As Safir Logo
المصدر:

احلام الفيديو قصص لؤي عبد الاله استحالة الواقع واستحالة الاتصال

المؤلف: المدهون راسم التاريخ: 1997-10-02 رقم العدد:7811

تتجول قصص المنفى العراقية عموما، في دروب حكايات تجمع استعادات حياة الوطن الى مآسي المنفى.. وما بين هذه وتلك، يجتهد الكُتّاب العراقيون في تقديم ألوان من القص صار لها نكهة خاصة ومميزة في الكتابة العربية، من حيث الأجواء الجديدة والغريبة أحياناً التي تقدمها هذه القصص، ومن حيث البيئات التي تحكي عنها. قصص تستعير غالبا حدقة حداثية توفرها نعمة الاحتكاك بثقافات العالم ولغات تعبيره، وفي الوقت ذاته هموم عتيقة، تنتمي الى »العالم القديم« بثقل أحزانه، وحتى بشذوذ هذه الاحزان وغرابتها التي تجعل منها اشياء منقرضة، لا يكاد »العالم المتطور« يفهمها او يصدق مجرد وجودها، وحدوثها في طرف ما من كوكبنا الأرضي. تلاحق القصة العراقية أحلام كُتّابها، بل كوابيسهم وأضغاثها، فتتنوع لغاتها وتقنياتها من كاتب الى آخر، من حكايات فاضل الربيعي الكابوسية في »أيها البرج.. يا عذابي«، الى رؤى الخوف والإثارة في مجموعة سلام ابراهيم »رؤيا اليقين« الى هذه المجموعة القصصية المميزة »أحلام الفيديو«، للكاتب المقيم في بريطانيا منذ سنوات، لؤي عبد الإله والصادرة عن »دار الجندي للنشر والتوزيع« في دمشق. الفيديو واستحالة الواقع »أحلام الفيديو«، حكايا أرضها المنفى، ولكنها تذهب بحوادثها وحواراتها أبعد من رقاعه، شوارعه ومدنه، وتعود او هي تحاول العودة الى المكان الاول، حيث تشكلت بذور الحزن، وترعرعت، فدفعت أصحابها الى محاولة البحث عن بديل لائق في أرض الله الواسعة. تقابل »أحلام الفيديو« بين ثقافتين مختلفتين.. بين نظرتين متفارقتين للعالم والحياة، وكأن الفيديو هنا، هو المعادل الفني لاستعصاء الحصول على معادل في الواقع المُعاش ذاته، فالفيديو هو قدرة لا محدودة على التحكم في تركيب الذكريات، في منتجتها، في شطب ما يمكن ان يبدو نشازا او منفّراً، وهو بعد ذلك وربما قبله رمز الاحتكام الى تقنية العصر، واشارة الى فارق شاسع بين العالمين. يكتب لؤي عبد الاله، قصصه بروح الرغبة في القبض على حلم شديد الصلة بوقائع حياته، فيذهب الى استحضار أيامه الأولى في العراق، ويحاول رؤيتها من جديد بروح اخرى. في »أحلام الفيديو«، القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، يقدم الكاتب مزيجا من وقائع منفاه الجديد وحياته الاولى في وطنه الأول، حيث يفتح المشهد الجديد باب الأسئلة عن بداهات مفقودة، وغريبة، تذهب الى حد استحالة التآلف مع الحياة الجديدة، بعيدا عن اخطاء الحياة الاولى، والتي صارت شيئا لا يمكن الاستغناء عنه. »أحلام الفيديو« تعيد تركيب المشاهد الاولى بعدسة رؤية مختلفة، فتكشف اغترابا حتمياً يسقط فيه بطلها: »لا يستطيع تذكّر ما حلّ بعد ذلك. كل ما بقي في مخيلته صورة زوجته، وهي تنسلّ بهدوء من القاعة، وقبل ان تغلق الباب وراءها، رفعت بيدها مودعة إياه وداعا أبدياً«. تنطوي هذه القصة على غاية واحدة، كشف تفاصيل روحين مختلفتين تشكلتا من خلال ثقافتين، بل وتربيتين بعيدتين، ففي سياق الحب، واحتفالهما بعيد ميلاد ابنتهما الصغيرة وإذ تنبث الفرحة في اطراف البيت، يكتشف الزوج قرار الزوجة »المفاجئ«، بتوديعه الى الأبد، والبحث عن حياة اخرى بعيدا عنه، أي انها بكلام آخر، تذهب الى روحها التي تشكلت في صورة مغايرة، وعلى نار ثقافة مختلفة. قصة فيها الكثير من شجن وأسى، وفيها دقة الانتباه الى ما وراء كل ما هو عادي، مألوف وعابر، وقد لا يثير انتباهنا في الاحوال العادية، تقوم على السرد عموما مع بعض الاستعادات التي تأتي قصيرة، مشحونة بالدلالات غير المباشرة. اما في قصة »مدرسة المكارم« فإننا نجد أنفسنا أمام حكاية من حكايا الطفولة، يحاول خلالها مجموعة من الفتيان التعرف على التغيُّرات المفاجئة التي وقعت لصديقهم »هادي«، والتي لمحوا دلالاتها في تلك البثور التي انتشرت على وجهه، مترافقة مع ميلٍ الى الخجل والانطواء. هذا السرّ الذي يجهد الصبيةُ لاكتشافه يضعه هادي نفسه ومن ثم يكشف لهم على صيغة سؤال يطلقه في وجوههم: هل سأل أحدكم يوما أباه، كيف جاء الى هذه الدنيا؟ سؤال البداهة هذا، يكشف عالمين، عالم الصبية الذين لم يغادروا مواقع الطفولة بعد، وعالم هادي الذي يعيش سن المراهقة بكل ما فيه من حقائق جديدة: »مضى هادي يشرح الحقائق بتفاصيلها، مما جعل أسناننا تطقطق لاإرادياً ببعضها، ودفع بأجسادنا الى الاختضاض، على الرغم من قيظ تموز. كان كل منّا آنذاك غارقاً بالعرق، مكللاً بالعار، خجلاً من أمه، حانقاً على أبيه«. زمن البداهات تحمل قصة »مدرسة المكارم« رغبة لا تخفى في التعبير عن البداهات الاولى، واعادتها الى لغة الكتابة، طرية، طازجة، وممزوجة بالافكار والتخيلات واحلام اليقظة، لعل هذه البداهات الاولى ترسم صورة البراءة على محيط يصطبغ بالأسود، وينوء بأثقال الحياة. قصة تحمل مناخا مغايرا في مجموعة قصصية تنتسب الى المنفى وأوجاعه كأنما الكاتب يقصد ان تكون بلغتها البسيطة وأحداثها شبه العادية وقفة تأمل يستعيد فيها القارئ معه صورا أولى تشكل عالم الطفولة، ومفاهيمها الغضة البدائية والمشوشة غالباً. في »احلام الفيديو« ثمة قصص تنتسب الى عوالم مختلفة، ف »قبلة الحياة« تقدم لوحة مفعمة بالدلالات لمأزق الحب حين يصبح عادة، فنجاح الحبيبة في إسعاف غريق من خلال النفخ في فمه، يقابله الحبيب بلامبالاة، بل وشبه غياب، وكأنه يعلن موت الحب في لحظة تنفس الغريق وعودته الى الحياة. اما في »كفاءة من نوع خاص«، فإن لؤي عبد الإله، يقدم نموذجين مختلفين لعراقيين يعيشان في المنفى، أحدهما رب عمل أمضى سنوات طويلة في المنفى، والثاني مجرد طالب في الجامعة، حيث يجمع بينهما العمل المشترك في مؤسسة تجارية للأول. لنقف في القصة على غرائبية الشخص الأول الذي يبحث عبثاً عن تحقيق ذاته الضائعة من خلال تصرفات غير مفهومة مع مساعديه الذين يعتاد الاختلاف معهم، مثلا يعتاد معايشتهم، ليكتشف في نهاية القصة استحالة التعايش مع رجل نجحت سنوات المنفى في تشويهه، وتحويله الى رجل معزول من الناحية العاطفية يجيد حسابات التجارة ويفشل في التواصل مع الآخرين. »كفاءة من نوع خاص« صورة الانسان وقد أعادت تشكيله العلاقات المادية، بعيدا عن محيطه الاجتماعي، فانتهى الى صورة شائهة مثقلة بالأوهام والوساوس، مكوّنة بالرغبة والتسلط والسيطرة على مَن يعملون معه. أجمل قصص المجموعة هي »الحارس الجليدي« والتي تحكي عن أحد الجنود السجناء الذي يوافق على القيام بالحراسة في إحدى الليالي المثلجة في مقابل مغادرة سجن المعسكر، حيث يراقبه زملاؤه السجناء من نافذة غرفة السجن، ويطمئنون الى صوت خطواته الرتيب في ذهابه وعودته في الخارج: »وحينما بدأت سرعة حركته تتضاءل، ومساره يقفر تدريجياً، راح كلٌّ منّا يتنبأ في ذهنه بموقع توقف ذلك الرقاص عن الحركة. فجأة وقرب الشجرة الوحيدة، انطلقت صرخة مجلجلة، لكن الجليد كتمها بأصابعه القاسية، ثم حوّلها في الفضاء الى كتلة ثلجية مشعشعة«. كليلة ودمنة في المجموعة قصص قصيرة اخرى، ضمها عنوان رئيس هو »حكايات كليلة ودمنة«، استخدم الكاتب فيها حيوانات في صورة رمزية تذكّر بكتاب ابن المقفع، جاء بعضها قوياً، موفّق الرمز، فيما جاءت الاخرى، عادية لا تحمل حرارة القص الناجح. في العموم، نستطيع القول ان لؤي عبد الإله، قدم في مجموعته »أحلام الفيديو«، قصصا جمعت بين حرارة القص وجاذبية الاسلوب من جهة، وبين موضوعات فيها الكثير من الغنى والتنوّع. انها قصص الإتكاء على ذاكرة صارت بفعل الغربة وحياة المنفى زاد الكاتب في بحثه عن تحقيق كيانه وبحثه عن طريق أجمل لمواصلة العيش. راسم المدهون

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة