تشاء الصدف السعيدة بالطبع أن تصدر ترجمتان في الوقت عينه، لكتابين من أعمال الروائي الياباني أوسامو دازاي، الأول بترجمة عربية لروايته »سقوط رجل«(*) نقلها عن اليابانية محمد عضيمة، أما الكتاب الثاني، فهو مجموعة قصصية، صدرت بالفرنسية عن دار »فايار« بباريس، تحت عنوان »السنوات الأخيرة«. كتابان يقدمان إلينا مناخات هذا الكاتب المتفرد في الثقافة اليابانية، ويسمحان لنا بالإطلالة على سيرورته، وخاصة ان الرواية (الصادرة بالعربية) هي آخر كتبه، بينما المجموعة القصصية (الصادرة بالفرنسية) هي من أول كتبه. ولُد أوسامو دازاي في العام 1909، أي جاء ميلاده بعد انتصار اليابانيين على الروس. أما موته، فكان في العام 1948، أي بعد حادث تاريخي آخر، هو هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية واستسلامها، وسقوط الأمبراطور الإله، هيروهيتو، الذي أقر بالهزيمة. هل لذلك ومن جراء اكتمال هذه الدائرة التاريخية تتراءى حياته كلها، كأنها كانت موسومة، بشكل مكثف، وبطريقة شبه شهوانية، بمعنى الهزيمة؟ انتحارات عديدة قليلة هي الأعمال الأدبية، الفظة، المريرة، المليئة بالسخرية من الذات، والمليئة بالهوس من الآخرين، في الوقت عينه. لذلك، يبدو أدب دازاي عملا غير منغلق على نفسه، بل على العكس، يبدو مفتوحا على حياة البشر (الرجال والنساء) الذين يحيطون به، بمختلف مراحلها وتجاربها. أي بمعنى آخر، تنحو السيرة الذاتية الى كتابة الكون والعالم والتفاصيل، بوصفها شكلا آخر من أشكال التجربة الإنسانية الموجودة عند الآخرين. كان أوسامو دازاي، لا يزال طالبا، حين بدأ بنشر أقاصيصه وحكاياته وسردياته التي جمعها في ما بعد تحت عنوان متناقض: »السنوات الأخيرة«. فالبداية والنهاية عنده ترتبطان بشكل وثيق بسيرورة هذا الكاتب، الجمالية، المليئة بالهوس، لدرجة ان الموت كان يراوده منذ بدايات الحياة: فلو تتبعنا خيوط سيرته الذاتية، لوجدنا انه حاول الانتحار أربع مرات بتناوله كمية كبيرة من »الكالموتين« (وهو منوِّم اعتاد استعماله)، ولم ينجُ من المحاولة الخامسة (العام 1948) حين كان في التاسعة والثلاثين من العمر، بعد أن رمى نفسه مع عشيقته في مياه أحد المستنقعات. كان دازاي وجها أسطوريا من وجوه الأدب الياباني، اذ انه كان يشكل جزءا من هذه العائلة الكبيرة، عائلة الكتّاب الذين مثلت لهم مواجهة الموت، واختباره، والبحث عنه، شكلاً من أشكال الاحتفاء بالحياة. فمثلما هي القاعدة، في غالب الأحيان، عند هؤلاء المؤلفين السوداويين، نستطيع الاقتراب من أدب دازاي، وبشكل حميمي، من خلال كتاباته الحميمية، الواقعة تحت تأثير دهشة الشباب وسحره، كما دهشة اللاانتهاء أكثر من اقترابنا من أعماله الأكثر اكتمالا والأشهر، كمثل »الشمس الغاربة« و»سقوط رجل«. مهما كانت النبرة التي ينحاز إليها دازاي أي السيرة الذاتية، أو الحكاية، أو »محاولة الرواية« فإننا نجده لا يفترق أبدا عن تلك المرارة العدوانية التي تغلف أعماله، التي تخاصم القارئ وتسيء إليه مثلما تذل نفسها بإصرار مؤلم في بعض الأحيان. ومع ذلك كان دازاي قد تحول الى »معبود« حقيقي من قبل القراء، في فترة ما بين الحربين، إذ وجد الجميع في أدبه، متنفسا من هذا الجو الضاغط الذي كان يغلف اليابان، كما وجدوا فيه لا امتثالية للتقاليد التي أرهقت »شباب الجيل الجديد«، (وربما كان الصوغ الأكثر اكتمالا لهذا الجيل في ما بعد ما كتبه كنزابورو أويه). ففي شغفه وهوسه بالذهاب الى قلب الذات، كان دازاي يعرف، من دون شك، بأن الأدب يحتوي على أفخاخ وعلى أطياف أحلام خاطئة. وهو عندما يحيط بها، يفضحها، مثلما يُعظمها ويثيرها أحيانا. فداخل هذه السلسلة الجميلة من البورتريهات المعنونة »الروائية«، نجد بورتريه سابورو، الكذاب، المسؤول منذ طفولته عن موت صديقه الحميم، بشكل لا إرادي. ذات يوم، كانا يلعبان على ضفاف نهر سوميدا الذي يجتاز العاصمة طوكيو، فدفعه ليغرق الطفل. يقول دازاي في نصه: »انطلاقا من سنوات عمره هذه، سنواته العشر أو الإحدى عشرة، تعذبه ذكرى هذه الجريمة المجهولة من الجميع، ان جريمة مماثلة تتيح تفتح زهر حلمه بشكل أروع.. فحين شبّ وأصبح راشدا، كان تحول الى كتلة من الأحلام«. كلام دازاي هذا، ليس سوى تلخيص رمزي وعنيف، لكل مسيرته الروائية، التي تعود دائما، وبلا توقف، الى أصل الحلم الذي يسميه رواية. موت اليابان الإرادي بعد قراءتنا لهذه البورتريهات التي تحتوي على عشرات التحديدات الحادة، الهازئة، الكاشفة أحيانا عن مشروعه الروائي وعن عمله الكتابي، نفهم كم أن كاتبا يجعل من حياته مادته الأدبية، يعذبه وعيه الجميل أو الممزق بحسب المناخات المفروضة عليه، وذلك حين يخون نفسه أو يخون الآخرين. تنتمي غالبية قصص »السنوات الأخيرة« الى السيرة الذاتية التي تجد فيها جذورها وفي أحيان كثيرة اكتمالها الملحوظ. كتبت هذه القصص، حين كان دازاي بين ال23 وال27 عاما. لذلك نجدها تصاحب مآسي حياته ومحاولات انتحاره الفاشلة ومراقبته من قبل الشرطة لانتمائه الى الحزب الشيوعي، كذلك كانت ترافق جراحاته النرجسية ووحدته الداخلية. يومها، كانت ثمة نزعة عدمية تتشكل في الأدب الياباني، أو كما كتب موريس بانغيه في كتاب »موت اليابان الارادي« من أن صوت دازاي يجعلنا نسمعه بعد صوت النصوص القديمة حول التدمير الذاتي »فهو يشير الى السقوط والانهيار. ثمة ضعف يتدهور حتى الدناءة. فكل شيء كان يبدو انه يذوب في هذا العالم العائم«. ينوّع دازاي في أسلوبه، بفطنة وحذاقة ملموسة، حتى يبدو بارعا في فن الحكاية، فهنا ثمة فراشات وكراكي وعصافير و»سلطعونات« تأتي لتجده خياله. كذلك نجده أعمق حين يتحول الى اللغة ذات الانعطافات الكثيرة، وهذا أمر ليس بالنادر عند الكتاب اليابانيين. يقول مثلا: »لماذا تبدو السلطعونات هزيلة تحت ضوء القمر الى هذا الحد؟ لأنها، حين تشعر نفسها مهددة بخيالها القبيح المنعكس على الرمال المبللة، لا تستطيع النوم. فتمشي حتى الآخر الليل، لذلك، من الحكمة ان تنام بهدوء في قعر البحر (..) وسط غابة الطحالب متأرجحة بهدوء، حيث تحلم بقصر التنين. لكن السلطعونات المدهوشة بالقمر تنهك نفسها من شاطئ الى شاطئ«. هناك أيضا نبرة خاصة في أسلوب دازاي، نبرة، بفضل إيجازه الغريب، تجعلنا نرى حياة كاملة خلف الحدث. فمثلا، حين يروي قصة موت جدته في قصة »اللعبة« يقول: »كل شيء كان صغيرا عند جدتي. وجهها كما جسدها، حتى تسريحة الحرير الموش بوريقات الكرز، الأصغر من حبات السمسم. كنت بين ذراعيها، سكران بعطرها الندي. أنظر الى الغربان وهي تتصارع في السماء. أطلقت صرخة صغيرة وتركتني أقع على التاتامي (**). من صدغي وجهها الأبيض اللامع، ترتفع تموجات بالكاد تلحظ. كانت تمتد موجات جلدية، فوق وجهها بأكمله الذي اكتسى برمشة عين بالتجاعيد، عند موت شخص نجد تجاعيده تهتز فجأة«. في فضاء هذه الأسطر القليلة، تكتمل مسارات قصص دازاي، حيث الموت يهب منذ البداية النداوة ورؤية السماء حيث تدور الغربان فيها. السعادة ثم السقوط، ثم التدهور والموت الذي يستمر في العيش بصمت. كما كل واحدة من هذه القطع المنشورة، نجد السيرة التي تتشكل مع ذات الحقائق المبعثرة. كذلك نجده يعبّر عن الأهمية العاطفية وحتى الإيروسية لهذه الجدة الجميلة المرتبطة بالحنان والموت. الواقعية ليست عمله مزيج غريب في الإحساس بالذنب النرجسي والكياسة والشفقة. هذا الإحساس بالعدم، هو من دفع دازاي الى الانتحار. انه ينحاز الى مفهوم أدبي ادعى كافكا في يومياته، انه نظريته، لأن هذه الحكايات الصغيرة المليئة بالدعابة السوداء، بالرؤى الفانتازية والمليئة أيضا بالتفاصيل المحددة، نجد خلفها واقعا حقيقيا. لكن الواقعية ليست عمله، لأن الأمراض والمخدرات توحي له بخيال جموح، كمثل خيال صديقه أكو تاغاوا، الذي وسمه انتحاره للأبد. كذلك لن نشعر بالدهشة أبدا حين نعرف ان دازاي كان يرغب في تقليد سي شو ناغان، مؤلف كتاب »ملاحظات حميمة« عندما بدأ بتعداد الأشياء التي تدفع القلب الى الخفقان والأشياء التي تدفع النظر الى الغبش والأذن الى صعوبة السمع. ساخر هو دازاي. كان يلخص التاريخ الأدبي بهذا الشكل: »دانتي بودلير وأنا«. لكن مجموعته هذه، مليئة بالتحيات الى أدب غربي يبجله، إذ يشعر أحيانا بأنه قريب من ميريمه أو موباسان (جاذبية المتعة وشكل السقوط) وأحيانا قريب من دوستويفسكي وفلوبير، إذ يحلل بشكل دقيق المحركات الروائية. ان الابداع يظهر له في أطهر تقاليد خيبات الأمل الفلوبيرية (من فلوبير) المتوازنة، من خلال الاندفاعات الوجدانية، كما لو انها »أمر تافه متحدر« من تعاسة حياته، ومتخفية تحت الأقنعة. عرف دازاي شهرة كبيرة بالرغم من رغبته الدائمة في تحقير نفسه، فكتابه الشهير »سقوط رجل« يجسد فترة ما بعد الحرب، التي كانت فترة صعبة على الكتاب اليابانيين الباحثين عن أمل وعن قيامة جديدة. الكتاب أيضا على شكل مذكرات، تلك المذكرات التي يقول فيها: »لأنني أختبئ خلف عشرة أقنعة، أو عشرين قناعا، فإن من الصعب عليَّ أن أرى لماذا وكيف كنت تعساً«. لذلك حمّل دازاي الكتابة مسؤولية تعليمه ذلك. لكن هذا التحليل الذاتي، تذير الكارثة الدائم، لم يستطع أن يطلقه، كان يعرف دائما ان الموت يراوده، وانتهى به الأمر بالذهاب إليه غرقا. من الآسر جداً، ان نرى كيف ان هذه النهاية قد كتبت في مؤلفاته التي كتبها، وهو في مطلع الشباب، لكن تحت عنوان »السنوات الأخيرة«، وفي ما بعد »سقوط رجل«. هوامش (*) صدرت عن »دار المواقف« اللاذقية. (* *) بساط سميك أو حصير يغطي حلبات المصارعة اليابانية.