تبدو الرواية اللبنانية »النسائية« ليست الصفة هنا الا للتدليل فقط، فلا نيّة عندي إطلاقاً للتمييز بين ادب رجالي وأدب نسائي، المهم هو الادب وحده كأنها دخلت مرحلة النضج الفعلي. فبعد عصر الرائدات، ومن ممثلاته ليلى عسيران وليلى بعلبكي وغيرها، وبعد الجيل الوسطي، الذي قد تكون حنان الشيخ ابرز ممثلاته، ثمة جيل فعلي تشكل مع مرحلة متقدمة من الحرب. وهنا ايضا لا ارغب في الحديث عن »جيل الحرب« نظرا الى ما تستدعيه هاتان الكلمتان من مسوغات وفضاءات، تأخذنا في متاهات لا علاقة لها، بشكل فعلي، بالادب الحقيقي. على كل، واصطلاحا فقط، ضم هذا الجيل اسماء عديدة مثل هدى بركات ونجوى بركات ورينيه الحايك وغيرهن عرفن كيف يؤسسن لفضاءاتهن واسئلتهن في الكتابة، بشكل لا بد ان نطرح معه سؤالا حول هذه الرواية اللبنانية التي تفاجئنا بحضورها الحقيقي. قد لا يخفى علينا انه ولفترة طويلة، كانت بعض الاحاديث، تنفي دائما وجود رواية في لبنان، اذ تجعلها دائما في مكانة متأخرة عن الشعر... نظرا الى مكانة الشعر في الثقافة العربية برمتها. قد يقال اليوم ان الشعر في تراجع، لذا تبدو الرواية حاضرة اكثر. في هذا الكلام من دون شك الكثير من التجني والكثير من الانتقاص من ادب اصبح يمتلك ركيزة حقيقية وحيّزا فعليا في الثقافة اللبنانية. اذ تبدو الرواية اليوم، اكثر قدرة على »قول الحرب« وعلى رسم تفاصيل مجتمع، ذهب عميقا الى موته، وعلى قول حالات ومناخات، لا يستطيعها الشعر، بسبب لغته، أقصد بسبب ميله الدائم الى الايجاز. ربما لأن بنية الرواية اكثر مطاطية واكثر اتساعا وقدرة على الدخول الى ثنايا التفاصيل، اي اكثر شرحاً. على كل، ثمة اسم روائي جديد ينبثق فجأة وسط هذه الاسماء، وهو بدوره يستحق ان يقرأ وان نكتشف عالمه الذي يصوغه، هذا العالم الذي يستعيد تفاصيل الحرب اللبنانية. باء مثل بيروت تأخذنا ايمان حميدان يونس في روايتها الاولى »باء مثل بيت... مثل بيروت« في داخل رحلة ذاتية تقوم بها بطلاتها الأربع في قلب ذواتهن وذاكرتهن، وفي قلب مدينة تبحث عما تبقى لها من معنى بعد حرب وجدت الفرصة لتدمر كل شيء، ولتدمرهن أيضاً. أربع نساء يسكنّ في مبنى واحد، يقع على أحد خطوط التماس في بيروت، »انعزلن« داخل شققهن، داخل الجدران التي تبدو احيانا كأنها تزيد من عتمة هذا الفضاء ومن حدته الصاخبة، كأنها بمعنى ما، جدران لسجن يضيق كل يوم، ويبدو ان الخروج منه وقف على وسيلة واحدة تتمثل في العودة الى سرد تفاصيل حياة وذاكرة تقعان دوما في مطباتها العديدة. ليليان، وردة، كاميليا، مهى وهذه هي اسماؤهن وجوه لمدينة وجدت في تصدعاتها وانهياراتها، الملجأ الأخير، لتستمر في حياة تهرب منا ولحياة تقع دوما في »حكايات الموت اليومي« او في »حكايا الدمار العادي«. اربعة اسماء هي ايضا، اذا شئنا، اربعة وجوه لامرأة واحدة، قد تكون الكاتبة، بشكل ما. لا أتحدث هنا عن سيرة الكاتبة الذاتية وانما اشير الى تلك العلاقة التي تتبدى عميقة بين الروائية وبطلاتها. فالعلاقة، تذهب الى أعمق ما تفترضه عملية تكوين الشخصيات في كتاب ما، اذ انها هنا، تأخذ حيّزها من تلك الذاكرة المروية التي تؤسس لبنية رواية ايمان حميدان يونس. أربعة وجوه، هي ايضا، اربع جهات لبلد يجد معناه في علاقاته الصغيرة وتفاصيله في مواجهة آلية الدمار المنهجي الذي كان يعتريه لكن الذاكرة، ومع ذلك، لا تكفي، اذ انها بحاجة هي ايضا، لتدمر ما حولها، كي تبقى. وكأن عملية القتل التي قامت بها كاميليا ومهى في آخر الكتاب، تختصر هذا المشروع فهما حين قتلتا رجل الميليشيا، رغبتا في قتل الحرب، في قتل ما يرمز اليه راينجر، وهذا هو اسمه. القتل هنا، وبالاضافة الى كونه قتل الحرب، يبدو ايضا انتقاما للذاكرة، من اجل تحريرها. أقصد من اجل ان تأخذ مشروعيتها وحقها في الوجود، كي تبقى، ولكي لا تضيع وسط الركام الذي سببته الحرب، والذي سيزول. ضيف الحرب ليليان، فتاة مسيحية، متزوجة من رجل مسلم يدعى طلال، لا تتوقف عن التفكير في مغادرة البلاد، للهجرة الى استراليا، عند أخيها طوني. يعمل زوجها صحافيا، وهو دائما، يحاول منعها من الانجرار الى أقصى خوفها. فهي كانت على أهبة الاستعداد للمغادرة، بعد كل جولة قصف. رغبتها هذه ازدادت بعد لحادث الذي تعرض له زوجها وأفقده يده اليمنى. من هذه العلاقة »الانسانية« التي توقفت بين الزوجين بسبب الحرب، ترسم لنا الروائية، تفاصيل حياة، تحاول ان تتأقلم مع الحرب، بطيفها وضيفها. لكن هذه المحاولة لا تنجح، فتغادر لبنان مع ولديها، مخلفة وراءها كل شيء، بعد ان تستعيد على المركب الذي نقلها لى قبرص، قصة غرام طفولية، مع رجل يدعى جورج، كانت لم تره منذ سنين عديدة. وردة الشخصية الثانية، تشبه ليليان في بعض الجوانب. لكنها لم تسافر، لم تهاجر، وإن كانت حاولت ذلك، وبقيت تنتظر أوراق الفيزا من زوجها رشاد، غير اللبناني، الذي كان يعمل في احدى دول الخليج قبل ان يصبح في الولايات المتحدة. بعد اقامتها لفترة في الخليج عند زوجها، تعود وردة الى بيروت، لتسكن في شقتها، وهناك تبدأ رحلتها مع الحرب ومع الوحدة، التي تصيبها بعوارض هيستيرية في كثير من الاحيان. اذ لم يستطع رشاد العودة الى بيروت، ولم تعد ابنتاها ايضا. اكثر ما كان يقضي على آمال وردة ان تشيخ من دون ان تشاهد ابنتيها.. هل كان احساسها »نبوءة« ستتحقق. ربما، لأن زوجها لم يبعث لها بالكفالة، كي تستطيع اللحاق به. السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا تخلى رشاد عن زوجته؟ هل كان ذلك فقط لأنه على علاقة غرامية بزوجة أخ ليليان؟ ربما.. فمن العبث البحث عن أعذار لهذا التخلي، خاصة حين نجد ان كل شخص هنا يمتلك حربه الخاصة. هكذا كان طلال زوج ليليان، الذي بعد ان فقد يده، باتت حربه، وهو الكاتب والصحافي، ان يتعلم الكتابة باليد اليسرى. وحين غادرته زوجته، كان هو قد غادرها قبلاً، عندما رفض الهجرة رفض باتا متذرعا بعدم جدوى الهرب. وكأنه استسلم لموته »الرمزي« من دون شك. وردة بدورها استسلمت لموتها الرمزي حين اكتشفت انها اصبحت وحيدة. كاميليا لم تستسلم لهذا الموت، تحولت الى »قاتل« في نهاية الرواية. لكن قصتها مع الموت، تأخذ حيزها في رواية ايمان حميدان يونس. فهذه الفتاة الدرزية، أحبت بيار، المسيحي، الذي قُتل في بداية الحرب، لأن ثمة مَن قال عنه انه ينتمي الى حزب الكتائب. كاميليا بدورها، رغبت في الهجرة، بعد ان أحست بأن بلدتها لم تعد تلك البلدة التي