كان فشل الملك حسين في الحصول على سلاح أميركي مجاني سببا لتوجهه نحو الاتحاد السوفياتي للحصول على السلاح، والذي جاء بعده »عناق الدب« مع ياسر عرفات الذي كاد يخنقه؛ ففي تشرين الأول 1984 عقد عرفات اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر في العاصمة الأردنية عمان، وهكذا اصطاد الملك حسين. فقد كان ينبغي على الملك أن يأتي للترحيب بزواره، ولم يكن أمامه من خيار سوى القول إنه يعترف بقرار القمة العربية حول منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وبعد ذلك، بدأت مفاوضات مكثفة بين الأردن ومنظمة التحرير تم التوقيع في نهايتها في 11 شباط 1985، على اتفاق للتنسيق السياسي بينهما. واعتبر الملك حسين هذا الاتفاق وسيلة لاستغلال ضعف المنظمة بعد هزيمتها في لبنان، بهدف الحصول على شرعية فلسطينية للمشاركة في القضية الفلسطينية، الأمر الذي كان بمثابة إلغاء لقرار القمة الذي اعتبر المنظمة ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني. أما المنظمة فرأت في الاتفاق نظام عمل، وليس اتفاقا سياسيا، حتى أن ياسر عرفات أكد اثناء افتتاح جلسة المباحثات: »لا نعتقد ان هناك أية امكانية للتوصل الى حل سياسي استنادا لموازين القوى في المنطقة في الوقت الحاضر«. وقد دفع هذا الاعتراف منظمة التحرير للموافقة على نموذج الكونفدرالية بين فلسطين والأردن، وحاول عرفات إيضاح هذه الخطوة بقوله انه حتى في البيان المشترك مع الرئيس السوفياتي، يوري أندروبوف، ذكرت عبارة »الدولة الفلسطينية ووحدة كونفدرالية«، وأضاف: »استطعت عبر هذا الاتفاق أن أصل الى مسافة 25 كيلومترا من القدس، هذا ليس اتفاقا سيئا، انه يوفر لي في النهاية موطئ قدم على الحدود«. لم يكن الحب المتبادل هو الذي أوصل الملك حسين وعرفات الى مراسم الزواج وتوقيع الاتفاق، بل النوايا الغامضة والدفينة لكلا الرجلين، ورغبة كل منهما في تغطية الآخر، لذلك وبعد توقيع الملك على هذا الاتفاق بالذات، توالت لقاءاته مع رئيس الحكومة الاسرائيلية، كما أكثر شمعون بيريز من تودده للملك حسين. وفي العام 1985 كان بيريز يبحث عن الصيغ الكفيلة بمساعدة الملك حسين للالتفاف على الحواجز الفلسطينية التي أقيمت في طريقه. وحاول بيريز، من خلال جهود دبلوماسية كبيرة، أن يخلص الملك من قيود منظمة التحرير وتحجيم مفعول المؤتمر الدولي الذي كان الملك ملتزما به، انسجاما مع قرار القمة العربية. في خلال المحادثات السرية، عرض الملك على إسرائيل مطالب كانت تهدف الى تمتين صلة عرب الضفة الغربية بالمملكة الأردنية، إلا أنه خشي أن يطلب صراحة كبح منظمة التحرير الفلسطينية، إذ كان يعتمد على إسرائيل أن تدرك نواياه وتستخلص من حديثه النتائج المطلوبة للجم المنظمة. وفق هذه الروح، تم صوغ النقاط الإحدى عشرة التي قدمها الملك حسين الى بيريز، والتي تضمنت طلبا باتخاذ اجراءات ضد بعض الصحف العربية التي تصدر في القدس وتعارض الملك، وطلبا آخر بلجم الدعاية المعادية للأردن في جامعات الضفة الغربية. سرية النقاشات حول هذه المطالب مكنت الأردن من نفي حقيقة ان تعيين جعفر المصري رئيسا لبلدية نابلس (في 27 شباط 1985) تم بناء على توصية الأردن. بيد أن هذا النفي لم ينقذ حياة المصري الذي اغتالته منظمة التحرير الفلسطينية في الثاني من آذار 1986، برغم انها أقامت له جنازة شارك فيها الكثيرون. وكان الملك حسين قد استفاد من الخدمات التي قدمتها له إسرائيل في الماضي، حين عارضت مشاركة منظمة التحرير في أية مفاوضات سياسية. وأدت بذلك الى سد الطريق أمام ضغوط الرئيس كارتر لفتح الأبواب أمام المنظمة، وإكمال مسار شرعيتها، التي بدأت في الرباط وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1974. كان الملك حسين يريد أن تقوم إسرائيل من أجله بإخراج كستناء المنظمة من النار، لكنه هو نفسه رفض في الوقت ذاته الوقوف علنا ضدها، بينما كانت تتمتع بدعم القمة العربية. على العكس من ذلك. فقد تحدث في بياناته العلنية عن ضرورة قيام دولة فلسطينية، مرتبطة بالأردن، واستنتج الاسرائيليون دائما من محادثاتهم السرية معه، ان هذا ليس هدفه. كان شمعون بيريز منهمكا في عمل متعب في سد الفجوة القائمة بين تعهدات الملك بتنسيق خطواته مع منظمة التحرير، وبين محاولة التوصل الى اتفاق معه يعني إيجاد بديل فلسطيني للمنظمة. وكلما كانت منظمة التحرير تعلن عن استعدادها للتوصل الى حل كونفدرالي مع الأردن، كان الملك حسين يؤمن بأن هذا هو الطريق الصحيح لاستعادة الحق الذي أُخذ منه في قمة الرباط. ولذلك كان مستعدا دائما للتنسيق والتعاون مع عرفات، لكنه في الوقت الذي اتضح له فيه ان المنظمة تحاول استغلاله للحصول على بطاقة دخول مستقلة الى واشنطن، أعلن في 19 شباط 1986، تعليق اتفاق التنسيق السياسي الذي وقعه قبل سنة. وقد شجع هذا شمعون بيريز على مضاعفة جهوده بحثا عن الصيغة التي تخلص الملك من »المظلة الدولية« وتفتح الباب أمام مفاوضات علنية بينه وبين إسرائيل، من دون دفع الملك الى المواجهة مع منظمة التحرير ومع الدول العربية. حتى أن الرئيس حسني مبارك، طلب المشاركة في هذه الجهود واقترح الدعوة لعقد مؤتمر إقليمي، لكن المنظمة رفضت هذا الاقتراح، وطرحت في المقابل اقتراحات أخرى كثيرة كان أهمها ما يأتي: 1 مشروع شولتس خلال اللقاء الذي عقد في العقبة، في مطلع أيار 1986، بين وزير الخارجية الأميركية جورج شولتس، والملك حسين، عرض شولتس على الملك مشروعا لإشراك فلسطينيين من خارج منظمة التحرير في وفد أردني فلسطيني. وبدأ بمفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل حول كيفية اختيار هؤلاء الفلسطينيين. وفي أواخر شهر أيار، وبعد زيارة الملك حسين لواشنطن، بعث شولتس برسالة الى بيريز، الذي كان آنذاك رئيسا للحكومة الاسرائيلية، جاء فيها: تكوّن لدينا انطباع أثناء زيارة الملك حسين للولايات المتحدة، أن الملك ملتزم بالسير بسرعة نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لذلك يمكن الحديث عن الاقتراحات العملية التالية: أ أوضحت الولايات المتحدة للأردن، أنها لا تستطيع تأييد مشاركة أعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية في الوفد الأردني الفلسطيني الذي سيبدأ المفاوضات مع إسرائيل. ب اتفقنا مع الملك على إجراء لقاء مع مجموعة أردنية فلسطينية. وقد وافق الملك على موقفنا القائل بأن هذا اللقاء لا يشمل قواعد للمفاوضات، وأن المفاوضات ستجري بين إسرائيل والوفد الأردني الفلسطيني، شريطة أن يكون الفلسطينيون مقبولين من جميع الأطراف. لكن منظمة التحرير عرقلت هذا المشروع. 2 مشروع بيريز: في 19 تموز 1985، التقى بيريز والملك حسين في لندن واتفقا على إجراء المفاوضات على مراحل. في المرحلة الأولى يلتقي وفد أردني فلسطيني مع مساعد وزير الخارجية الأميركية، وبعد ذلك فقط تعلن منظمة التحرير قبولها بالقرارين 242 و338 الصادرين عن مجلس الأمن، وتتخلى عن الارهاب. وبقيت نقطة واحدة موضع خلاف. فقد طلب الملك أن يشمل الوفد الفلسطيني أعضاء من منظمة التحرير، وهو ما رفضه بيريز. وبهدف حل هذه المشكلة، أوفد بيريز، سمحا دنيتس، الى شولتس كي يبلغه سرا، بأن إسرائيل توافق فعلا على عقد لقاء أميركي مع وفد فلسطيني يضم أعضاء من منظمة التحرير. ويقول شولتس في مذكراته، ان دنيتس قال له أثناء اللقاء الذي تم في بيته في الخامس من شهر آب، ان إسرائيل ستقدم احتجاجا على بدء مفاوضات أميركية مع منظمة التحرير قبل أن تتخلى هذه المنظمة عن الارهاب، لكنها ستوافق في النهاية على خطوة أميركية من هذا القبيل، إذا كان من شأنها أن تساعد على الحل الذي يسعى إليه الملك حسين، أي: إقامة كونفدرالية أردنية فلسطينية »برئيس حكومة واحد، وجيش واحد وخدمات دبلوماسية واحدة«. وقال دنيتس أيضا ان الملك حسين يعارض بشدة قيام دولة فلسطينية ويؤيد ترشيح ممثلين فلسطينيين. لكن هذا التفاؤل لم يكن مبررا، فقد قالت منظمة التحرير »لا لأي تحرك يخلو من الاشتراك الدولي في التسوية. كما أن الرئيس ريغان لم يوافق على عقد لقاء أميركي مع أعضاء منظمة التحرير، طالما لم تقبل المنظمة شروط الولايات المتحدة بشأن الارهاب وحق إسرائيل في الوجود بشكل آمن. 3 مشروع مورفي: حاول ريتشارد مورفي، مساعد وزير الخارجية الأميركية، ان يعد طيلة الأشهر، من تشرين الأول 1985 ولغاية كانون الثاني 1986، وثيقة اتفاق إسرائيلي أردني حول الاجراءات للمنتدى الدولي، الذي يعد بمثابة تمهيد للمفاوضات الثنائية الإسرائيلية الأردنية، أو للوفد الأردني الفلسطيني. التقى مورفي في بداية وساطته، مع شمعون بيريز والملك حسين في تشرين الأول 1985. عقد اللقاء في لندن، بعد ثلاثة أيام من قيام إسرائيل بتدمير قيادة منظمة التحرير في تونس، على اثر مقتل ثلاثة إسرائيليين في قبرص. لم يتحدث الاثنان عن م.ت.ف. وتبادلا الآراء حول الكلمات التي سيلقونها في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي أعقاب اللقاء عبّر الملك حسين عن رضاه عن العبارة التي وردت في كلمة بيريز، والتي تحدث فيها عن موافقته على افتتاح دولي للمفاوضات الاسرائيلية العربية المباشرة في لجان ثنائية. في الحادي عشر من تشرين الثاني 1985، نشرت صحيفة »نيويورك تايمز«، ان بيريز والملك حسين وافقا، في لقائهما الأخير في لندن، على عقد مؤتمر دولي. لكن في الواقع، لم يكن حتى ذلك الوقت تم أي اتفاق ولا حتى مسودة اتفاق. فقد كان على مورفي أن يمضي ثمانين يوما أخرى في مفاوضات مضنية حول تحديد صلاحيات الافتتاح الدولي، حتى يتسنى لبيريز أن يحصل على موافقة حكومته. وبناء على اقتراح مورفي فإن المؤتمر الدولي كان سيبدأ بجلسة مشتركة شكلية (من قبيل تأدية واجب)، على أن تبدأ في ما بعد المفاوضات الثنائية المباشرة، من دون إعادة طرح القضايا المختلف عليها على المؤتمر بكامله. فرح مساعدو بيريز، الذين شاركوا في صياغة الاتفاق الاسرائيلي الأردني، وشربوا الأنخاب تقديرا للنجاح في إزالة الحاجز من طريق المفاوضات مع الأردن. وأعلن بيريز لدى عودته إلى إسرائيل: »هناك قفزة في الاتصالات مع الأردن. وننتظر فقط الرد على صورة تشكيل الوفد الأردني الفلسطيني المشترك«. لكن بعد أسبوع فقط، فاجأ رئيس الحكومة الأردنية زيد الرفاعي الأميركيين بإبلاغهم ان عرفات مستعد للقبول بمشروع ريغان شريطة أن يوافق الأميركيون على تفاصيل اتفاق الشراكة السياسية بين الأردن ومنظمة التحرير، الذي وقع قبل سنة. وكان ذلك بمثابة الشيء ونقيضه. فمناورة عرفات كانت تهدف الى عرقلة أي اتفاق إسرائيلي أردني، إلا أن هذه الخطوة لم تغير من تفاؤل بيريز بنتائج وساطة مورفي. في المقابل، قال إسحق رابين في الشهر نفسه: »انني لا أرى أي أمل في إحضار الملك حسين الى طاولة المفاوضات، وهذا سوء تقدير لا أكثر«. تلقى شمعون بيريز الإشارة الأولى الى عدم إمكان تطبيق مشروع مورفي، بعد أن تسلم رسالة من الملك حسين تضمنت شكواه من الضغوط الأميركية التي تمارس عليه لاتخاذ خطوة حاسمة في علاقاته مع إسرائيل. وقال الملك في رسالته، ان الوقت غير ملائم لخطوة علنية، لكنه على استعداد لعقد لقاء سري داخل إسرائيل. وقام بيريز بإبلاغ السفير الأميركي بيكرينغ بتوجه الملك حسين هذا. تحدث الملك حسين عن الدوافع التي أدت الى تبدل الموقف الأردني من آلية المفاوضات، كما اتفق عليها بينه وبين مورفي في لندن بتاريخ السابع من كانون الثاني 1986، فقال في خطاب ألقاه في 19 شباط، وأعلن فيه عن تعليق اتفاق التعاون السياسي مع منظمة التحرير. انه يفخر بأنه استطاع تغيير الموقف الأميركي، سواء لجهة المؤتمر الدولي، أو لجهة اشتراك منظمة التحرير فيه. كان الملك حسين مقتنعا بأنه يقوم بعمل كبير حين يفتح الطريق أمام منظمة التحرير للمشاركة في المحادثات مع الأميركيين. وقال زيد الرفاعي، الذي حضر لقاء الملك مع عرفات، للصحافي الأميركي جون فولاغ، انه بعد أن تلقى الملك رسالة من الرئيس ريغان، التي يعده فيها بدعوة منظمة التحرير لحضور المؤتمر الدولي فور اعترافها بقرار مجلس الأمن 242، دعا عرفات وجماعته الى حفل غداء كي يطلعهم على إنجازه. لكن عرفات الذي اطلع على الرسالة فاجأه بغضب: »لكن الرسالة لا تتضمن الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني«، فما كان من الملك حسين إلا أن أوضح أن الأردن هو الذي يمنح حق تقرير المصير وليس الأميركيون، إلا أن هذا الشرح لم يرض جماعة المنظمة التي رفضت المبادرة الأميركية. واعتبر الملك حسين أن طلب المنظمة اعتراف الولايات المتحدة بحق تقرير المصير للفلسطينيين، يشكل مساً بصلاحيات المملكة الهاشمية لمنح الفلسطينيين حق تقرير المصير ضمن إطار الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية. بعد فترة من الزمن أوضح عرفات سر رفضه وإصغائه لأجهزة مخابرات المنظمة في الأراضي المحتلة قائلا: »لقد حذرني رجالنا من كارثة باتت وشيكة بعد لقاء سري بين بيريز والملك حسين. وبموجب الاتفاق بين الاسرائيليين والأردنيين، الذي لعب فيه زيد الرفاعي دورا أساسيا، تم إخراج منظمة التحرير من إطار مفاوضات التسوية«. كانت مسألة عدم الثقة متبادلة. فالملك حسين كان يشك بأن عرفات يدبر مؤامرات ضده. وقال الحسين انه وافق على وجود علم فلسطيني مستقل، وبرلمان وحكومة فلسطينيين مستقلين، لكن حين طلب عرفات وجود جيش فلسطيني مستقل، رد عليه الملك بسلبية تامة. لكن الأمر الذي أغضب الملك أكثر، كان اقتراح عرفات التناوب على رئاسة الكونفدرالية مرة رئيس فلسطين وأخرى ملك الأردن ووجد الملك في ذلك إشارة الى نية منظمة التحرير السيطرة على الأردن. في الخطاب الذي أعلن فيه الملك تعليق الاتفاق السياسي مع منظمة التحرير، تفاخر برفضه اقتراحات إسرائيل بشأن الحل الاقليمي الوسط، الذي تضمن: »ان تأخذ إسرائيل قسما كبيرا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، القليلة السكان، وتعطي الأردن القسم المتبقي ذي الكثافة السكانية«. وأضاف قائلا: »لقد سمي هذا الرأي بالخيار الأردني. وقد رفضناه«. لكن برغم ذلك، ثارت النفوس، واندلعت التظاهرات في مدن الضفة الغربية وأحرقت الأعلام الأردنية احتجاجا على إعلان الملك حسين تعليق اتفاق التنسيق مع منظمة التحرير. إلا أن التظاهرات لم تمنع الملك حسين من اختبار طريق آخر لكسب ود الفلسطينيين المقيمين غرب نهر الأردن، وكان هو الطريق الاقتصادي. فقد استهدف إعلان الملك حسين عن خطة اقتصادية خمسية للضفة الغربية، وتكليف شقيقه الأمير حسن بالوقوف على رأس هذه الخطة، تحسين الوضع الاقتصادي لفلسطينيي الضفة الغربية. وحتى يستطيع تنفيذ هذه الخطة احتاج الملك الى إسرائيل كي تساعده في الحصول على مساعدة البنك الدولي والحكومة الأميركية. كما احتاج الى إسرائيل لتقوية العناصر الموالية للأردن، كي يتمكن هؤلاء في المستقبل من أن يشتركوا كممثلين في الوفد الأردني الفلسطيني الى المؤتمر الدولي، والى المفاوضات مع إسرائيل. وهكذا تركزت محادثات الملك مع ممثلي إسرائيل حول هذه الأهداف سنة 1986، وهي السنة التي تأزمت فيها العلاقات بين منظمة التحرير والمملكة الأردنية الهاشمية. بعد أربعة أيام من إعلانه تعليق الاتفاق مع منظمة التحرير، تحدى الملك حسين زعامة عرفات. وقال في مقابلة مع صحيفة »نيويورك تايمز« في 23 شباط 1986 انه »يجب على الفلسطينيين أن يقرروا ما إذا كان عرفات سيقودهم في المستقبل«. وفي مقابلة أخرى مع إحدى الصحف العربية استخدم الملك لغة واضحة حيال المنظمة وقال: »لست مستعدا للتفاوض مع منظمة فقدت مصداقيتها«. وأشار الى ضرورة البحث عن السبل الكفيلة بإلغاء قرار قمة الرباط، الذي حرمه من حق تمثيل الفلسطينيين. كانت إسرائيل تنصت لتصريحات الملك حسين. وفي آذار 1986 التقى وزير الدفاع إسحق رابين مع الملك حسين في باريس، وبحث معه في السبل الكفيلة بلجم إرهاب منظمة التحرير. في الاجتماع طلب الوزير الاسرائيلي من الملك كبح قادة المنظمة المقيمين في الأردن، فيما طلب الملك من إسرائيل تعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين فلسطينيي الضفة الغربية والحكومة الأردنية. وفي ضوء ذلك، أعلن شمعون بيريز، في مقابلة تلفزيونية، ان »الملك حسين ينتظر تبدلاً في قيادة منظمة التحرير«. وفي الشهر نفسه، رد عرفات بهجوم على الملك حسين فاتهمه علنا (في 29 نيسان) بالاجتماع سرا بالاسرائيليين بهدف العمل ضد »سكان المناطق المحتلة«. وكان واضحا حصول الخلاف في العلاقات بين الأردن ومنظمة التحرير من خلال تصرفات الحكومة الأردنية وتصريحاتها. بعد أن أصدر المجلس الثوري لحركة »فتح« بيانا في 19 حزيران، اتهم فيه الملك حسين بالتآمر مع الولايات المتحدة لتدمير منظمة التحرير، أمر الملك بإغلاق 35 فرعا من أصل 37 فرعا لحركة »فتح« في الأردن، وصدر أمر بطرد خليل الوزير (أبو جهاد) فورا من الأردن مع أنه كان قائدا لعمليات المنظمة ونائبا لعرفات. تصاعد التوتر بين الأردن والمنظمة، لم يمنع من عقد لقاء بين بيريز ورابين والملك حسين وزيد الرفاعي في تموز 1986، لبحث المسائل المشتركة بين الدولتين. وكان على رأس هذه المسائل طلب الأردن من إسرائيل مساعدته في الحصول على مساعدة مالية أميركية لتمويل الخطة الخمسية الاقتصادية في الضفة الغربية. أراد الأردن مبلغ مليار ونصف المليار من الدولارات، لكن الولايات المتحدة لم تتمكن من تلبية تطلعات الأردن، وخصص الكونغرس مبلغا بسيطا جدا هو 18 مليون دولار في السنة، أي ما مجموعه تسعون مليون دولار لتمويل الخطة الخمسية المذكورة. في المقابل، استطاعت إسرائيل تلبية التطلعات الأردنية عبر تفضيلها الجهات الموالية للأردن في الضفة الغربية لدى توزيع المساعدات التي تنوي السلطة الأردنية توزيعها على السكان. وتم التعبير عن ذلك في تصريح لوزير الدفاع إسحق رابين حول سياسة إسرائيل في الأراضي المحتلة. فقد أعلن رابين، في مقابلة أجريت معه في أيلول 1986: »ان سياسة اسرائيل تقوم على أساس تعزيز مكانة الأردن في الضفة الغربية وضرب منظمة التحرير الفلسطينية«. وبعد شهر من ذلك جاء دور التناوب وسلم بيريز منصب رئيس الحكومة لإسحق شامير (كانت الحكومة الاسرائيلية مشكلة في ذلك الوقت من قبل حزبي »العمل« و»الليكود«، ويتناوب بيريز وشامير على رئاستها لمدة سنتين لكل منهما) ولم يطرأ أي تغيير على خط عمل الحكومة بالنسبة لهذه القضية، لكن تغيرا طرأ على طريقة عمل بيريز. فبعد أشهر من توليه منصب وزير الخارجية، طرح بيريز مبادرة للتوصل الى اتفاق مع الأردن على أساس صيغة متفق عليها بشأن إدارة المؤتمر الدولي من خلال الالتفاف على مشكلة مشاركة الفلسطينيين المعقدة والتي بسببها جنح قارب المفاوضات في مطلع 1986. كانت الولايات المتحدة بدورها مهتمة كذلك باستئناف الحوار مع الأردن من أجل تخفيف التوتر الذي ساد بين الدول العربية وبين واشنطن، بعد كشف فضيحة »إيران غيت«. وكانت سوريا في ذلك الوقت مهتمة بإيجاد الصيغة التي تتيح موافقة الولايات المتحدة على عقد المؤتمر الدولي. وفي مطلع العام 1987 أوفد الأميركيون مورفي مجددا الى الشرق الأوسط، وفي مطلع نيسان وصل زيد الرفاعي الى واشنطن حاملا اقتراحا سورياً حول شكل المؤتمر الدولي. ولم تشرك منظمة التحرير الفلسطينية في هاتين المبادرتين، ولا حتى في النتيجة النهائية للمفاوضات، التي خلص إليها اتفاق لندن بين الملك حسين وشمعون بيريز في 11 نيسان 1987. وبعد ثلاثة أيام من التوصل الى اتفاق بين بيريز والملك حسين، أي في 14 نيسان، سوّى عرفات خلافاته مع خصومه في المنظمة، الذين كانوا يرفضون التنسيق السياسي مع الأردن. وكان الثمن الذي اضطر عرفات لدفعه إصدار بيان مشترك يقضي بإلغاء اتفاق التعاون والتنسيق السياسي بشكل تام، وهو الاتفاق الذي وقع في شباط 1985، والذي علقه الملك في وقت سابق. وردا على إعلان منظمة التحرير إلغاء الاتفاق، أصدرت الحكومة الأردنية بيانا جاء فيه: »سنواصل العمل من أجل عقد المؤتمر الدولي، وسنتمسك بموقفنا القائل بضرورة فتح الطريق أمام مشاركة منظمة التحرير في أعمال المؤتمر كممثل للشعب الفلسطيني«. كان بيريز يعتقد ان اتفاق لندن مع الملك حسين، يقطع الطريق أمام مشاركة منظمة التحرير في المفاوضات، خاصة لجهة ما ورد فيه من ان المؤتمر الدولي سيعقد على أساس القرار 242، الذي رفضت المنظمة الاعتراف به. بيد أن تفسير زيد الرفاعي للاتفاق كان مختلفا تماما. فالرفاعي الذي كشف قميصه في أحد لقاءاته مع وزراء إسرائيليين ليريهم بعض الكدمات الموجودة على ذراعه نتيجة محاولة اغتياله من قبل بعض الفلسطينيين حين كان سفيرا للأردن في لندن، لم يكن يحب منظمة التحرير، لكنه مع ذلك طلب صراحة إشراك المنظمة في المؤتمر الدولي، وفسر اتفاق لندن، الذي كان له دور في صياغته، بأنه اتفاق يقترح للمنظمة مقعدا على طاولة المفاوضات. وذهب الرفاعي الى أبعد من ذلك، حين أوضح انه حتى في اللجنة الاسرائيلية الأردنية ضمن إطار المؤتمر الدولي، ستضطر إسرائيل للتفاوض مع منظمة التحرير، وأن المفاوضات التي سيجريها الأردن مع إسرائيل ستخصص لمنطقة وادي عربة واليرموك، ولن تتعرض لموضوع الأراضي التي احتلت اثر حرب 1967. لم يكن عرفات هو الآخر منزعجا من اتفاق لندن. ففي التاسع من أيار 1987، نشرت صحيفة »صوت الشعب« الأردنية رده على اتفاق لندن حيث قال: »إذا ما سارت الأمور على هذا النحو، فسينعقد المؤتمر الدولي قبل حلول شهر تشرين الثاني 1987 بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية«. ولم يعقد المؤتمر الدولي أخيرا في تشرين الثاني، بل عقدت قمة عربية في عمان في الثامن من تشرين الثاني 1987. تحدث الملك حسين في جلسة مغلقة للمؤتمر، في العاشر من تشرين الثاني 1987، عن صراع العرب من أجل عقد المؤتمر الدولي، الذي يستهدف وقف التمدد الصهيوني، وفي كانون الأول انفجرت الانتفاضة التي عززت مواقع منظمة التحرير داخل المجتمع الفلسطيني. الانتفاضة وآثارها كان الملك حسين يخشى امتداد الانتفاضة الى الضفة الشرقية لنهر الأردن، ودفعه ذلك ليعلن في 31 تموز 1988، الانفصال الاداري عن الضفة الغربية. وبعد أن نجح في سد الطريق أمام امتداد الانتفاضة الفلسطينية الى داخل مملكته، أعلن في تشرين الأول 1988: »سنكون على استعداد للذهاب في إطار وفد مشترك مع الفلسطينيين إذا ما طلبوا منا بشكل واضح أن نفعل ذلك«. حتى في الخطاب الذي أعلن فيه عن فك الارتباط مع الضفة الغربية، ترك الملك حسين فتحة للتدخل في القضية الفلسطينية إذ قال: »ان الأردن لم ولن يتخلى عن تقديم المساعدة للشعب الفلسطيني حتى يصل إلى أهدافه الوطنية، إن شاء الله. إن أحدا خارج فلسطين لم يكن على صلة وثيقة مع فلسطين وقضاياها أكثر من صلة الأردن وصلة عائلتي معها«. هناك أساس لافتراض بأن الملك حسين خدع نفسه حين اعتقد أن فلسطينيي الضفة الغربية سيتوددون إليه. فالواقع أنهم خذلوه، واضطر لطلب مساعدة الولايات المتحدة وإسرائيل ما دامتا ترفضان التفاوض مع منظمة التحرير. السفير الأميركي السابق في عمان، سام لويس، وصف موقف الملك حسين ازاء أية مفاوضات محتملة مع إسرائيل بقوله: كان الملك حسين ولا يزال مقتنعا بأن نظامه سيكون معرضا للخطر، إذا ما التقى علنا مع القادة الاسرائيليين، أو إذا ما أجرى معهم مفاوضات علنية حول الضفة الغربية وغزة من دون إذن من عرفات. قد بقي هذا التصور العام مسيطرا على السياسة الأميركية الاسرائيلية حتى صيف 1994. ففي ذلك الوقت فقط استطاع الملك حسين التخلص من العقبات التي عرقلت خطواته، ووافق على إعلان واشنطن الذي ألغى بموجبه حالة الحرب مع إسرائيل. إن تصلب إسرائيل بعدم التفاوض مع منظمة التحرير لم يترك خيارا للفلسطينيين، الذين أرادوا انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، سوى الاستعانة بخدمات الملك حسين لإجراء مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل. كان هذا معنى تشكيل »وفد أردني فلسطيني مشترك« الى المفاوضات، التي بدأت في مؤتمر مدريد في تشرين الأول 1991، واستمر ذلك حتى آب 1993، حين اتضح للملك أن إسرائيل أجرت من خلف ظهره مفاوضات سرية مع منظمة التحرير في أوسلو. هنا غضب الملك، لكن لم يكن أمامه من خيار سوى التسليم بهذا التطور، في وقت حاول فيه شد الفلسطينيين إليه عبر طريق آخر، أي عبر اتفاق اقتصادي مع السلطة الفلسطينية يضمن الصلة بين الضفتين. وبهدف الحفاظ على صلة قوية بين الوفدين، الأردني والفلسطيني، في محادثات واشنطن ومؤتمر مدريد قبلها، قبل الملك حسين بالقيود النابعة من هذه الشراكة، ومنح الفلسطينيين تفويضا يخولهم منع أي تقدم على جبهة المحادثات الأردنية باتجاه اتفاق صريح مع إسرائيل. وكان الحدث الأبرز الذي استخدم فيه هذا الحق، هو حدث في تشرين الأول 1992: فبعد أن توصل الوفدان الاسرائيلي والأردني، في مفاوضات واشنطن، الى تفاهم عام حول جدول أعمال متفق عليه، لا يتضمن أي ذكر »للأراضي المحتلة«، لكنه يتضمن ذكراً »لمعاهدة سلام«، اضطر الأردن، تحت ضغط منظمة التحرير، للتراجع عن الاتفاق برغم أن الوفد الأردني الذي فاوض عليه يضم ممثلين اثنين من الجانب الفلسطيني. أراد الملك حسين من خلال التوصل الى اتفاق على جدول الأعمال مع إسرائيل أن يضمن تغطية إسرائيلية لوجهة نظره، بأن أية تسوية مع الفلسطينيين ستكون مرتبطة بالأردن في شكل من الأشكال. وبعد نجاح الملك في التغلب على المعارضة الفلسطينية، وفي 14 أيلول 1993 وقع ممثله خلال حفل في واشنطن على جدول الأعمال المتفق عليه. وحرص الملك على أن تكون للصلة السياسية أبعاد اقتصادية حيث تم التوقيع، في الأول من كانون الأول 1993، على اتفاق يقضي بممارسة فروع البنوك الأردنية في الضفة الغربية نشاطها. وبهذا الشكل وضع مضمون ملموس في العلاقة المأمولة من الملك حسين بالضفة الغربية.