طوكيو غسان مكحل الانطباع الأول من الحوارات مع العديد من اليابانيين في أعمار ومواقع متفاوتة، أن الدين قليل الأهمية أو ربما عديم القيمة بالنسبة إلى الغالبية العظمى من اليابانيين، لكن هل هذه هي الصورة كلها بالنسبة إلى موقع الدين والتدين بالنسبة إلى الشعب الياباني. الإجابة الغالبة لدى الياباني رداً على سؤال حول موقع الدين في حياته، هي أنه غير متديّن، لكن في المقابل تظهر الاحصاءات والتقارير في هذا الشأن أن الغالبية العظمى من اليابانيين تتردد على المعابد سواء على ديانة الشنتو أو الديانة البوذية في مناسبات متعددة عامة ومناسبات شخصية كالزواج والولادة وغير ذلك. ولا يخلو أي معبد تقريبا من الزوار بشكل يومي، إلا أن أحد الكهنة من الشنتو أشار الى ان نسبة عالية من الزوار تأتي للسياحة أكثر منها للتدين. لكن مظهر الخشوع البادي على غالبية الزائرين، وإقدامهم على القيام بالواجبات الدينية في مثل هذه الزيارات مثل إشعال البخور وإضاءة الشموع وقرع الأجراس وتقديم التبرعات، والحصول على مباركة الأطفال، يعطي صورة مختلفة، تبعث على الالتباس بشأن وضع الدين في المجتمع الياباني. من الواضح أن الطبيعة العملية للمجتمع الياباني البالغ التطور تقنيا واقتصاديا وظروف العيش التي تفرض على الغالبية العظمى تخصيص غالبية الأوقات للعمل أو للإعداد له، تفرض على الأفراد تقليص اهتماماتهم الأخرى، خاصة في المسائل الاجتماعية والدينية، مثل أي مجتمع عملي متطور آخر. إلا أن ما يبدو انه يميّز اليابانيين، هو الحرص على إبقاء نافذة روحية في حياتهم، سواء في المجال الاجتماعي أو التقليدي أو الديني، وهو ناتج عن الطبيعة الشرقية المتأصلة في الشخصية اليابانية، برغم اكتساب الكثير من الغرب وعاداته. تجمع التقارير على أن نسبة المتدينين من اليابانيين لا تتجاوز 35 في المئة، في حين أن نسبة الذين لا يهتمون بالدين هي 65 في المائة، إلا أن الغالبية العظمى من اليابانيين تحرص على الزيارات الدينية للأضرحة والمعابد والمزارات. وتُعتبر اليابان دولة بوذية أي أن غالبية شعبها على الديانة البوذية التي أتت من الهند عبر الصين وكوريا في القرن السادس الميلادي. وتصل نسبة البوذيين الى حوالى سبعين في المئة، في حين أن غالبية الباقي على ديانة الشنتو، وهي ديانة اليابان القديمة، ولا وجود لها خارج اليابان، وترتبط عمليا بالقومية اليابانية. الشنتو يقول كاهن عن ديانة الشنتو، ان هذه الديانة التي تركز على عبادة الظواهر الطبيعية نشأت مع نشوء اليابان، ولا أحد يعرف تحديدا في أي زمن. ويؤمن أتباع الشنتو بوجود ثمانية ملايين إله على الأقل. تتميز معابد الشنتو بمداخلها التي هي غالبا عمودان من خشب الأشجار الهائلة الحجم مع عمود يتوجهما، أو ربما استخدمت مواد أخرى لكن على المثال نفسه في تكوين مداخل المعابد الكبرى والحديثة البناء، والمعابد دائما وسط حدائق واسعة يغلب عليها شجر الكرز ذو الأهمية المعنوية والدينية الكبرى بالنسبة الى اليابانيين. وتوجد دائما عند مداخل المعابد بركة مياه صغيرة من أجل وضوء المؤمنين. أما المباني فهي دائما على النمط الياباني التقليدي، يصعب تفريق المعابد البوذية عن معابد الشنتو إلا في شكل المداخل، أما المباني فهي متشابهة كثيرا وكذلك المذابح. يعترف أحد الكهنة البوذيين ردا على سؤال عن صحة جمع العديد من اليابانيين بين الديانتين البوذية والشنتو، بأن هذه ميزة يابانية، ويؤكد موافقة البوذيين على هذا التقليد. ويعترف بأن هذه حالة خاصة بالنسبة الى الديانة البوذية في اليابان على خلاف البوذية في الهند وسريلانكا مثلا. ويصر اليابانيون على التأكيد بأن التسامح الديني هو من صفاتهم، ويشيرون الى ان حرية الدمج بين ديانتين أو أكثر هي من مزايا هذا التسامح. وبالفعل فإن تاريخ اليابان لم يشهد حروبا دينية أو حملات قمع دينية تذكر ما عدا في القرن السادس عشر عندما وصلت أوائل السفن الأوروبية الى اليابان، وشهدت البلاد انتشارا واسعا للمسيحية، فما كان من الحاكم العسكري للبلاد (شوغان) إلا أن فرض حظرا على انتشار المسيحية وشن حملة واسعة، وحتى انه تم إعدام بضع عشرات من معتنقي المسيحية صلبا. إلا أن هذه تبقى حوادث استثنائية في التاريخ الياباني وإن كانت لعبت دورا أساسيا في وقف انتشار المسيحية، إذ ان عدد المسيحيين في اليابان اليوم لا يتجاوز المليوني نسمة من أصل أكثر من 125 مليون نسمة، في حين ان عددهم وصل الى ثلاثة ملايين في القرن السادس عشر، حسب دراسات تاريخية عدة. وفي تأكيد للتسامح الديني يؤكد اليابانيون ان العديد منهم مثلا يتزوجون حسب التقليد المسيحي أو الشنتو ويحرصون على أن تكون مراسم الدفن والعزاء على الديانة البوذية. يقول كاتب ياباني في عرضه للفرق الجوهري بين اليابان والدول الغربية الأخرى، ان فرنسا أو أميركا أو بريطانيا، مثل سفينة لها قبطان واحد وتسير في اتجاه محدد، بينما اليابان هي مثل آلاف الساعات التي تسير كل منها وحدها، إلا أنه عندما تسرع إحداها تضطر الساعات الأخرى الى تسريع توقيتها لإبقاء الانسجام والتناغم. وقد يصدق هذا المثال على الجانب الديني في اليابان حيث لا اعتراف بإله واحد مدبر للكون كما هو الأمر عند المسيحيين والمسلمين واليهود. وتبدو الأفكار وراء إقامة المعابد والاعتقاد بالآلهة غير مفهومة بالنسبة إلينا، فعلى سبيل المثال يقول أحد الكهنة عن سبب إقامة معبد متشيزانه سيكوره في كيوتو »ان روح متشيزانه سيكوره وكان موظفا كبيرا في القصر عندما كانت كيوتو عاصمة لليابان تمثلت على شكل ثور بعد أن أبعد من القصر ونُفي الى غربي البلاد بسبب الحسد..«. يضيف الكاهن، الذي تجنب الإجابة عن سؤال حول نظرة الشنتو الى الكون، ردا على سؤال بشأن الإيمان بإله واحد »عندما نتحدث عن الإله، يوجد عندنا إله الشمس في معبد في مدينة إيسي، وهو الأعلى مرتبة بين الآلهة..«. وما يميّز ديانة الشنتو هو تقديرها العميق للطبيعة وللحفاظ عليها، إذ تبدو وكأنها ديانة بيئية، بحسب المفاهيم الحديثة. أما بالنسبة الى نظم إدارة المعابد، فإن المسؤولية الكهنوتية عن المعابد تنتقل غالبا بالوراثة، بعضها منذ 15 جيلاً، كما أن هناك كهنة رجالاً ونساءً، يحق للرجال الزواج كما عند البوذيين في حين ان الكاهنات يخرجن من سلك الكهنوت إذا ما أردن الزواج. والأصنام بالنسبة إلى الديانتين كما في الديانات الشرق أوسطية القديمة، واسطة للتقرّب من الآلهة. وهناك عنصر مهم في الديانتين البوذية والشنتو، هو احترام الأجداد، والسعي الى وسائل للاتصال والالتصاق بأرواحهم، وهي ميزة موجودة تقريبا في كل ديانات الشرق الأقصى. وبرغم انخفاض الاهتمام بالتدين، إلا أن الغالبية العظمى من بيوت اليابانيين وحتى محالّهم، تضم معابد خشبية صغيرة بعضها لا يتجاوز حجم سنتيمترات مربعة، من أجل التبرّك. حزب ديني ومع أن اليابانيين فصلوا تماما بين الدين والسياسة منذ هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية، وإنهاء الاعتقاد بالطبيعة الإلهية للأمبراطور إذ كانوا يعتقدون بأن الأمبراطور هو ابن الآلهة التي كوّنت الجزر اليابانية إلا أن الدين لم يغب تماما عن السياسة. وربما كان أبلغ دليل على ذلك تأسيس حزب كوميتو في العام 1964 كذراع سياسي لمنظمة سوكا غاكاي التابعة لجماعة نيتشريين شوشاو البوذية، ونجح الحزب في الحصول على موقع مهم في البرلمان، وهو الآن جزء أساسي من التحالف ضمن حزب المعارضة الرئيسي حزب الجبهة الجديدة الذي له 170 نائبا في مجلس النواب و68 نائبا في مجلس المستشارين (المجلس الأعلى في الدايت). وكان الحزب قد تأسس بهدف السعي لتطهير العمل الحكومي من الفساد والرشى. ومع أن نفوذ الكهنة (الذين شاركوا بفاعلية في الحرب العالمية الثانية) تراجع بقوة في العقود الأخيرة، إلا أنه ما زالت تتردد أقاويل عن اتجاهات في معابد رئيسية لتحقيق تغييرات سياسية في البلاد، إلى درجة أن أحد الكهنة كشف النقاب عن إحباط مؤامرة قامت بها جماعة من الكهنة المدعومة من الخارج من أجل الوصول الى إلغاء النظام الأمبراطوري في اليابان! لكن السؤال يبقى عن درجة الاهتمام الفعلي لليابانيين بالدين. تشير الدراسات الدينية الى ان اليابان شهدت على فترات عدة منذ انفتاحها على العالم الخارجي ثلاث موجات من نشوء حركات ومنظمات دينية جديدة غالبيتها تقوم على الدمج بين الأديان المحلية والأديان في الخارج. وكانت هذه الحركة على ثلاث موجات؛ الأولى ما بين 1868 والحرب العالمية الثانية، والثانية بعد الحرب، والثالثة بدءا من العام 1975. وهي حالة حسب تقدير الخبراء تمثل شعورا بالفراغ النفسي الذي لم ينجح التطور الاقتصادي الهائل في ملئه. ويزيد من هذه الظاهرة حقيقة الانتشار اللافت للديانة المسيحية في القرن السادس عشر، ثم حاليا، وأيضا السرعة في تحول البوذية الى الديانة الأساسية لليابان لدى وصولها في القرن السادس..