عرفت فيها الحب، والتي جعلتها تكتشف معنى انسانيتها، وكأن هذه القرية، تحولت الى غول، يسلبها آخر بقايا انسانيتها. بعد »انتسابها« الى الحزب، وبعد ترددها على المستشفى الميداني حيث عملت لفترة ممرضة، اكتشفت فيها الحرب والعنف، قررت المغادرة الى لندن، حيث بقيت هناك 7 سنوات عملت فيها في الاذاعة العربية هناك. في لندن قضت ست سنوات مع دافيد، سافرت خلالها مرات عديدة جابت فيها العالم. وحينما »ضجرت« من السفر، مثلما »ضجرت« من دافيد، بالرغم من علاقة الحب بينهما، تعرفت الى ابراهيم، الذي قرر تصوير فيلم عن بيروت ومقاتليها وحرب شوارعها للمعهد الذي كان يدرس فيه. جاءت كاميليا الى بيروت، ولم تعد الى لندن. أقامت في شقة مهى. كأنهما بمعنى ما حققت حلمها في الاقامة ببيروت. (اذ غالبا ما كانت تقول لخالها خدني معك الى بيروت حين كانت لا تزال في القرية). وفي الحي الذي سكنته، تعرفت الى راينجر الذي ساعدها في الفيلم. قوة خرافية الموت بدوره حاضر ايضا في قصة مهى. اذ فقدت غسان، زوجها، مع بداية الحرب، لتقبع في وحدتها وصمتها وابتعادها عن العالم. أصبحت شقتها عالمها الأوحد الذي يفصلها عن العالم الخارجي. حين جاءت كاميليا من لندن لتسكن معها، اكتشفت كم كانت وحيدة، وشيئا فشيئا، وبالرغم من انها وعدت نفسها بعدم التورط مع اي كائن آخر على وجه الارض، وجدت نفسها في وسط معمعة المقاتلين وتصوير الفيلم. مثلما وجدت راينجر الذي تحتقره ويخيفها، في بيتها، زد على ذلك، انها مارست الحب معه. وكأنها حين اتفقت مع كاميليا على قتله في ملجأ البناية، عند اشتداد القصف، لم تكن تنتقم فقط من مضايقته لها مرارا على الحاجز في شارع الحي، بل انتقمت ايضا لمقتل غسان الذي كانت الحرب مسؤولة عن موته، مثلما انتقمت لمقتل محمد الطبيب، الذي كانت تعرفه كاميليا من مستوصف الجبل، بعد ان تبيّن ان راينجر وجماعته هم المسؤولون عن خطفه وتصفيته لأنه كان يتردد الى الشقة لرؤية كاميليا. بالرغم من كل أفكارهن بالهجرة والرحيل او بالانسحاب من الحياة للبقاء على الهامش، تبدو النساء (في الرواية) وكأنهن يملكن قوة خرافية في دواخلهن لمواجهة الحرب، ففي حين نجد ان الرجال استسلموا لها، مقتنعين بمصائرهم، تبدو الشخصيات الأربع وكأنها تسعى الى تركيب حياة جديدة. حتى انهن انتقمن من الحرب عبر قتل راينجر. هل من مصادفة ما في كون كاميليا ومهى هما الوحيدتين اللتين خطتتا للقتل، حين نعرف انهما الوحيدتان اللتان فقدتا عزيزا من جراء الحرب؟ لا تنحو الروائية ايمان حميدان يونس، الى الاجابة عن تساؤلاتنا، انها تروي، وتصف، ومن خلال هذه العملية، تثير فينا العديد من الاسئلة، التي لا تجيب عنها، بل تتركنا وحدنا معلقين، عند نهاية الكتاب، لنفتش عن اجوبة، أليس أفضل الادب هو ذاك الذي يملك قدرة على طرح الأسئلة؟ »باء مثل بيت.. مثل بيروت« هو عملياً كتاب اول، لروائية، قدمت لنا صوغا جميلا لحكايات الموت والدمار. لكنه في واقع الامر، لا يبدو كتابا أولاً. اذ اننا امام كاتبة تملك أدواتها التعبيرية، تعرف كيف تبني عالما يجعلنا نرتحل في داخله. اننا امام روائية حقيقية بكل بساطة. وإن لم تصدقوا.. أدعوكم الى قراءة روايتها هذه. إسكندر حبش