دمشق حسين بن حمزة: الترجمة سلطة قبل أن تكون خيانة، وبهذا المعنى يصح القول على سبيل الزعم ان كل سلطة خيانة. فالسلطة هي الصورة المظهرة للخيانة ومُنتَجها النهائي. الترجمة، حتى وإن كانت مهنة صرفاً، فيها قدر لا يستهان به من السلطة، خاصة حيال القارئ الذي يواجه النص المترجَم إلى العربية، من دون معرفة مسبقة باللغة الأصل، فهو لا يعرف الكيفية التي نُقل على أساسها النص في لغته، ولا تسعفه طريقة كي يضع يده على الأسلوب أو المهارات التي يستعين بها المترجم، كما أنه لن يحرز، بطبيعة الحال إلمام المترجم أو جهله، ربما سيصل إليه بالقراءة وسبلها شيء من قدرة المترجم أو ضعفه، ولكنه، بالتأكيد، لن يصل الى جوهر المشكلة كي يعرف موضعه ومكانته كقارئ غفل. الترجمة الجيدة يمكنها أن توسّع أو تضيّق حدود النص الأصلي وهو في سبيله إلى لغة ثانية وقارئ ليس في حسبان المؤلف، لأنها تظل نوعا من قراءة وسيطة يمكنها أن تنقل مع متن النص، آليات قراءته وتلقيه وتعدديته، ويمكنها بالعكس أن تبعد القارئ عن النص وتجعله ملتبسا. في ما يلي شهادتان في الترجمة وإشكالياتها، الأولى للدكتور منذر عياشي، وله مؤلفات وترجمات عديدة، منها: (أطياف ماركس) لجاك دريدا، (لذة النص مدخل إلى التحليل البنيوي للقصة نقد وحقيقة) لرولان بارت. أما الشهادة الثانية فهي لصالح علماني، وله ترجمات كثيرة عن الاسبانية، لغابرييل غارسيا ماركيز وإيزابيل الليندي، وخوان رولغو وماريو فارغاس يوسا وغيرهم. ولا بد من القول إن هاتين الشهادتين لهما دلالتهما الراهنة، إذ تشهد حركة الترجمة، حاليا، نشاطا واضحا في سوريا. صحيح أنها لا تقارن بمثيلاتها في لبنان ومصر والمغرب، إلا أنها تمثل جهدا كبيرا في تقريب القارئ إلى الكتاب الأجنبي، وفي جعل صورة الكاتب في الخارج وكذلك أساليب الكتابة وتحولاتها هناك، جزءا من مشهد ثقافي محلي: منذر عياشي: الترجمة والقراءة مبدئيا يمكنني القول إنني أفرّق بين الترجمة والقراءة. فأنا أترك الترجمة لميدان النقل العلمي كالرياضيات والفيزياء وغيرها، وبصورة أقل الى ميادين تكون الكتابة فيها مستعملِة للغة نفعية واستهلاكية وقريبة من لغة الحياة اليومية، كما في كتابات علم الاجتماع والاقتصاد والسياسة الى حد ما. وأما الكتابات الأخرى التي تتصل بالأدب وإنتاجه، فأنا أخصها بمصطلح القراءة لا بمصلح الترجمة، وأعتقد ان هذا التمييز ضروري. فالمتعامل مع النوع الأول من الكتب، تكون الترجمة عنده مجرد نقل، وهو يكون محكوما بلغة هذه الكتابة، لأنها كما ذكرت، لغة استهلاكية ونفعية. وأما الكتابة الثانية، فإنها لا تقوم على الترجمة بل على القراءة، لأنها في منشإها، قراءة قام بها المؤلف لمكتوبه، وإذا أقبل عليها الآخر فإنما يقبل عليها من باب القراءة لا من باب النقل والنسخ. والقراءة بهذا المعنى نوع من الفهم، إذا كان الكاتب يمارسه أولاً، ليسجل على بياض الصفحات فهمه لمكتوبه، فإن القارئ يقوم بما قام به المؤلف، ليسجل في سطور المؤلف فهمه الخاص. ولقد نعلم أن العمل الإبداعي لا يكون إبداعا إلا إذا توافرت في لغته شروط انفتاحه وتعدديته واختلافه ومفارقته. والقارئ (المترجم) يقبل عليها ليسجل فيه الاختلاف والمفارقة والانفتاح والتعددية، وإذا لم يفعل ذلك يكون قد نقل جسدا ميتا بلغة جسد ميت. وإذا كان قد قيل إن الترجمة خيانة، فإن هذا القول لا يعبّر تماما عن عمق العملية الابداعية للقراءة، لأنها ليست مجرد خيانة. القراءة هي إبداع نص في نص وإبداع نص على نص. والمترجم القارئ هو كاتب في نص على نحو من الأنحاء. وإذا سألتني شخصيا عن ترجمتي فيمكنني أن أقول: أنا لست مترجما، إنني مجرد قارئ يسجل فيما ينقل مخاضه الخاص، ولذا أستطيع أن أؤكد قائلا: إنني أضع من ذاتي التي تبدعها قراءتي في ما أترجم، أكثر مما أترجم. وقد يكون مثل هذا القول في نظر البعض فضيحة، ولكن القراءة لذة، واللذة تتطلع الى أن تكون فضيحة! ولمَ لا يكون الأمر كذلك، ونحن نعلم مثلا، أن كلمة (ترجم) تعني في العربية شيئين، كلاهما يغادر الأصل المترجَم عنه. أما الأول، فيعني فسَّر، والتفسير شيء قد يكون أطول أو أقصر من النص الأصل، وهو على كل حال لغة أخرى غير لغة الأصل. وأما المعنى الثاني، فيمكن بحسب التشكيل الصيغي لكلمة (تُرجم) أن نعني: التبس الكلام. وهكذا نرى أن الترجمة في الحالين تشكل مفارقة وابتعادا وهجرة. كيف لا، والنص بحد ذاته هو هجرة في الزمان، تتم ابتداءً من لحظة تفكير الكاتب بما يكتب وانتهاءً بإرساله لما يكتب. والكتابة بين هاتين اللحظتين تعد مهاجرة ومفارقة. وككل الكائنات يعروها التبدل والتغير، لأن ما يكون في لحظة يكف عن أن يكون كذلك في لحظة أخرى. فما بالك عندما ينتقل النص الى لغة أخرى، إنه يعيش هجرة مضاعفة تستدعي وتستلزم تغيرا فيه، ولولا هذا لكف عن أن يكون حيا. لقد قمت بترجمات عديدة، بعض هذه الترجمات كانت لنصوص إشكالية في لغاتها الأصل. من هذه النصوص أذكر أنني ترجمت كتاب »لذة النص« لرولان بارت، ولكنني أقول: إني ترجمته ترجمة قارئ لا ترجمة مترجم. ولقد أردت صادقا أن تكون هذه الترجمة صادقة، أي أن تكون مطابقة للأصل. ولكن أي أصل؟ ولعلي لا أكذب الظن إذا قلت: إن رولان بارت نفسه لا يملك الأصل ولا يعرفه، وإنما هو ناسخ سجل ما وعاه ليبلغه، ورُب مبلّغ، أي قارئ أو مترجم، أوعى من مبلّغ، أو مؤلِّف، فالأصل هو الغيبة والغياب، والنص الذي ترجمته هو صورة الغياب كما نسخها رولان بارت. وما دام الأصل هو صورة الغياب، فإن النص الذي بين أيدينا لا يحمل ضمانة تمامه، ولا وثوقيّة كماله. أفلا يعني هذا، أن الإبداع من نقصه يولد؟ ذلك لأن ثمة شيئا على الدوام عنه غائب، ولذا فهو ينفي نفسه ليكون معنى مختلفا، بل ليكون مخلَّفاً في قراءة كل قارئ. فالقراءة تخلق النص ثم تلغيه، ثم تخلقه ثم تلغيه، ثم تعيده من بعد خلق خلقا آخر. وإن ترجمة تتشكَّل في القراءة لهي ترجمة تشكِّل النص الذي كانت تتطلع إلى أن تتشكَّل فيه. وهكذا نرى أن المعنى في نص القراءة كما هو في النص الأصل، لا يتأسس على أصل ولا على منسوخ، وإنه ليمضي كذلك في غيبة مضاعفة، إنه قراءة منتجة للنص، ومعنى نسخٍ جديد لمعنى قراءة جديدة. إن ترجمة بالمعنى الذي ذهبتُ إليه هي ترجمة يلد بها النص مجددا على صورة صوتية وصرفية وتركيبية ودلالية جديدة، وبها يتحول عن جسده اللغوي الذي كان به، إلى جسد لغوي آخر، أي أنه يتحول باللغة من أسر اللغة الأولى الى حرية اللغة الثانية. وهذا التحول هو محاولة لا لإعادة ذاكرة الماضي في ذاكرة النص وحسب، ولكنه محاولة لبناء ذاكرة المستقبل في النص الحاضر. وقد تبدو العملية مستحيلة، ولكن القراءة ضرب من ضروب جعل المستحيل ممكنا، ولولا الممكن اللغوي، لما كتب الكاتب ولما قرأ المترجم كتابة الكاتب، أي لما قام بإنجازها مرة أخرى. وبهذا تحقق القراءة/ الترجمة، حرية الحضور الدائم لنص كُتِب في الماضي، ولكنها تشترط عليه أن يتغير وأن ينحرف وأن يتجاوز نفسه. صالح علماني: كيف نختار ما نترجمه؟ لقد كانت الترجمة وما زالت وستبقى هي الوسيلة الأساسية والجوهرية للتفاهم والتقارب، وستبقى ضرورة إنسانية لا غنى عنها. فمهما بلغ رقي شعب من الشعوب وتطوره حضاريا وثقافيا، لن يكون بمقدوره الاكتفاء بتراثه الخاص والاستغناء عن التراث الإنساني العام. والمعارف الإنسانية في شتى المجالات هي ضرورية مثل الآلات والأجهزة والمعدات، ولا بد لنا إذا كنا لا نملكها من استيرادها، وأسهل الطرق وأهمها لاستيراد المعارف هو الترجمة. ولكن، ما هي الترجمة؟ لقد اصطلح إطلاق هذه التسمية على النقل من لغة إلى أخرى، مع أن هناك من يرى أن كل فهم لنص ما هو ترجمة، فالقارئ الذي يقرأ نصاً بلغته الأصلية، يقوم بطريقة أو بأخرى بترجمته بتفسيره من خلال فهمه له، ومن هنا يتوجب على المترجم أن يكون قارئا مدققا ومتفحصا للعمل الذي يريد ترجمته، فالفهم الجيد والقدرة على التعبير هما الجناحان اللذان يمكن للمترجم أن يحلق بهما. كلما جرى الحديث عن الترجمة وشروطها، يتم التأكيد على شرط أول وأساسي، ألا وهو معرفة المترجم للغتين: لغة النص الأصلي (لغة الانطلاق أو المصدر) واللغة التي سينقل إليها (لغة الوصول أو الهدف) وكلما كان إتقان اللغتين أكبر كانت الترجمة أفضل. ولكنني في هذا المجال وخصوصا بالنسبة إلى الترجمة الأدبية ألح وأؤكد على ضرورة معرفة الكتّاب الذين نترجمهم. فمن المناسب قراءة كتب أخرى للمؤلف، ومعرفة الاتجاه الأدبي الذي ينتمي إليه، ولا بد لنا من أن نتمثل في أدمغتنا خلال الترجمة كل الخلفية الثقافية والتاريخية والاجتماعية للعصر الذي يتحدث عنه المؤلف، بدلا من التعامل مع الكتاب كنص معزول أو قائم بذاته. وكم هو جميل أن يعكف المترجم على ترجمة أعمال كاتب بعينه، لأن هذا سيكون في الحقيقة تجربة مؤثرة، لأن كل نص سيحيلنا إلى سواه ويفسر كل منها الآخر. وهي تجربة مارستها وعشتها في ترجمتي لجل أعمال غارسيا ماركيز وايزابيل الليندي وماريو فارغاس يوسا. هناك مسألة أخرى مهمة ومثيرة للفضول في عمل المترجم، وهي المتمثلة في السؤال: كيف نختار ما نترجمه؟ المنطق يفترض أن يكون الناشر هو مَن يقترح الترجمة. ولكن هذا الأمر نادرا ما يحدث. فالناشرون عندنا في الغالب غير مؤهلين للاختيار، لأن معظمهم يتعاملون مع الكتاب مثلما يتعامل بائع الملابس الجاهزة مع بضاعته، أي من منطلق الربح والخسارة. ولهذا فإن مَن يتولى عملية الاختيار هو المترجم نفسه، وغالبا ما يفعل ذلك بدافع الإعجاب والذوق الشخصي المحض، المستند بالطبع الى القيمة الأدبية، والى تقدير المترجم بأنه سيجد قراء آخرين يشاطرونه الذوق والإعجاب. أما إذا تحدثنا عن معايير الناشرين في الاختيار، فإننا سنجد أنفسنا في إطار المعايير المادية، فهم يريدون كتابا يباع جيدا ولوقت طويل. ولو كنت أملك كمترجم ناصية هذا الضرب من التنجيم، لكنت أقمت منذ زمن طويل دار نشر خاصة بي... ومن خلال تجربتي الطويلة مع الترجمة حوالى أربعين عنوانا مترجما كنت أجد التقبّل والاستجابة السريعة من الناشرين عندما يكون المؤلف مشهورا وذا شعبية واسعة. ولكنني لم أجد حتى الآن ناشرا يتحمس لنشر أحد أعمال خوان كارلوس أونيتي مثلا. وقد وجدت في أحد الأيام صعوبة في نشر رواية »بيدرو بارامو« لخوان رولفو، ولم يوافق عدد من الناشرين على نشرها لمجرد أنهم لا يعرفون شيئا عن المؤلف، وأخيرا تبنت وزارة الثقافة في سوريا نشرها ووجدت الرواية يومها رواجا واسعا. وهكذا فإن مهنة المترجم ليست بالمهنة المضمونة، فهو يخضع لنزوات الموضة (والقراءة ليست موضة رائجة في هذه الأيام) ولنزوات الناشرين الذين يرون في المترجمين شراً لا بد لهم من التعامل معه، ولجحود القارئ في معظم الأحيان، فنادرا ما يزعج القارئ نفسه في تذكر اسم مَن ترجم الكتاب الذي يستمتع بقراءته أو يشمئز منه.