كتب أحمد زين: قرار مجلس الوزراء القاضي بإلغاء »القاب التفخيم« أوقف ظاهريا، سريان جانب من تراث التاريخ السياسي في لبنان ليهيئ لحقبة من تراث جديد، فألقاب اصحاب »الفخامة« و»الدولة« و»المعالي« و»السعادة« وغيرها لم تكن يوما كلمات مجردة عن واقعها، فكل منها جاء ليعكس او ليختصر مرحلة من مراحل الدور الذي كان يلعبه صاحب اللقب في الحياة السياسية العامة وواقع الدولة والحكم. فصاحب الفخامة كما هو ثابت من محاضر مجلس النواب كان اعتق الألقاب. وكان هذا اللقب يطلق اولا على المفوض السامي الفرنسي إذ جاء في المحاضر عقد المجلس جلسة... و»حضر مندوب فخامة المفوض السامي لدى الحكومة..«. وبقي لقب »صاحب الفخامة« على ما هو عليه حكرا للفرنسيين رغم انتخاب أكثر من رئيس جمهورية. ومع بداية عهد الاستقلال سنة 1943 »تلبنن« هذا اللقب وأصبح رئيس الجمهورية صاحب فخامة على رؤوس الاشهاد. وإذا كان صاحب الفخامة قد ظهر مع الانتداب فان »صاحب الدولة« لم يظهر في تلك الحقبة إلاّ عرضا إذ ان معظم محاضر المجلس لم تطلق هذا اللقب على رئيسي المجلس والحكومة كما لم تطلق صاحب المعالي على الوزراء فاستعملت كلمة »حضرة« وكما جاء في أكثر المحاضر كانت حيثيات الجلسة كالآتي: »عقدت الجلسة برئاسة حضرة موسى بك غور او الامير خالد شهاب او سماحة الشيخ عبد الحميد كرامي وعضوية أمين السر.. و..«. إلاّ ان كلمة »حضرة« لم تكن هي السائدة في المطلق فتسللت كلمة »معالي« في بعض المرات، كما في جلسة 27 نيسان 1929 التي تم فيها مناقشة التعديل الثاني للدستور إذ جاء في محضر هذه الجلسة الآتي: »... وحضر في مقعد الحكومة أصحاب المعالي الوزراء...«. وما يؤكد »تسلل« لقب »المعالي« الى هذه الجلسة وربما الى بعض الجلسات الأخرى ان رئيس الحكومة لم يعط أي لقب بينما اعطي الوزراء لقب أصحاب »المعالي«. فلا يمكن ان يفخّم الوزراء ويترك الرئيس من دون لقب غير »حضرة الرئيس« وكلمة »حضرة« كانت شائعة وتعبير »بروليتاري« لا يميزه عن غيره من الناس. ويتبين من المحاضر ان نعت رئيس الحكومة ب»صاحب الدولة« رسميا لم يحصل إلاّ في وقت متقدم من سنوات الاستقلال وتحديدا بعد اطلاق لقب »صاحب الدولة« على السيد رئيس مجلس النواب. ففي جلسات سنة 1953 مثلا نصت المحاضر على ان الحكومة »تمثلت بحضرة رئيس الوزارة.. والسادة الوزراء..«. أما رئيس المجلس فكان طوال عهد الانتداب هو »السيد« فقط وان كان بعض النواب يخاطبونه أحيانا ب»عطوفة الرئيس« فان هذه المخاطبة تأتي عرضية إذ ان الملخص الرسمي للجلسات اقتصر على لقب »السيد« من دون »عطوفة«. وبقي رئيس المجلس حتى سنوات الاستقلال الأولى هو »السيد« بالاسم وتحديدا حتى جلسة 24 كانون الأول سنة 1945، ففي هذه الجلسة نصت حيثيات الجلسة لأول مرة على »عطوفة الرئيس« وجاء في المحضر الآتي: »عقد المجلس جلسته الخامسة عشرة من العقد العادي الثاني في الساعة الرابعة من بعد ظهر الاثنين الواقع في 24 كانون الأول 1945 برئاسة عطوفة صبري بك حمادة وعضوية كل من أميني السر... وجلس على مقاعد الحكومة حضرات السادة: سامي الصلح رئيس الوزارة ووزير التموين والتجارة و... وجبرائيل المر نائب رئيس الوزارة ووزير الاشغال و..«. ومن هذا النص يتبين ان رئيس المجلس قد مُنح لقب »صاحب العطوفة« في آخر سنة 1945 وبقي رئيس الحكومة هو واحد من »السادة« وصاحب »حضرة« والوزراء »سادة« من دون »معالي«. وبقي السيد رئيس المجلس منذ ذلك التاريخ صاحب »العطوفة« حتى السادس من آب سنة 1968. ففي الجلسة التي تلت هذه الجلسة والمنعقدة في 31 تشرين الأول من تلك السنة استبدلت كلمة صاحب العطوفة ب»دولة رئيس المجلس« ونتيجة لذلك اغدقت الالقاب من أصحاب سعادة ودولة ومعالي على الآخرين. ان هذا التطور في القاب التفخيم الذي عرفه استقلال الدولة اللبنانية كان يخترق على المستوى الفردي من قبل بعض المخاطبين كما حصل في اوائل سنة 1931 عندما نعتت المحاضر الوزراء ب»اصحاب المعالي« في هذه المرة. إلاّ ان هذا التطور الشكلي لاستعمال القاب التفخيم كان انعكاس لواقع النظام وتطوره. فعندما بقي رئيس الحكومة واحدا من »السادة« و»حضرة« رئيس الحكومة فقط مقابل »صاحب الفخامة« لرئيس الجمهورية كان ذلك مترافقا ومتوافقا مع نص المادة 17 دستور لنصها على ان »تناط السلطة الاجرائية برئيس الجمهورية وهو يتولاها بمعاونة الوزراء وفاقا لأحكام الدستور والمادة 53 دستور بنصها على الآتي: »رئيس الجمهورية يعين الورزاء ويسمي منهم رئيسا ويقيلهم ويولي الموظفين مناصب الدولة...« ومنح رئيس المجلس لقب صاحب العطوفة جاء بعد الدور الذي لعبه مجلس النواب في ولادة استقلال 1943 وتثبيت دوره كسلطة مستقلة عن الانتداب. أما رئيس الحكومة فان منحه لقب »صاحب الدولة« قبل تعديل الدستور سنة 1990 وفي ظل العلاقة الدستورية السابق ذكرها مع فخامة الرئيس ربما كان لا يعود الى »الغيرة« بقدر ما يعود الى محاولة مساواة بين رئاستي المجلس والحكومة وايجاد فارق بين الرئاستين والرئاسة الثالثة التي هي الرئاسة الأولى في البلاد. ومن هنا يطرح التساؤل الآتي: هل ان إلغاء القاب التفخيم سيعكس بداية حقبة جديدة من حكم الرؤساء؟ بمعنى آخر هل ان جعل جميع اللبنانيين »سواسية كأسنان المشط« في القابهم سيؤدي الى المساواة بينهم حتى في الجانب الشكلي على الأقل فتتوقف ظاهرة المواكب الرئاسية مثلا وتصبح مطالب »السيد فلان من اللبنانيين« تستأهل عقد اللقاءات و»العشاوات« المتواصلة حتى يحصل توافق لتنفيذها؟ انه سؤال برسم »السادة« أفراد الشعب اللبناني طبعا.