتحديدا في 25 آذار من تلك السنة احيل الى المجلس بموجب المرسوم الرقم 4132 تاريخ 25 آذار 1966 مشروع يتعلق بأصول المحاكمات امام المجلس الاعلى، إلا ان هذا المشروع لم يدرس ولم يناقش ولم يقر، وبقي في ادراج »ساحة النجمة« حتى 26 تموز سنة 1990 عندما اقر، فكان اول مشروع يتم اقراره ب »طلب« من وثيقة الوفاق. يمكن تلخيص الخطوط العريضة لهذا القانون النافذ الاجراء بالآتي: لا يمكن للمجلس الاعلى اتخاذ المبادرة بالاتهام كما لا يقبل امام هذا المجلس اتخاذ صفة الادعاء الشخصي. فالجهة الوحيدة التي يمكنها اتهام الرؤساء والوزراء هي مجلس النواب من دون غيره ويكون ذلك كالآتي: يتوجب اولا تقديم عريضة يوقعها خمس (5/1) مجموع عدد النواب على الاقل ويجب ان تتضمن العريضة شرحا معللا ومفصلا للعلة او الجرم المنسوب الى المتهم مع سرد الوقائع والأدلة والقرائن المؤيدة. تُسلّم العريضة لرئيس المجلس الذي يوزعها على جميع النواب وللمطلوب اتهامهم ويمهلهم عشرة ايام للاجابة الخطية ولتكليف محام. ويبلّغ الرئيس الجواب لاحقا للنواب قبل عشرة ايام على الاقل من موعد جلسة تكون مخصصة للنظر في طلب الاتهام. في هذه الجلسة يستمع المجلس الى مرافعتي الاتهام والدفاع ويقرر بالاكثرية المطلقة اما احالة الاتهام الى لجنة نيابية ثلاثية ينتخبها (لجنة تحقيق) او رد الاتهام. وفي حالة الاحالة الى اللجنة عليها ان تتحرى عن الافعال المنسوبة الى المطلوب اتهامهم ولا تقبل قراراتها اي من طرق المراجعة، وبعد ان تضع اللجنة تقريرها يعود المجلس الى الاجتماع في خلال عشرة ايام من تاريخ ايداع التقرير رئاسة المجلس ويستمع الى التقرير والمرافعات في شأنه ويصوّت سرياً على الاتهام الذي لا يمكن إقراره الا بأكثرية ثلثي عدد النواب الذين يتشكل منهم المجلس قانوناً. واذا ما أقر المجلس الاتهام يرفعه رئيس المجلس الى المجلس الاعلى. في المجلس الاعلى تبدأ المرحلة الثانية من محاكمة الرؤساء والوزراء. اذ على هذا المجلس ان يباشر المحاكمة فورا وعليه ان يفصل في القضية في خلال شهر وبأكثرية ثلثي عدد اعضائه. وقرارات المجلس الاعلى لا تقبل اي من طرق المراجعة باستثناء اعادة المحاكمة. دور المجلس النيابي أول ما يلفت الانتباه في احكام هذا القانون ان المجلس النيابي يلعب دورا اساسيا في قضية اتهام الرؤساء والوزراء يفوق الدور الذي يمكن ان يلعبه القضاة في هذا المجال. ويتبين ذلك من أمرين أساسيين: أ حصر المبادرة بالاتهام بالجانب النيابي من دون غيره. ب اتخاذ قرارات المجلس الاعلى الذي يتشكل من 15 عضوا (7 نواب وثمانية من اعلى القضاة) بأكثرية الثلثين اي بأكثرية عشرة اصوات. فإذا كان اعداد عريضة الاتهام سهلا نسبيا لأن توقيعها لا يتطلب اكثر من 26 نائبا كما في المجلس اليوم فإن الموافقة على قرار الاتهام بأكثرية الثلثين اي بأكثرية 86 نائبا من 128 لا يمكن ان يكون سهلا اذا ما كان هناك توافق سياسي حول هذا الامر. لذلك يمكن القول ان وصول الاتهام الى المجلس الاعلى يعني عمليا ان اكثرية النواب الساحقة مؤيدة للاتهام، وبالتالي فإن النواب السبعة في المجلس الاعلى من الصعب ان يصوتوا ضد الاحالة التي وافق عليها المجلس النيابي بمثل تلك الاكثرية الموصوفة. ومن هنا يصبح توافر تأييد ثلاثة من القضاة الاعضاء في المجلس الاعلى كافيا لصدور القرار النهائي باتهام اي رئيس او وزير وكف يده عن العمل. ولكن يبدو ان الموانع التي كانت تحول دون صدور قانون اصول المحاكمات امام المجلس الاعلى تطبيقا للمادة 80 دستور قد دخلت في صلب هذا القانون بعد صدوره مما جعل الامور تبقى على حالها عمليا وربما لأربع وعشرين سنة جديدة. فقضية محاكمة الرؤساء والوزراء لم يلحظها الدستور في المادة الثمانين فقط، فالمادة 70، ومنذ صدور الدستور في سنة 1926، نصت على حق مجلس النواب في ان يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى او بإخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم... ووعدت هذه المادة بصدور »قانون خاص يحدد شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية«. والمادة 60 دستور حددت بدورها المواضيع التي يمكن ان يتهم بها رئيس الجمهورية وهي »خرقه الدستور« و»الخيانة العظمى« و»الجرائم العادية« التي تبقى خاضعة للقوانين العامة انما الاتهام بها يبقى محصورا بمجلس النواب. فمن هذه النصوص ان ثمة ألغاما كثيرة موضوعة في طريق تطبيق »محاكمة الرؤساء والوزراء« وبالتالي فهي كافية لابقاء المجلس الاعلى اسما لمسمى فقط ممنوع عليه ان يعمل. ويظهر ذلك من الآتي: أ ان القانون الخاص الذي وعدت به المادة 70 دستور الذي يحدد شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية لم يصدر بعد كما ان قانون أصول المحاكمة امام المجلس الاعلى لم يتضمن تحديدا لمثل هذه الشروط. لذلك يمكن القول ان محاولة اتهام رئيس الحكومة والوزراء امام المجلس الاعلى متعذرة اليوم عمليا اذا لم يستكمل اصدار القوانين التي تحدد شروط مسؤولية هؤلاء الحقوقية. ب ان احدا لا يستطيع اليوم الحكم ب »الخيانة العظمى« لان لا تحديد قانونيا معتمدا لمفهوم هذه الخيانة، فكيف يمكن للمجلس الاعلى ان يحكم على اي »سيد« بالخيانة العظمى اذا لم يكن امامه التحديد لهذا الجرم؟ ج ان قانون اصول المحاكمة امام المجلس الاعلى لم يحدد شكل العقوبة على الجرم، وماهيتها ولا مدتها بحديها الاقصى والادنى والقاعدة القانونية الثابتة تقول باستحالة تطبيق قانون لا يبين الجرم والعقوبة. ويتأكد ان صدور قانون اصول المحاكمات امام المجلس الاعلى لم يكن بهدف التطبيق من جوانب اخرى منها انه عندما طرح المشروع المتعلق بهذا القانون للمناقشة سنة 1990 اثار النائب نصري المعلوف مسألة النقص المتفشي في المشروع واعطى مثالا على ذلك ضرورة استباقه بتحديد مفهوم الخيانة العظمى وكان رد رئاسة المجلس يومها »ان هناك مشروعا ليس كاملا ويحتاج الى تعمق من المختصين من اجل استكمال واستدراك هذا النقص في قوانين العقوبات لجهة جرائم خرق الدستور والخيانة العظمى والاخلال بالموجبات الحكومية ونزاهة الحكم..« فأقر المشروع على اساس ان يلحق به قانون مكمل. ولكن القانون المكمل لم يصدر بعد وأقر المشروع مع الحرص الكامل على ان يكون ذلك بمادة وحيدة. اي من دون مناقشة مواده، رغم ان النائب بطرس حرب تعب في محاولة ان يكون ذلك مادة مادة كي يستطيع القضاة والمحامون ان يستأنسوا بمحضر الجلسة عندما يصعب تفسير بعض المواد. من هنا يظهر ان هناك مواد في الدستور لم توضع للتطبيق انما لتمتع النظر فيها وتشغيل الدارسين الذين يهتمون بمقارنة الدساتير مع بعضها. والملفت ان هذه المواد »الديكورية« شكلت ما يمكن وصفه بوثيقة وفاقية بين كل اطراف الحكم التي تعاقبت على لبنان منذ سنة 1926، اذ ان اي حكم لم يحاول سد الثغرات التي تحول دون تطبيق مثل هذه المواد الدستورية المتعلقة بالمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. والسؤال الذي يتبادر للذهن هنا هو الآتي؛ اذا كان للرؤساء والوزراء مصلحة مباشرة في تعطيل امكانية تنفيذ هذه المواد فما هي المصلحة التي تحول دون قيام النواب بالدور المطلوب منهم لاستكمال الصيغ التنفيذية الآيلة لتطبيق هذه الاحكام والمؤدية لأن يلعب المجلس الاعلى الدور المطلوب منه في عملية »الاصلاح الاداري« التي ينادي بها الجميع؟ واستطرادا لذلك هل يمكن ان يكون سبب غض النواب النظر عن هذه المسؤولية عائدا الى ان لا حكام ولا وزراء يمكن ان يتهموا في لبنان او لم يمر منذ احدى وسبعين سنة على هذا البلد حاكم او وزير كان يفترض ان تنظم عريضة اتهام بحقه؟ اذا كان النواب يعتقدون ذلك فمسؤوليتهم لا تنتهي لان المطلوب منهم في مثل هذه الحالة المسارعة لالغاء المواد 60 و70 و80 من الدستور لمرور الزمن المسقط بعدم استعمالها. وفي مثل هذه الحالة يمكن ان يوفروا على عشرة نواب في الجلسة المقبلة لمجلس النواب عناء اداء اليمين ويستغلوا هذا الوقت لتصريف أعمال اخرى.