يمكن النظر الى النسيج السياسي اليمني باعتباره نسيجا تعدديا. ويعد اليمن اليوم واحدا من اكثر بلدان الشرق الاوسط من حيث عدد الاحزاب السياسية المرخصة فيه. وكأي بلد يتبنى خيار التعددية الحزبية في ظل غياب مجتمع مدني، فإن العلاقة بين الاحزاب المحلية هي الحاسم الاهم لمستقبل الاستقرار السياسي، بل والتعايش الوطني برمته. ومن هنا، تغدو قضية المصالحة الوطنية امرا في منتهى الحساسية والاهمية. لم ينص الدستور اليمني صراحة على حق تأليف الاحزاب السياسية، لكنه اوضح ان للمواطنين في عموم الجمهورية الحق في تنظيم انفسهم سياسيا ومهنيا ونقابيا، والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية والاتحادات الوطنية، شرط ان لا يتعارض ذلك مع اهداف الدستور. وتضمن الدولة هذا الحق، كما تتخذ جميع الوسائل الضرورية التي تمكّن المواطنين من ممارسته، وتضمن جميع الحريات للمؤسسات والمنظمات السياسية والنقابية والثقافية والعلمية والاجتماعية (المادة 39). وبعد سبعة اعوام على قيام الوحدة، وثلاثة اعوام على الحرب الاهلية الاخيرة، يمكن القول ان نمط العلاقة بين المؤتمر الشعبي العام (الحاكم) والحزب الاشتراكي اليمني ما زال يمثل البعد الأهم في اشكالية التحالفات السياسية في الساحة اليمنية. في وقت مضى، كان ينظر الى العلاقة بين »المؤتمر« و»الاشتراكي« على انها نوع من تحالف الامر الواقع، وكان هذا التحالف قد ارتكز على مقولة مفادها ان تدعيم العلاقة بين التنظيمين يقود الى تدعيم الوحدة نفسها، وان انفراطها يعني انفراط هذه الوحدة. وبدت هذه المقولة ذات صفة واقعية نسبيا، وذلك حتى اندلاع الحرب الاهلية الاخيرة. وتأسيسا على ذلك انشأ التنظيمان »لجنة تنسيق« بينهما، برئاسة سالم صالح محمد، الذي كان يشغل منصب الامين العام المساعد للحزب الاشتراكي. وقبيل الانتخابات النيابية الاولى في دولة الوحدة وقّع »المؤتمر« و»الاشتراكي« على »ميثاق العمل السياسي« وبعد اقل من شهرين على الاتفاق الاول عاد التنظيمان فوقعا على »وثيقة التنسيق التحالفي على طريق التوحيد«. وفي الاول من آب 1993 اتفق »المؤتمر« و»الاشتراكي«، اضافة الى التجمع اليمني للاصلاح، على وثيقة مشروع جديد للاصلاحات الدستورية، وقد استبدلت الوثيقة الجديدة عددا من القضايا التي تضمنتها وثيقة »التنسيق التحالفي«. بيد ان الحزب الاشتراكي اعلن ان الصيغة المعلنة للوثيقة جرى تحريفها، ورد على ذلك بإصدار وثيقته الشهيرة التي حملت عنوان »وجهة نظر الحزب الاشتراكي اليمني حول ما وصلت اليه البلاد وامكانات المعالجة«. وقد صدرت هذه الوثيقة في ايلول 1993، اي في الشهر التالي لعودة علي سالم البيض من واشنطن واعتكافه في عدن. وفي هذه الوثيقة صعّد الحزب الاشتراكي خطابه تجاه المؤتمر الشعبي، وألقى على قيادات الشمال لائحة استحقاقات مثقلة شملت ثمانية عشر مطلبا. ولم يقف الحزب الاشتراكي عند ذلك بل ذهب خطوة اخرى في طريق الضغط على هذه القيادات عندما طالب بمناقشة مطالبه في مؤتمر وطني عام وطرحها على الاستفتاء الشعبي. لقد كانت مطالب الاشتراكي ذات وقع ثقيل على المؤتمر الشعبي العام و»حليفه« التجمع اليمني للاصلاح، وخصوصا المطالبة بالقبض على المتهمين بالتورط في الاغتيالات التي طاولت قيادات عدة في الحزب الاشتراكي، والتي اتهم الاشتراكيون »المؤتمر« و»الاصلاح« بالضلوع فيها، وكذلك المطالبة بإخلاء المدن الرئيسية من المعسكرات، في وقت كان »المؤتمر« ينظر الى مثل ذلك الاجراء على انه تهديد مباشر لأمنه الذاتي، وذلك خلافا لرؤية الحزب الاشتراكي الذي كان يرى في استمرار عسكرة المدن تهديدا لأمنه الخاص، كما للأمن الوطني. بيد ان الوجه الاكثر خطورة في وثيقة الحزب الاشتراكي هو تحديدها لعدد من التجاوزات السياسية والادارية ووضعها في اطار جهوي. لقد عززت وثيقة الحزب الاشتراكي البعد الجهوي في العلاقة التي سارت نحو مزيد من التوتر بين الاشتراكيين والمؤتمر الشعبي العام. وفي وقت لاحق اتت تصريحات سالم صالح محمد الداعية الى الاخذ بصيغة الوحدة الفيدرالية بديلا عن الوحدة الاندماجية لتدفع المشاعر والاحاسيس الجهوية الى مداها الأقصى. وفي العشرين من شباط 1994 وقعت الاحزاب الثلاثة »المؤتمر« و»الاشتراكي« و»الاصلاح« على »وثيقة العهد والاتفاق« في العاصمة الاردنية عمان، الا ان تصريحا أدلى به البيض بعد حوالى شهر على توقيع تلك الوثيقة يظهر بأن شيئا حقيقيا على الارض لم يحدث ابدا؛ فقد قال البيض في حديث مثير ان »اي استفتاء يجري في جنوب البلاد وشرقها سيظهر ان اكثرية السكان تؤيد استعادة اليمن الجنوبية وضعها السابق كدولة مستقلة«. واليوم، يمكن القول ان حديث البيض ربما كان بمثابة التمهيد النفسي لإعلان الانفصال إبان الحرب وهو اعلان ما زال الحزب الاشتراكي يدفع ثمنه غاليا، بالمعايير كافة. وعلى مستوى العلاقة بين الحزب الاشتراكي اليمن والتجمع اليمني للاصلاح، نجد وضوحا في التباين بين التنظيمين على مستوى الخلفيات والخيارات الاجتماعية والايديولوجية، وهو تباين يفوق في مستواه اي مستوى آخر من التباين بين الحزب الاشتراكي واي من القوى السياسية والاجتماعية على الساحة اليمنية. إن العلاقة بين التنظيمين هي علاقة تقابل في طابعها العام، وإن تقاطعت في بعض تفاصيلها؛ ففي حين نهض الحزب الاشتراكي على بناء طبقي ماركسي، فإن التجمع اليمني للاصلاح ارتكز على ثنائي القبيلة التنظيم الديني. وحين طرح مشروع الموحدة اليمنية عارضته قيادات »الاصلاح« على خلفية مقولة ان هذه الوحدة ستخضع الشطر الشمالي (اضافة الى الشطر الجنوبي) لحكومة يديرها »الالحاديون« مناصفة مع غيرهم. كما عارض »الاصلاح« دستور الجمهورية اليمنية وامتنع عن التصويت في الاستفتاء الذي أجري في شأنه قبيل قيام الدولة اليمنية الموحدة، في اشارة الى خلفية التنازلات التي قدمها المؤتمر الشعبي العام للحزب الاشتراكي في سبيل انجاز النص الدستوري بصيغة توفيقية، واعتبر »الاصلاح« ان هذه التنازلات تتعارض مع الموقف الديني. وعلى رغم تولي رئيس التجمع اليمني للاصلاح الشيخ عبد الله بن حسين الاحمر رئاسة المجلس النيابي منذ الانتخابات النيابية الاولى عام 1993، ودخول احد قيادييه البارزين، وهو الشيخ عبد المجيد الزنداني، في عضوية المجلس الرئاسي بعد تلك الانتخابات، يصر »الاصلاح« على تحفظه الشديد عن الدستور اليمني، وتلك هي احدى المفارقات المثيرة في الساحة السياسية اليمنية. وفور اعلان الوحدة اليمنية، دخل التجمع اليمني للاصلاح في حرب اعصاب مع الحزب الاشتراكي، واخذت وسائل اعلامه تشهر بتاريخ الاشتراكيين وحاضرهم وفي فترة لاحقة بدأ الاشتراكيون يشيرون بإصبع الاتهام الى تورط »الاصلاح« في مسلسل الاغتيالات الذي طاول الكثير من قيادييهم وكوادرهم. وكان التجمع اليمني للاصلاح اكبر المستفيدين من الخلافات التي راحت تتفجر بين »الاشتراكي« و»المؤتمر«؛ اذ اتاحت له هذه الخلافات هامشا اوسع للمناورة السياسية وبرمجة هجومه ضد الاشتراكيين، بل محاولة »تقنين« هذا الهجوم ضمن مؤسسات الدولة وأطرها الدستورية. ويمكن التذكير في هذا الصدد بالتحرك المشترك الذي قاده »المؤتمر« و»الاصلاح« لفك الارتباط بالحزب الاشتراكي، شريكهما في الائتلاف الثلاثي الذي تشكل بعد الانتخابات النيابية الاولى. وسبق تلك الخطوة قيام احد ممثلي »الاصلاح«، وهو عبد الله المقالح بجمع تواقيع من اعضاء مجلس النواب في محاولة لحجب الثقة عن حكومة حيدر ابو بكر العطاس. وفي اطار صراعه مع التجمع اليمني للاصلاح (كما مع المؤتمر الشعبي العام)، وضمن لعبة الاوراق القبلية والمذهبية، اتجه الحزب الاشتراكي الى التحالف مع قبائل »بكيل« (شمالية) ليوازن بها نفوذ »حاشد« التي تنتمي اليها اوساط »المؤتمر« و»الاصلاح«، كما اتجه في الوقت نفسه الى التحالف مع »حزب الحق« (زيدي شيعي) سعيا لإيجاد معادل نسبي للقوة السياسية الدينية داخل الاصلاح، وإن بدرجة محدودة. وكترجمة للتحالف، او التعاون، الذي ان قائما بين الحزب الاشتراكي وحزب الحق اتحد الطرفان في تموز 1992 في قيادة معركة تأميم المعاهد الدينية الخاضعة لنفوذ وادارة التجمع اليمني للاصلاح والتي يصل عددها الى 300 معهد. وفي اطار التحالف، او التعاون، الذي كان قائما بين الحزب الاشتراكي وقبائل »بكيل« يمكن ملاحظة حماية هذه القبائل لوحدات عسكرية جنوبية في الاشتباكات المسلحة التي دارت قبيل تفجر الحرب الاهلية عام 1994 بين قوات محسوبة على الشمال واخرى على الجنوب. وفي الاطار ذاته يمكن ملاحظة الاشتباكات العنيفة التي دارت بين »بكيل« ووحدات عسكرية شمالية. لقد كان لانتخابات 1993 النيابية انعكاسات كبيرة على خارطة التحالفات السياسية في الساحة اليمنية، وخصوصا لجهة العلاقة ضمن مثلث »المؤتمر« »الاشتراكي« و»الاصلاح«. فقد تحوّل الائتلاف الحاكم من ائتلاف ثنائي بين »الاشتراكي« و»المؤتمر« الى ائتلاف ثلاثي، حيث انضم اليه »الاصلاح«. وفي المعادلة الجديدة هذه ضعف »الاشتراكي« مرتين، مرة لأنه لم يعد يحكم »مناصفة« ومرة لأن »الاصلاح« استثمر كأداة ضغط يحاربه بها »المؤتمر«. وبما ان اوراق الضغط الحزبية والقبلية والمذهبية لدى الحزب الاشتراكي لم تكن فاعلة بما فيه الكفاية، فقد لجأ مبكرا لاستنفاد الحس الجهوي، يعينه في ذلك بناؤه المؤسسي الذي ظل قويا في مناطق حكمه السابق حتى لحظات اندلاع الحرب الاهلية عام 1994. ولم يكن الحزب الاشتراكي على خطأ في كل ما طرحه، ولم يكن كل ما طرحه منطلقا من اعتبارات حزبية ذاتية، ولا حتى من اعتبارات جهوية بحتة او ضيقة، بيد ان الخطأ الفادح كان تعويم المطلب الجهوي ورفع سقفه بوتيرة متواصلة استفزت الحس الوحدوي لدى اليمنيين و»حوّلت المظلوم الى ظالم« كما يقول المثل، والاخطر من ذلك كله فإن هذا المناخ شكل المقدمة السياسية والنفسية لاندلاع الحرب عام 1994. وبين تموز 1994، حيث »سقطت« عدن بأيدي قوات الشمال، ونيسان 1997 حيث سقطت كوادر »الاصلاح« وقياداته الراديكالية في الانتخابات النيابية، وشكل »المؤتمر« حكومة اللون الواحد، يمكن القول ان العزل المبرمج للحزب الاشتراكي الذي تم بعد انتهاء الحرب، كان بالنسبة ل »المؤتمر« سيفاً ذي حدين. فعزل الاشتراكي وتهميشه افرز تمددا »غير محسوب« ل »الاصلاح« وخصوصا في المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد، لكن هذه المرة ليس على حساب »الاشتراكية« و»الالحاد« انما على حساب »المؤتمر« نفسه. و»تمدد« الاصطلاح طرح على »المؤتمر« وعلى الرئيس علي عبد الله صالح اكثر من تحد. فعلى المستوى الامني اصبح »الاصلاح« قوة عسكرية شبيهة بالجيوش النظامية لا تنقصها سوى الطائرات والمطارات العسكرية، واذا امتزج هذا البعد العسكري بالبعد »الاصولي« الاخواني لدى »الاصلاح« بامتداداته الخارجية، فإن المعضلة بالنسبة الى صنعاء تغدو مضاعفة مرات عدة، وتثير حساسيات تبدأ بأسمرة والقاهرة وصولا الى واشنطن وعواصم دولية عدة. وعلى الصعيد المدني والاجتماعي لا يرغب الرئيس علي عبد الله صالح بالظهور مظهر »المكبل« بالاعراف التي تسعى ماكينة »الاصلاح« الهائلة لزرعها على الارض. هذا اضافة الى التباين في المواقف حول الاصلاح الاقتصادي، والعلاقة بالمؤسسات الاقتصادية الدولية. ولهذا كله كان متوقعا ان يسبق »الاصلاح« كسقوط عدن. وان تمسك الرئيس صالح بتأميم المعاهد الدينية التي كان يديرها الاصلاح، ووضع الامين العام لحزب الحق القاضي محمد الشامي على رأس وزارة الاوقاف، التي يخضع لإدارتها 4 آلاف مسجد، كان يديرها الاصلاح، تعد مؤشرات على عمق المأزق الذي بات يطوّق العلاقة بين »المؤتمر« و»الاصلاح« وفي الاخير فإن »الاصلاح« بدأ يدفع فاتورة تهميش الحزب الاشتراكي. واليوم، فإن حكومة اللون الواحد قد لا تكون هي الاخرى طريقا نموذجيا لإنجاز مهمة التعايش الوطني، وان ما يحدث في اليمن منذ اواخر تموز الماضي يثير العديد من التساؤلات. إن اي تطور امني كالانفجارات التي حدثت في عدن، يمكن تطويقه في المهد متى كانت البلاد تعيش مناخا سياسيا صحياً، يتراضى فيه الفرقاء كافة من دون اي شعور بالغبن. لكن متى انعدم هذا المناخ فإن التدهور الامني سرعان ما يصحبه تدهور سياسي؛ حيث تستيقظ الهواجس والشكوك المتبادلة ويتم خلط الاوراق عن قصد او غير قصد، وعندها يغدو التعايش الوطني في مهب الريح قولاً وفعلاً. إن إقرار السلطة بحق كافة الاطراف الوطنية في التعبير عن نفسها تعبيرا حقيقيا وفعالا، وادراك المعارضة في المقابل لمسؤولياتها السياسية والاجتماعية من دون انحياز للذات وللانتماءات الراسية هو السبيل الوحيد لإنجاز مقولة التعايش الوطني، التي ليس لليمنيين، وسواهم، من خيار سوى التمسك بها.