هونغ كونغ معن برازي شهدت الاجتماعات والندوات التي سبقت الافتتاح الرسمي لأعمال اجتماع صندوق النقد الدولي غداً الثلاثاء، انفجار الصراع بين »التلميذ الأكثر تهذيباً« بين »النمور الآسيوية«، رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد الذي اعلن ثورة على »التعاليم« الاقتصادية والنقدية الليبرالية والمستثمر والمضارب العالمي جورجش سوروس الذي اتهم مهاتير بانه بات يشكل تهديداً على بلاده. وجاءت الكلمات القاسية والتراشق بالاتهامات على خلفية الازمات المالية التي شهدتها اسواق جنوبي شرقي آسيا هذا الصيف والتي دفعت المصرف المركزي الماليزي الى التدخل ب2،17 مليار دولار للدفاع عن العملة الماليزية (الرينفت) وسط اتهامات لسوروس بتنفيذ رغبات الادارة الاميركية بضرب الاسواق الناشئة. واعتبر مهاتير ان بلاده ضحية سياسية تنحرها الدول الكبرى لإبقاء أسيا فقيرة وهي سياسة تعرف بسياسة »إفقار الجار«. وأكد ان ماليزيا ستتخذ »اجراءات فورية« في التعاملات بأسواق القطع وشدد في كلمته التي كان لها وقع مدو على ضرورة اجراء اصلاحات في دول منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ »آبيك« واعتبر ان الازمات النقدية تثبت ضعف هيكلية المؤسسات المالية والمصارف الآسيوية من جهة وتدني القدرات الاساسية لهذه المؤسسات من جهة اخرى. وقال مهاتير ان التعامل بالعملات »غير ضروري وغير منتج وغير اخلاقي« مؤكداً على سعيه الى منعه في ماليزيا وشدد، على مسامع رئيس المصرف الدولي جيمس ولفنسون على الحاجة الى المال فقط في اطار تحويل التجارة الخارجية. وفي انتقاد صريح لسياسات المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي قال مهاتير ان الاجراءات والسياسات التي تتبعها المؤسستان لا تنعكس ايجاباً على الدول المعنية ولهذه الاسباب فقد احجمت ماليزيا عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي. وقال: »لقد قالوا لنا انه يجب ان نسمح بمقايضة عملتنا خارج حدودنا وانه يجب ان نسمح للمضاربات ان تحدد اتجاهها«. وأضاف لقد اتبعنا نصائحهم الا انهم اكدوا لنا اننا لم نعمل بما فيه الكفاية«. وعلى الرغم من ان مهاتير لم يوجه انتقاداته لأسماء محددة الا ان موقف رئيس مجلس الوزراء الماليزي معروف في اتهامه سوروس بالمسؤولية عن التدني التي شهدته العملة الماليزية. وأكد مهاتير ايضاً ان لديه معلومات تفيد بان حجم المقايضة بالعملات فاق بنسبة عشرين في المئة حجم المقايضة بالسلع والتجارة الخارجية. مضيفاً ان العالم لا يجني ثمار هذا الكم الهائل من المعاملات وان المستثمرين يزدادون ثرورة فيما تتدنى نسب النمو في العالم. سوروس في المقابل، شن سوروس هجوماً شديداً على مهاتير ووصفه بأنه يشكل »تهديداً حقيقياً لبلاده« ومعتبراً ان هناك اتجاهاً في دول »النمور الآسيوية« لتضخيم النظم الشخصانية والنظم الاوليغارشية وتساءل عن المسؤولية عن الاستقرار في الاسواق المالية المحلية وقال ان ضمان هذا المعيار يرجع الى الدول المعنية التي »ان صلحت، تصلح الاسواق«. وشدد سوروس الذي تابع خطابه اكثر من الفي مشارك في مركز هونغ كونغ للمعارض، على ان اساس نجاح الاسواق المالية هو في شفافية المعلومات. اضاف ان »مهاتير يستخدمني كبش محرقة لتغطية فشله في ادارة بلاده. فهو يلعب امام جمهور محلي ولم يكن باستطاعته تسويق افكاره لو عرضت امام الصحافة العالمية« ورأى ان »حرية التعبير اساسية في آسيا كما هي اساسية في دول العالم اجمع«. وحدد سوروس خمسة محاور للنظر الى النظام الرأسمالي والعولمة وهي: توزيع الحصص في النظام الرأسمالي حيث الرسملة النقدية في موقع افضل من الرسملة البشرية. المحور الثاني هو ان الاسواق المالية بطبيعتها غير مستقرة وان الخوف من التقلبات ينبع من الجهل في علم الاسواق المالية وبالتالي فان فكرة الثبات في هذه الاسواق اصبحت بحاجة الى اعادة النظر. اما المحور الثالث فيقوم على ان الأحداث التي شهدتها اسواق شرقي آسيا تؤكد على وجوب اعتماد نظريات اقتصادية مالية جديدة، وان الدعوة التي اطلقها مهاتير غير صائبة لأن التدخل في تبادل العملات سيكون بمثابة انذار بكارثة حقيقية، لكنه اوضح انه لا يفضل ان تترك الاسواق لتجد توازنها بنفسها. والمحور الرابع هو ضرورة تطابق دور الدولة مع توقعات النمو الاقتصادي اما المحور الخامس فيعتبر ان النظرية الليبرالية قد رست على قواعد خاطئة وخاصة في اسواق القطع ولو كانت الاسواق يمكن ان تصلح نفسها بنفسها لما شهدت اي تقلبات. الوزير الأميركي الكلمة المهمة الثالثة كانت لوزير الخزانة الاميركية روبرت روبن الذي اشاد بالنموذج الاسيوي لنجاحه في جذب استثمارات مالية تفوق الألف مليار دولار في العقد الأخير ولكنه رد على طروحات مهاتير بالقول ان التعاملات النقدية »جزء اساسي« من الاقتصاد العالمي. ويمكن تلخيص الحدث في هونغ كونغ بمحاولة تحديد الحد الفاصل بين الرقابة وبين انفتاح الاسواق. واذا صحت »السيناريوهات« التي اعتمدها صندوق النقد والبنك الدولي فسيشهد العالم ارتفاعاً متوازياً في معدلات النمو اما اذا فشلت فالخطأ يقع على سياسات الاصلاح الهيكلية. الا ان هناك سيناريو ثالث ينتظر ان تحدده اجتماعات هونغ كونغ وهو سيناريو يجد ما يبرره في التساؤلات حول قدرة الحكومات على السيطرة على اسواق القطع او وقوعها ضحية الانفتاح الليبرالي والنقدي وهل يمكن اعتبار ان الاجراءات السياسية اصبحت الوحيدة التي يمكن ان تنقذ الدول من اي اهتزازات مالية او نقدية. وبالتالي ما هو دور السلطات النقدية وصانعي السياسات في مواجهة هذه التقلبات. اما السؤال البديهي فهو ماذا يمكن ان تتعلم الاسواق الناشئة ولا سيما اسواق الشرق الاوسط وبالتحديد الاسواق المالية اللبنانية من تجربة التقلبات التي تشهدها اسواق شرقي آسيا؟