As Safir Logo
المصدر:

فيرجينيا وولف باتجاه المنارة او الرواية رسما متواصلا(صورة)

المؤلف: ابو زيد انطوان التاريخ: 1997-09-19 رقم العدد:7800

إننا، إذ نعاود الحديث عن نتاج »فيرجينيا وولف« نقصد إلى إلقاء نظرة أعمق مما سبق تداوله على ما نأمل في نتاج معاصر، أبعد أثرا في أنماط الكتابة الروائية. وقبل أن أباشر في تفصيل مضمون رواية »باتجاه المنارة«(*) لمناسبة صدور طبعتها الثانية بترجمتها الجديدة الى الفرنسية (فرنسواز بيلان)، أرى لزاماً أن أعرِّف بمجمل نتاج الكاتبة، وأهم ملامح كتابتها الروائية. لعل أهم ما يميّز الكاتبة »وولف«، كونها عاصرت تحولات كبرى، على صعيد الفن الروائي والفنون والحياة العصرية. وقد تكون أعظم هذه التحولات، شيوع دراسات »سيغموند فرويد« عالِم النفس، وشمول تأثيره ميدان الأدباء والمثقفين بصورة خاصة، وانطباع الكاتبة بنزعة التحرر النسوية التي انخرطت تحت لوائها، في ما كتبت وعاشت. بيد أن أهم تحول كان له بعيد الأثر، بنظرنا، في نفس الكاتبة، إنما كان اندغام الفنون، بعضها ببعض، وسعي الروائيين الى استدخال فن من هذه الفنون وسط صنيعهم الروائي، بصورة من الصور. ولئن كانت الروائية فيرجينيا وولف ذات نزعة أدبية محافظة، في بداية عهدها بالكتابة إذ ردّت مخطوطة »عوليس« لجايمس جويس بداعي أنه نص أطول من المألوف، حين كانت لا تزال مشرفة على دار هوغارث فإنها ما برحت تشق سبلها الخاصة حتى انتهت الى بناء عالم روائي وابتداع لغة قصصية ينتميان إليها وحدها، وعنيت بهما ذلك المناخ النفساني الجواني الذي تتأرجح فيه الشخصيات بين قطبي الحيوية النسبية والمرارة الوجودية المطلقة، وتلك اللغة الروائية التي تسعى بها للنفاذ، من إيماء الشخصية ونأمتها وسكناتها وكلامها القليل، إلى أعماقها غير المدركة (اللاوعية)، في نوع من التشخيص الدقيق لما يعتري الشخصية النموذجية من انفعالات وما تتخذه من مواقف، والاحتمالات الممكنة التي يتوقعها النقاد والقراء منها. لغة الرسام تتميز رواية »باتجاه المنارة« بكونها ثمرة مخاض عسير أوردت تفاصيله في يومياتها السالف ذكرها. على أن انهمام الكاتبة بوجهة النظر التي ينبغي أن تطل منها على شخصيات الكتاب (السيد والسيدة رامساي، والآنسة ليلي بريسكُوْ، وأبناء الثنائي العتيد، جايمس وكام ونانسي وغيرهم) يرتدي أهمية كبرى، ذلك أن تقنية تبديل وجهات النظر في الرواية، أي جعل الراوي أو الشخصية الرئيسة في الفصل الواحد دون الرواية متكفلاً النظر الى الأشخاص الآخرين غيره والأمكنة ومدليا برأيه نيابة عن المؤلف في الأزمنة والمشاعر والأحداث الجارية، من زاويته المخصوصة، أي من حيث انتهى إليه بنيان شخصيته، على حد ما رسمته المؤلفة. والحال أن فيرجينيا وولف كانت قصدت، في مراحل كتابتها للرواية »باتجاه المنارة«، الى مواراة دورها في الصياغة، بأن أوكلت الى الرسامة »ليلي بريسكو«، وهي شخصية يتعاظم دورها باطّراد في الرواية، مهمة رسم الشخصيتين المحوريتين وهما السيد والسيدة رامساي، رسماً دقيقاً وأميناً، بحيث يراعى كل تفصيل لازم لإتمام هذا الرسم، ويهمل أو يخدَّر كل ملمح نافل. فإذا اللغة الروائية، بقلم »فيرجينيا وولف«، وقد تقمصت جلد الرسامة »ليلي بريسكو«، تتماهى بلغة الرسم الانطباعي، فتكتسب منها إواليات عزيزة، من مثل تعيين الاطار المكاني الداخلي بدقة، وإبراز أهم ما في الديكور مع توشيحاته اللونية، ومعاينة الشخصية المنوي رسمها في مختلف توضعاتها، واختيار التوضع الأنسب للرسم الجاري إعداده، وتوقيع الرسم بحيث ينتقل فيه الرسام ههنا بالكلمات من طلاء الأساس أو المناخ اللوني إلى التمهيد للرسم بإجراء نوع من التخطيط الرسمي، يلي ملء المشاهد والتحريف فيها أو زيادتها حتى تكتمل كل عناصر اللوحة، إذ يدرك الرسام أنه بلغ حد الاشباع. أوليست هذه تقنية الكاتبة فيرجينيا وولف الروائية: »نظرتْ إلى لوحتها، كانت ضبابية، وجعلت ترسم خطاً، بحيوية مفاجئة، وكأنها لمحته بجلاء هنيهة، فاختارت أن يكون هنا، في الوسط. وتمّ لها ما أرادت؛ وكان أن بلغ ذلك تمامه. نعم، قالت في سرها، وهي تلقي بريشتها متباطئة وقد اعتراها تعب شديد، »لقد أدركتُ رؤيتي«. (ص: 309). غير أن استعارة الروائية لتقنية رسم الشخصيات من فن الرسم لا تعني البتة قصر اللغة الروائية على وصف الملامح وصفا باردا، ولا يجوز أن تحمل على الاعتقاد بأن النوع الأدبي الروائي إنما يسهل محوه في نوع فني آخر، بل الأحرى أن في هذه الاستعارة إثراءً للنوع وتوسيعاً لآفاق الكتابة الروائية، التي تنطوي على أبعاد ودلالات حركية ونفسانية وزمنية يعجز فن الرسم عن الإحاطة بها أو إبرازها. ومهما يكن من أمر هاتين، المقارنة والاستعارة، فإن رواية »باتجاه المنارة«، تبسط، في فصولها الثلاثة، مصير الشخصيات ذات الصلة »بآل رامساي«، في حقبات ثلاث (قبل الحرب العالمية الأولى، أثناء الحرب، بعد الحرب) وتعرض لمسارهم النفسي والحركي، في عزمهم الهاجسي على زيارة المنارة التي تقع في مدى المد والجزر من منزلهم، حيال البحر. تستهل »وولف« الفصل الأول، الذي جعلت له عنوان »النافذة«، بإبراز السيدة »رامساي« وهي تعد ابنها جايمس، من أصل أبنائها الثمانية، بأن تمضي به الى المنارة إن كان الطقس صافيا. وتروح الروائية، إذ توقع الحوارات عن الطقس بين السيدة والسيد رامساي، تنفذ إلى قرارة الشخصية الأساسية في الفصل، وعنيت بها السيدة رامساي، التي تروح تتولى النفاذ، عن الكاتبة، إلى بواطن الشخصيات الأخرى الحاضرة أمامها، وهي الى نافذتها: من مثل السيد »رامساي« وتانسلاي، ونانسي وإلسي وليلي وبانكس. وكان كل منهم قد أدلى برأيه، مؤيدا أو معارضا للرحلة البحرية الى المنارة. وإذا كل شخصية من هؤلاء يصدر صاحبها عن هاجس تتميز بتميز تكوينها بالرحلة الى المنارة، وهو (أي الهاجس) يعادل، برأينا، الحافز الدرامي الأهم، إذ يصح ان تتكوكب كل الأحداث والحركات والأزمنة المتعاقبة والديكورات الداخلية والخارجية على السواء. وفي الفصل الثاني، وعنوانه »الزمن يمر«، تروي الكاتبة، على لسان الخادمتين، »مسز ماك ناب« و»مسز باست«، مصائر أشخاص المنزل الذي بات فارغا منهم، والزمن هو زمن الحرب العالمية الأولى، وقد حصدت اثنين من هؤلاء وهما »أندرو«، وبرو رامساي. وفي الفصل الثالث »المنارة« تعاود المنزل الحياة، بعد أن رمت الحرب أوزارها، وعاد مَن بقي من آل رامساي إليه يحتل كل منهم زاوية يطل منها على محط نزوعه، الكامن في ذلك المد البحري، حيث المنارة، فيستهل الفصل الأخير بأخذ »ليلي بريسكو« الرسامة زمام الكلام والوصف والقص، فتروح تستجمع أفكارها حول آل رامساي، ولا سيما بعد موت السيدة رامساي، فردا فردا. ويمضي سيل الانطباعات والتعليقات يغزو نسيج الكلام الدائر حول المشاهد، خارج المنزل، وفي صلتها بالمنارة الموصوفة. وكأن هذه الأخيرة الحجة الكبرى التي من أجلها يسوّغ للراوية والروائية من خلالها أن تميط اللثام عن أعمق الخصال وأشدها هشاشة لدى شخصية الفصل الرئيسة، وقصدت بها السيد »رامساي«، وقد جعلتها تحتل مقدم المشاهد الروائية، على غرار ما يقوم به الرسام إذ يفرد للشخص، موضوع رسمه الحيز الأكبر، في حين يترك للشخوص الآخرين أن يتوضعوا في خلفية اللوحة وأبعادها. حسب أن الرهافة البالغة حد الكبت، وسطوة الغياب والانكسار، والآمال التي تكاد تلوح في الأفق (المنارة) وسط ضباب الموت والحروب والزمن، والانهماك بتدوين اللحظة الممحوة بمد اللحظة الآتية، انها الشواغل الانفعالية الكبرى (الجوهرية لوولف) التي يحسن بشخوص الرواية ان يرتقوا بها الى مرقى الحياة الكاملة (أي النموذجية) فتتآخى الحياة الواقعية وما بعدها (الأدبية) بريشة للسرد والوصف كأنها من الرسم. أو قل إن ذاك الأدب وحده هو الحياة الممكنة والأعظم رسوخا من أصله. عبرة أكيدة نخرج بها من رواية »باتجاه المنارة« لفرجينيا وولف من عبر كثيرة وهي أن الأدب وحده قادر على محاكاة الفنون، باقتباس وجهة نظرها وأدواتها الى موضوعه، وأن لغة الأديب قادرة وحدها على إثراء الفنون بأبعادها الإنسانية الأعمق والعصية على التهميش، على حد ما قال »ميلان كونديرا« وفعل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة