As Safir Logo
المصدر:

مدخل الى الادب التركي مذاهب وتيارات وسياسة

المؤلف: اغري نزار التاريخ: 1997-09-19 رقم العدد:7800

شكّلت الترجمة من الآداب الأوروبية باباً للتعرف على آفاق الإبداع الأدبي الثقافي بمعناه الحديث والعصري خارج الأسوار التركية العثمانية. ومن طريق الترجمة، تعرف القارئ التركي على نمط جديد من الأدب، في القصة والرواية والشعر والمسرح، لم يعرفه من قبل. وساعد تطور الطباعة وانتشار الصحافة في تكوين جمهور كبير من قراء الأدب الغربي، وهكذا أصبح الطريق ممهدا لظهور أشكال حديثة من صنوف الإبداع في الآداب التركية. القصة والرواية يعتبر أحمد مدحت (1844 1912)، من دون منازع، مؤسس القصة في الأدب التركي. وظهرت أول مجموعة قصص له عام 1870. ومع أن غالب قصصه مقتبس من حكايات إيزوب وفينلون، ويغلب عليها الطابع الوعظي والخلاقي، إلا أنها تعد بمثابة الحجر الأساس في فن القص والسرد، في المعنى الحديث للكلمة، إلى حد ما. لكن هذه الخطوة ترسخت أكثر واكتسبت صفة أنضج من المنظور الشكلي والفني لدى الشاعر والكاتب الكبير نامق كمال (1840 1888) الذي يعتبر رائدا من رواد الابتكار والتجديد، قام بإرساء أسس الكثير من الأفكار الجديدة في مجالات القصة والشعر والمسرح. وقد تصدى لمنظومة الآراء السائدة واتجه الى انتقاد أساليب العيش والحكم، وعرف بنضاله ضد الفساد وطغيان الحكام، الأمر الذي عرضه للنفي والسجن أعواما طويلة. وغلب على أعماله النزوع إلى القيام بدور تبشيري وتنويري، ومحاولة تحريض الناس على التمرد على واقعهم. واتسمت شخصياته بالنمطية وتفرقت بين شخصيات إيجابية كليا أو سلبية كليا، بعيدا عن الغوص في أعماق الشخصية وإحاطة اضطرابها وتعقدها وتبدل أحوالها. وكان الشاعر عبد الحق حامد (1852 1937) سليل هذه النظرة وسار بدوره على طريق جعل الأدب، الشعر والقصة والمسرح، كاشفا لإنارة جنبات المجتمع المظلمة وسلاحا من أجل محاربة الظلم والجور والفساد. وبقي الأدباء الأتراك تحت تأثير مدرسة نامق كمال الأدبية، مسحورين بأسلوبه ورومانسيته، مع أن نجم الرومنسية كان قد أفل في الغرب، إلى أن ظهرت بوادر اتجاه مدرسة أقرب من الواقع وتنوعه وتعقيده وتشابك عناصره، وأمكن الحديث عن جيل من الأدباء الواقعيين كان في مقدمهم رجائي زاده الذي نشر عام 1896 رواية »غرام العربة« التي تروي، في سخرية، ظروف طبقات المجتمع الاجتماعية والاقتصادية. وتعتبر الرواية جرس وداع للرومانسية وتطلعا الى الواقعية التي قويت بظهور الروائي سامي باشا زاده الذي أصدر رواية »مغامرة« ويحكي فيها معاناة خادمات البيوت من خلال حكاية جارية باسم »دلبر«. ويغوص المؤلف أعمق في نفسية الشخصيات ويحلل علاقاتها ويسخر مما هو سائد من قيم تقوم على الاستغلال والظلم. أما الروائي نابي زاده باشا فكتب قصة »قره بيك«، عام 1891، التي تعتبر أنضج وأكثر موضوعية، وتظهر تأثر الكاتب بمفهوم الكتابة التسجيلية والطبيعية والابتعاد، ما أمكن، عن الانفعالات والهواجس والتركيز على سرد الأحداث والوقائع من دون الانغماس طويلا في التفاصيل النافلة. هؤلاء الكتاب ومجايلوهم مثلوا عهد »التنظيمات« التي كرست التغيرات العديدة، الدستورية والاجتماعية والثقافية في تركيا في عهد التنظيمات. واستمر أدب هذه المرحلة طويلا بعد انتهاء فترة التنظيمات تاريخيا من خلال إعلان الدستور الأول (برنجي مشروطيت) عام 1876. وشهدت الفترة الأخيرة من تلك المرحلة ظهور كاتب بارز هو حسين رحيمي (1864 1944) الذي شغف بمخاطبة جموع الناس، ومع هذا فقد حصر جهده في الفن القصصي وعمل على تطويره برصانة وغنى. كذلك ظهرت أول روائية تركية هي فاطمة عالية هانم (1862 1936) التي بدأت حياتها الأدبية بترجمة روايات فرنسية، وأصدرت رواية »المحجبات« عام 1892 التي حظيت بمكانة واهتمام كبيرين وترجمت إلى لغات عدة. »ثروت فنون« تعرف المدرسة التالية في تاريخ الأدب التركي باسم مدرسة »ثروت فنون« (1896 1901)، وهو اسم مجلة أدبية صدرت في اسطنبول من عام 1891 الى 1901. والتف حولها جمع من الأدباء والشبان تحت ريادة الأديب رجائي زاده والشاعر توفيق فكرت الذي رأس تحريرها عام 1896. وبرغم اطلاع أدباء »ثروت فنون« على التراث الشرقي، إلا أنهم أظهروا اهتماما كبيرا بالآداب الغربية ولا سيما الأدب الفرنسي. وقد ترك هؤلاء أثرا كبيرا في تطوير الأدب التركي وساعدوه في الاستفادة من أدوات التعبير السائدة في الفنون الغربية. وتميزت أعمالهم بالتمكن من التكنيك الفني، في القصة والشعر والرواية، والقدرة على استخدام جديد للغة والوصف والتصوير كجزء من بناء العمل الإبداعي من دون تكلف أو افتعال، والميل الى الحيوية والمرونة والتحليل وتكامل البنية الفنية. ولعل أشهر أدباء هذه الفترة وأقدرهم هو خالد ضيا (1861 1945). وعلى رغم أنه يثير موضوعات قديمة وذات سمة اجتماعية، مثل مسائل الظلم الاجتماعي واستخدام الجاريات والفساد، إلا أنه يتميز بتقديم موضوعاته في شكل فني لافت ومتطور، تكتمل فيه العناصر المختلفة للنتاج الإبداعي، وتستحوذ على مفاصل البناء الدرامي من خلال ترتيب محكم للأحداث، ورسم دقيق وحاذق للشخصيات، وتكثيف واقتصاد في سرد الأحداث، وابتعاد عن التكلف والانشائية والتصوير الفضفاض. ولكن ظهر فجأة تيار فكري وأدبي يدعو الى الوحدة الاسلامية، ونبذ فكرة التغريب والاتجاه صوب الآراء الطورانية التي تدعو الى الجمع بين الأقوام التركية المختلفة. ومثل هذا الاتجاه الشاعر محمد عاكف (1873 1936) الذي يعد من أشهر الشعراء الأتراك الإسلاميين في القرن العشرين وتأثر بآراء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وقام بنشاط سياسي وفكري في بعض البلاد العربية واستقر به المقام في مصر حيث توفي. في مقابل التيار الاسلامي، تعاظم التيار الآخر الداعي الى تمثل الحضارة الغربية، وظهرت أسماء كبيرة وأقلام مهمة تروّج لهذا، من أمثال جلال نوري وعبد الله جودت. ويمزج الكاتب عمر سيف الدين (1884 1920) بين أكثر من ميل واتجاه في حذق ومهارة. ونلمح في أعماله تأثرا واضحا بالكتاب الفرنسيين عموما وموباسان على وجه الخصوص. أما رفيق خالد (1888 1980) فهو رائد ما عرف باسم »قصص الوطن« Memleket Hikayleri إذ يتخذ من الفلاح الأناضولي والمجتمع الريفي المحلي مادة لقصصه وكتاباته. كذلك تناول مواضيع العلاقات السائدة بين أرباب العمل والشغيلة، في أسلوب مبتكر ودقيق يتسم بالبساطة والسلالة والعذوبة. الأديبة التركية الشهيرة خالدة أديب (1884 1964) دخلت عالم الكتابة والأدب، متسلحة بثقافة عالية وحس فني مرهف، وتميزت كتاباتها بتحليل نفسي دقيق لمشاعر المرأة، ووصف متقن لقضايا النساء في المجتمع التركي. وتعتمد كثيرا أسلوب التسجيل والرصد النابع من المعايشة الآنية للأحداث والوقائع. وبدأ الروائي الكبير يعقوب قدري، الذي ولد في القاهرة عام 1889، حياته الأدبية تحت مدرسة »ثروت فنون«، لكنه سرعان ما خط طريقا خاصا وانغمس أكثر في تلافيف النسيج الفني والإبداعي للكتابة واتخذ لنفسه شعار الفن للفن. وركز في كتاباته على عالم الحرملك والجواري والعلاقات الغامضة في القصور المترفة في مصر، حيث نجد وصفا غنيا للحياة في مجتمع القاهرة من خلال أسلوب فني يعتمد الدقة والرصانة. أما الكاتب رشاد نوري (1889 1956) فتميز أسلوبه بالسهولة والبساطة والبُعد عن الزخارف اللفظية والتعقيدات اللغوية واعتماد الحوار والدينامية. وتأثر القاص محمود شوكت (1883 1952) بالكاتب الروسي أنطوان تشيخوف، من حيث البناء القصصي والتكنيك ورسم الشخصية، في حين برز تأثير دستويفسكي، على القاص صمد آغا أوغلي الذي درس في ستراسبورغ (1931 1932)، وتنحو قصصه منحى التحليل النفسي والاستبطان والمونولوغ ويشكل الموت موضوعا أساسيا لديه. يعتبر سعيد فايق (1906 1954) أبرز كتّاب القصة القصيرة التركية في القرن العشرين. وهو خطا بها خطوات كبيرة الى الأمام وأوصلها الى ذرى الاكتمال والنضج والتألق. لا يبالي كثيرا بمضمون القصة وأحداثها، قدر اهتمامه بشكلها وقوامها. ويختار المواقف واللحظات التي يمزج فيها بين الانجذاب الى الحدث والتعبير الشعري الجميل، ويخلط المستويات الذهنية والنفسية، ويؤلف بين الواقع والأحلام والرؤى. ويستمد سعيد فايق غالب شخصياته من مدينته اسطنبول، حيث يلقي الضوء على مختلف صنوف الناس، السائرين في الشارع، الباعة والتجار والصيادين والمتسكعين والغجر. ولعل الكاتب عزيز نسين، الساخر والاشتراكي النزعة (1915 1996) هو أكثر الأدباء الترك شعبية. إن روحه التهكمية وتألق أسلوبه وتنوّع نتاجه وغزارة أعماله، جعلته أكثر رواجا وانتشارا من غيره. وهو يتطرق في كتاباته الى الأحداث والقضايا والشجون اليومية، مركزا على تناقضات المجتمع التركي وتطلعات الناس وأحلامهم وإخفاقاتهم في صورة ساخرة وفكاهية. إنه من الكتاب الملتزمين، في معنى ما، قضايا الناس وهمومهم، مع قدرة على نقل ذلك في صورة فنية وأدبية راقية، بعيدا عن السطحية والمباشرة. يشكل أورهان كمال (1914 1970)، الى جانب فقير بايقورت (1929 ...) وياشار كمال (1922 ...) الحلقة الثلاثية المتينة في عالم القصة والرواية التركية المعاصرة والراهنة. وإذا أضفنا الى هؤلاء كمال طاهر (1910 ...)، نكون قد اخترنا أكثر الكتاب الأتراك مكانة وحظوة وأكفأهم في جعل الأدب التركي يمثل مكانة مرموقة في الأدب العالمي المعاصر. وربما ليست محض مصادفة أن يكون هؤلاء الأربعة قد انخرطوا في الشأن الاجتماعي والسياسي العام من خلال التزام جانب الناس العاديين والمسحوقين والانتصار لطموحاتهم ونقل ذلك، كل في أسلوبه وطريقته، الى عالم الأدب والفن، في دراية وانشداد الى صفات الدهشة والترقب ومعايير الكمال الفني، وعلى قدر كبير من المهارة في الوصف البانورامي، الملون لجوانب الحياة. والروائيان أورهان باموك ونديم غورسيل يسيران الآن على خطى هؤلاء وإن كان لكل منهما فرادته وعالمه الإبداعي. هما يحاولان التقاط أكثر الجوانب خفة وروعة في حياة الأفراد المرميين في هذا العالم الشاسع، بدءا بمدينة اسطنبول (ولدا فيها في عمر متقارب، نديم 1951، باموك 1952)، وانتهاءً برحابة العالم وأفقه الذي يمتد إلى اللانهاية. الشعر التركي يبدو لأي باحث في الشعر التركي كما لو أن هناك خطاً تاريخياً فاصلاً، غير منظور، يقسم الشعر التركي شطرين: شعر ما قبل الجمهورية، أي ما يمكن تسميته بالكلاسيكي. وهو ما راح النقاد الأتراك يسمونه الشعر العثماني، أو في غالب الأحيان، شعر »الديوان« أو »السراي«. والشعر الذي بدأ مع انبثاق الجمهورية، على يد أتاتورك، وهو شعر يقع ضمن دائرة التغيير الجذري الذي شمل مختلف جوانب الحياة التركية، بما فيها الأدب واللغة والأبجدية الكتابية. وإذا كان الشعر العثماني، أو الأدب العثماني عموما، يتقاسم المواضيع الشرقية الاسلامية العامة كالأخلاق والفضيلة وحالات العشق الصوفي وكذلك البطولات والأمجاد والحروب ومواقف الاعتزاز، فإن الشعر الجمهوري طرق أبوابا جديدة على صعيد المضمون ولبس أثوابا جديدة على صعيد الشكل. إن الاصلاحات الهائلة التي قام بها أتاتورك فتحت الباب واسعا أمام الشعر التركي ودفعته الى ميادين جديدة لم يكن طرقها من ذي قبل. ومع الاصلاحات الكمالية ونزعة الغربنة Westernization اشرأبت أعناق الشعراء الأتراك نحو الغرب وراحت آذانهم تسمع أصواتاً جديدة في الإبداع الشعري. وهذه الأصوات كانت تحمل في ثناياها لغة ومفردات وآراء جديدة. وفي الوقت نفسه كانت هناك تقنيات وأشكال جديدة للمعالجة الفنية والإبداعية. لقد تشكلت أبنية ودلالات جديدة قطعت، إلى حد ما، الجذور التي تشد جسد الإبداع التركي الى قرون طويلة من التراث الإسلامي، العربي والفارسي، وهيّأت مساحة جديدة لحركة الحداثة الأدبية الميسومة بالميسم الغربي الحديث. لقد تحقق ما يمكن تسميته بنوع من الانخراط في صفوف العقلانية والعلمانية والحداثة التجريبية. وعلى سطح هذا الانتقال تسربت مفاهيم الاشتراكية والثورة والتغيير الاجتماعي وتكوين مجتمع جديد. لقد تقبل الشعراء الأتراك كل ذلك باندفاع وعفوية، ولم يشعر سوى قلة منهم بالاضطراب وعقدة التقليد أو النقص. ناظم حكمت ليس ناظم حكمت شاعرا تركيا من طراز رفيع وحسب، بل إنه يشكل مفصلا تاريخيا في مسيرة الشعر التركي. إنه علاقة. رمز انتقال من مرحلة الى أخرى. وهو الحد الذي يفصل بين الشعر العثماني والشعر الجمهوري (أو عموما الشعر التركي). كان في العشرين من عمره حين قامت الجمهورية. وقد عاش مخاض ولادتها كما عايش أحداث الحرب العالمية الأولى والثورة الشيوعية في روسيا. لقد نظر الى كل هذا بعيني شاب مقبل على الحياة. وكما لو أنه جسّد في شخصه كل تشابك المرحلة وتعقيدها والانتقال الدراماتيكي والسريع من حال الى حال. هو الذي ولد في سالونيك اليونانية عام 1902 لأسرة ثرية ذات ثقافة عالية في الحضارتين الشرقية والغربية. وسرعان ما حدد خياراته على أساس مبتكر وأصيل فانتقل، هو ابن الباشوات، الى صفوف الجيل الصاخب من الشيوعيين الداعين الى محو طبقة الباشوات والأغنياء وإلغاء امتيازاتهم ووضع الأمور بين أيدي الفقراء. ناظم حكمت الثوري المتمرد في واقعه المعيش دفع معه ناظم حكمت الشاعر المتحفز الباحث عن نبرة جديدة لقوله الشعري. وكما طلب إليه القدر أن يرسم بشخصه طريقة الانسلاخ الطبقي وانتقال المرء من أحضان أسرة سرية دافئة الى الدروب المقفرة والموحشة والباردة التي يعج فيها العمال والفقراء، كذلك طلب إليه، القدر ذاته، أن يعيّن آلية الانتقال من الإيقاع الكلاسيكي، التقليدي في الشعر التركي إلى إيقاع جديد، مجدد، ديناميكي. إنه أول من كتب قصيدة حرة في تاريخ الشعر التركي بعنوان »حدقات الجائعين« ونشرها عام 1921. والى جانب الشعر الحر والقول الجديد المبتكر أدخل ناظم حكمت أغراضا جديدة وهيّأ مقولات ثورية، في المضمون والصيغة، شكلت ما يشبه الصدمة. لهذا لم تستقبل الأوساط الأدبية المهيمنة بابتكاراته وأساليبه التجديدية بعين الرضى. لقد شرّع ناظم حكمت أبواب إبداعه للانفتاح على الحداثة الأوروبية. كان يقرأ بودلير منذ الصغر وكان يتابع التيارات الفنية والشعرية بجميع أشكالها كالمستقبلية والسوريالية. كان قد اكتشف مايا كوفسكي حين دخل السجن والتقى بالفلاحين والمظلومين. عندئذ أعاد صياغة نتاجه الشعري والأدبي بروح جديدة. لقد رجع الى الروح الغنائية الشعبية ولكن بعد أن أضاف إليها أثوابا جديدة فطوّرها وأقامها على مسند الحداثة. مزج التراث الشرقي التركي مع الحداثة مزجا مبدعا. لم يتقوقع على المحلية كما أنه لم يسبح في فضاء سرمدي. وإذا كانت قصائده النضالية، »المقاتلة« بدأت تشحب وتذبل أوراقها مع الزمن إلا أن جذور الانشغال الابداعي الأصيل ما زالت يانعة تماما. ولكن إذا كان ناظم حكمت فعل ما فعله فهو لم يكن وحيد عصره ومكانه. وإذا كان في مقدورنا القول ان شعراء كثيرين، وكباراً، خرجوا من معطف ناظم حكمت الشعري أو شبوا على أطراف ذلك المعطف إلا أن من الإنصاف القول إن هؤلاء كانوا قامات مستقلة وهامات سامقة بدورها. إن أسماء مثل آساف شلبي (1907 1958) وجهيت ترانج (1910 1956) وفاضل داغلرجه، الذي ولد في لحظة اندلاع الحرب العالمية الأولى، وجهيد أورغات (1916 1971) وأنور غوكجه المولود عام 1916، هؤلاء الشعراء الكبار الذين دقوا باب الحياة ذاتها التي كان ناظم حكمت يتهيأ لفتحه، عملوا معا على إيقاد شعلة جديدة على ذرى الشعر التركي المعاصر. أصوات قوية ومبدعة اجتمعت على همّ القول الجميل وهاجس تنقية حديقة البشرية وجعلها أكثر بهاءً. وقد تناولوا معا، كل بنبضه الخاص وإيقاعه المتفرد، مسائل التوق الجماعي الى الانعتاق من صنوف الأصفاد التي تثقل الأجساد والأرواح. وقد جعلت الموهبة والنزوع الانساني من أشعارهم بمثابة ضفائر لامعة من ضوء الشمس. وربما كان هذا الميل الى لعب دور »المنقذ« من الآلام و»المرشد« الى طريق أكثر وضوحا نحو الحرية، هو الذي جعل من هؤلاء الشعراء كما لو أنهم جنود في خندق المعاداة للسلطات ومؤسسات القمع على أنواعها. فدخلوا السجون ولاقوا التعذيب وأبعدوا الى مناطق نائية. أما قصائدهم فقد تمكنت من أن تتخطاهم وتصل إلى من يتداولها سراً ويرددها علناً. يكتب فاضل داغلرجه في إحدى قصائده: يقولون: المعركة تكسب بالسلاح ليس صحيحاً المعركة تكسب فقط بالإنسان يقولون: لا نار، لا دخان ليس صحيحاً في الشعاب الجبلية نار. ولكن مسيرة الشعر التركي لا تتوقف عند هؤلاء ولا تقفل أبوابها بخواتيمهم، فشعراء كبار آخرون يأتون ليفتحوا أبواباً جديدة على آفاق أكثر غنى ويطوّروا أساليب القول والقصيدة وكذلك أغراضها. لقد انبثق ما يمكن تسميته ب»الموجة الجديدة« في الشعر التركي بعد الحرب العالمية الثانية. هذه الموجة ضمت شعراء أكثر التصاقا بالإنسان الفرد، الواحد، ومشاغله وقلقه وأحلامه وأحزانه. لم يعد محبذاً حمل لواء »النضال« في ساحات عامة تتدافع فيها الجماعات وتسعى لاهثة إلى إزاحة بعضها بعضاً. لقد بات الشاعر أشد ميلا الى الالتفات الى قاع روحه المتهالكة تحت أسئلة الوجود والحيرة والخوف وترقب الموت. وفي الوقت نفسه أصبح هذا الشاعر أكثر انشغالا بجسد القصيدة وقامتها، أي بالشكل الذي تنهض فيه. هذه المرحلة الابداعية شهدت ظهور شعراء مثل جنكيز بكتاش، المولود عام 1934 الذي اتسم شعره بالتجريدية والإيقاع الموسيقي، وكمال أوزر، المولود عام 1935 الذي انصب اهتمامه على خلق أشكال جديدة للقصيدة وتشييد بناء عمراني مبتكر للقول الشعري. أما عبد القادر بولوت، المولود عام 1943 فقد أصبح واحدا من ممثلي الموجة الثورية في القصيدة التركية المعاصرة. تنبغي الاشارة هنا إلى أشعار أوزدمير اينجه المولود عام 1936 والذي مزج الهمّ الفردي بالانشغال الجماعي، وأتاؤول بهرام أوغلو، المولود عام 1942 والذي كتب لمعاني الأخوة والتفاهم والفرح الانساني العام بعيدا عن الكراهية والعداوة والأحقاد. أما ياشار ميراتش، المولود عام 1953 فقد فضل مواصلة الغناء للمضطهدين والمغبونين. لعل الصوت الشعري التركي، الأكثر دفئا وحنانا، ولكن أيضا حزنا وقلقا، هو ذلك الذي يمثله الشاعر أحمد عارف (1925 1996). هذا الشاعر الكبير والرصين، الذي يضعه الكثير من النقاد جنبا الى جنب ناظم حكمت. لقد كتب كما لو أنه يمخر في عباب البحر. وقف في ساحة الشعر والقلق الانساني معا رافضا، ولكن بصمت، كل أشكال البشاعة التي يأتيها الناس: حكاما ومحكومين. مجموعته الوحيدة ذات العنوان الغريب: Hasretinden Pranglar Eskittim (جعلت القيود تشيخ من حسرتي عليك)، أصبحت بمثابة »خبز يومي« يتناوله الناس. إن أحمد عارف يمثل، الآن أيضا، بعد أن توفي في العام الماضي، رمزا من رموز الشعر التركي. ربما لأنه يكثف أقصى حالات الخوف والأمل وأشد الرغبات المتناحرة: الغضب والتسامح. هو كذلك ربما لأنه، مثل قرينه في الرواية التركية ياشار كمال، من أصل كردي، والأكراد في تركيا هم آباء الألم والأمل معاً.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة