جهدت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت أمس، في إقناع دول مجلس التعاون الخليجي بالمشاركة في مؤمر الدوحة الاقتصادي، فلم تحقق اختراقا يذكر مع تمسك خمس من هذه الدول الست بشرط إحراز تقدم في عملية السلام وحصول تغيير في سياسة إسرائيل الراهنة، لحضور هذا المؤتمر الذي أصرت قطر على عقده في موعده (بين 16 و18 تشرين الثاني المقبل). وفاجأت أولبرايت نظراءها الخليجيين الذين التقتهم في مدينة ابها السعودية بدعوتهم في ما يرقي الى اتهام الى وقف الدعم المالي الى »حركة المقاومة الاسلامية« (حماس) الفلسطينية، وهو ما نفاه الوزير السعودي سعود الفيصل فاضطر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جيمس روبن الى القول: »اننا نعتقد ان دول الخليج لا تدعم حماس بأموال رسميا. وهذا لا يعني تحويلات من اشخاص داخل بلدان الخليج«. وفي زيارتها الاولى للسعودية ولقائها الخليجي الاول، استحضرت اولبرايت ايران والعراق في محادثاتهما في ما بدا احياء لسياسة »الاحتواء المزدوج«، معتبرة انه »لا يمكن التعويل« على الأمل بتغيير ايجابي في ايران، ومشيرة الى انه »لا يمكن لاحد ان يستخف باستخدام القوة« في رسالة الى العراق وجهتها من قاعدة الامير سلطان الجوية. وكان الملفت للنظر ان اولبرايت، التي لقيت اعجابا من المسؤولين السعوديين لاسلوبها »الصريح والشجاع«، تطرقت خلال لقائها بالوزراء الخليجيين الى قضية شائكة في هذه المنطقة: دور المرأة، قائلة: »امل في مناقشاتنا المستقبلية في نيويورك (الامم المتحدة).. بأن نستطيع الكلام حول دور النساء في مجتمعاتكم وحول العالم«. وحثت اولبرايت وزراء خارجية كل من السعودية والكويت والامارات العربية والبحرين وعمان وقطر، على حضور مؤتمر الدوحة. وقالت ان هذا الحضور ليس تنازلا لمصلحة اسرائيل بل »دعامة حيوية لامكانات السلام على المدى البعيد.. وسيبعث رسالة الى معارضي السلام بأنهم لا يستطيعون املاء سياسة او اعاقة التقدم نحو منطقة يتقاسم الجميع فيها فوائد استقرار اكبر وازدهار متزايد«. واكدت ان الولايات المتحدة »تراقب الاحداث في طهران« بعد انتخاب الرئيس الايراني الجديد محمد خاتمي في »تطور ملفت وربما يبعث على الامل« اذ »اظهر رغبة الشعب الايراني بالتغيير«. وقالت: »لكن الامر الذي ما زال غير واضح فهو ما اذا كان التغيير سيحدث والى اي مدى«. اضافت »على الرغم من اننا نأمل بتغير ايجابي في ايران فاننا لا يمكن ان نعول عليه«. ورأت انه »في انتظار تحقق هذا الامل ينبغي ان نظل متحدين وندعم بصفة خاصة الامارات والبحرين في مواجهة التهديد الايراني«. وجددت اولبرايت التزام بلادها مواصلة حماية دول مجلس التعاون من العراق. وقالت ان رئيسها بيل كلينتون يولي »أهمية قصوى للعلاقات الاميركية الخليجية، لأن »للولايات المتحدة مصالح اساسية مشتركة مع الدول الخليجية ومع العديد من الدول العربية الاخرى. لهذا فاننا جميعا نريد ان تعيش شعوبنا في سلام بعيدا عن التهديد بالحرب«. وحملت الدول العربية مسؤولية في »العمل ضد اعداء السلام«. وقالت: »عليكم بذل جهودكم للتأكد من انه لن تصل مساعدة من أي نوع الى مرتكبي اعمال العنف مثل حماس«. واشارت اولبرايت مجددا الى ضرورة »ان تبذل السلطة الفلسطينية كل ما في وسعها لمكافحة الارهاب ومعاقبة الارهابيين« كما يتعين على اسرائيل »الامتناع عن اتخاذ اجراءات فردية« من شأنها نسف ثقة الفلسطينيين في اتفاقات اوسلو للحكم الذاتي. ودعت دول مجلس التعاون الى تقديم مساعدة »سخية« للسلطة الفلسطينية تعويضا عن الحصار الذي تفرضه اسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة. وشددت على ضرورة قيام دول مجلس التعاون بالمزيد من اجل »رفع الحواجز القائمة بين مجتمعاتكم وبين اسرائيل« في اشارة الى التطبيع السياسي والاقتصادي الذي بدا بين هذه الدول واسرائيل وتوقف منذ شهور عدة. وكشف مسؤول خليجي ان وزراء خمس دول خليجية »ابغلوا الوزيرة الاميركية ان حضور مؤتمر الدوحة مرتبط بتحقيق تقدم في عملية السلام وحصول تغيير في سياسة اسرائيل الراهنة«. واكد وزير الخارجية القطرية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، في ابها امس »اننا في قطر دولة مضيفة للمؤتمر وملتزمون استضافة المؤتمر في موعده«. وقال: »مؤتمر الدوحة تعهد دولي وامر عقده والغائه يقره راعيا عملية السلام (الولايات المتحدة وروسيا) والدول التي اتفقت على عقد مؤتمرات كهذه«. اضاف الوزير القطري: »اعتقد انه ليس من الحكمة الربط بين عقد مؤتمر الدوحة وعملية السلام«. ويقول دبلوماسيون عرب ان مسألة المشاركة في المؤتمر او مقاطعته لم تحسم بعد. وبعد اللقاء مع اولبرايت واصل الوزراء الخليجيون اجتماعاتهم العادية التي تستمر حتى اليوم الاثنين والتي يحتل موضوع مؤتمر الدوحة مكانا بارزا فيها. ومن غير المرجح ان تصدر دول الخليج موقفا رسميا بشأن المؤتمر قبل اجتماع المجلس الوزاري للجامعة العربية المقرر عقده في 20 ايلول الحالي في القاهرة. وقد اعلن وزير الدولة العمانية للشؤون الخارجية يوسف بن علوي بن عبدالله »ان الموقف في هذا الشأن سيتم البحث فيه خلال الاجتماع المقبل لوزراء الخارجية العرب السبت المقبل في القاهرة«. وفي مؤتمر صحافي مشترك مع اولبرايت، رد الوزير السعودي على مطالبة دول الخليج بإلحاح ب »الامتناع عن تقديم اي مساعدة« لحركة »حماس«، بالقول: »اننا نقدم الدعم فقط للسلطة الوطنية الفلسطينية من اجل مساعدة الشعب الفلسطيني«. وعن جولة اولبرايت الاولى في المنطقة، قال الفيصل: »اننا نرى في زيارة اولبرايت الى المنطقة عاملا مشجعا للخروج من المأزق الراهن، ونقدر جهودها المتواصلة مع اطراف عملية السلام لمساعدتها في التغلب على مصاعب هذه المرحلة، ومع تقديرنا لكل ما بذلته حتى الآن لايقاف التدهور الحاصل الا اننا نأمل بأن تتبع هذه الزيارة وتلك الجهود خطوات اخرى من اجل اعادة قطار السلام الى مساره الصحيح«. ورحب الفيصل بتأكيد اولبرايت على قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ الأرض مقابل السلام، وعدم جواز اتخاذ اجراءات احادية الجانب من شأنها الاضرار بالمرحلة النهائية للمفاوضات، واعتبر ان هذه الاشارات تشكل منطلقا جيدا لوضع الامور في نصابها وبالتالي تحريك العملية السلمية وفق اسسها ومبادئها ومنطلقاتها. وفي حديث صحافي ينشر اليوم قال الفيصل ان اولبرايت »وان لم تكن قد حققت انفراجات رئيسية في تحريك عملية السلام الا انها استطاعت ان توقف التدهور والانهيار الحاصل في هذه العملية«. واكد انه طالما استمر الموقف الاسرائيلي على تعنته.. فإنه لم يتغير شيء يدفع الدول العربية الى تغيير موقفها من عدم المشاركة في المفاوضات المتعددة والمؤتمر الاقتصادي« وقال: اعتقد ان المهم ليس هذه المؤتمرات الاقتصادية، او المفاوضات متعددة الاطراف، بل التركيز على مسار عملية السلام«. في قاعدة سلطان الجوية وانتقلت اولبرايت من ابها، المنتجع الجبلي في جنوبي غربي السعودية الى قاعدة الامير سلطان الجوية، وسط الصحراء على بعد تسعين كيلومترا من الرياض، لتفقد القوات الاميركية التي نقلت الى هذه القاعدة اثر انفجار الخبر، في 25 حزيران 1996، الذي اسفر عن مقتل 19 جنديا اميركيا. وقالت اولبرايت في لقاء مع اربعمئة جندي اميركي في خيمة مكيفة الهواء: »انتم الانياب التي تبقيه (في اشارة الى الرئيس العراقي صدام حسين) ملتزما. وعند الاختبار فإنكم تعضون«. واكدت انه »لا يمكن لاحد ان يستخف باستخدام القوة«. اضافت ان صدام حسين ما زال يشكل تهديدا »فالحرب اذلته الا انها لم تجعله اكثر تواضعا«. وسألها جندي عن محادثاتها مع المسؤولين السعوديين، فأجابت: »وجدتهم متعاونين للغاية مع المهمة التي اسعى اليها«. وكانت اولبرايت قد وصلت الى ابها آتية من جدة، على ساحل البحر الاحمر، حيث استقبلها مساء امس الاول الملك فهد بن عبد العزيز لمدة 45 دقيقة بحضور السفير السعودي لدى واشنطن الامير بندر بن سلطان، ثم اجرت محادثات مع ولي العهد الامير عبد الله بن عبد العزيز ومع الفيصل. محادثات جدة وامتنعت اولبرايت عن الادلاء بتصريح قبل لقاءاتها في جدة وبعدها، في حين تحدث مسؤولون اميركيون في عداد الوفد المرافق عن ان المحادثات تناولت ايران، واظهرت ان واشنطن والرياض »تتقاسمان القلق حول التهديد على المدى الطويل« الذي تمثله ايران، وبنوع خاص التهديد النووي. وقال مسؤول اميركي طلب عدم كشف اسمه ان واشنطن والرياض »تتقاسمان« ايضا »وجهة النظر القائلة بعدم وضوح رغبة الرئيس الايراني الجديد محمد خاتمي باحداث تغيير في مواقف ايران على المدى الطويل« اضاف: »التفاؤل ليس كبيرا«. وأشار المسؤول انه الى ان الاميركيين والسعوديين انتقدوا معا »تساهل بعض الحكومات الاوروبية في علاقاتها مع ايران« متهمين خصوصا فرنسا والمانيا. وقد امتنعت اولبرايت عن الادلاء بأي تصريح لدى زيارتها جدة وبعد لقاءاتها مع الملك فهد والامير عبد الله والفيصل. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الاميركية جيمسن روبن ان اولبرايت »كانت مسرورة بعد ان لاحظت الى اي حد يقدرون (السعوديون) انها حركت الامور« خلال زيارتها الاولى الى المنطقة. واشار الى ان هذا التعليق ينطبق ايضا على القادة المصريين الذين التقتهم اولبرايت قبل ذلك في الاسكندرية. وقال المسؤول الاميركي الذي طلب عدم كشف اسمه ان السعودية اعربت عن استعدادها لاعادة النظر في قرارها مقاطعة مؤتمر الدوحة الاقتصادي »في حال تحسنت الاجواء« في عملية السلام، واعتبر انهم »تركوا الباب مفتوحا« مثلما فعل المصريون، على حد قوله. وقال مسؤولون اميركيون ان اولبرايت ناقشت مع السعوديين التحقيق الذي يسير ببطء في تفجير الخبر. اضافوا انها تلقت »تأكيدا آخر بالتعاون الوثيق« في هذه القضية التي شكا فيها محققون اميركيون من عدم المساعدة السعودية. وقال الامير بندر ان »موقفنا ما زال هو اننا لا نتهم احدا ولا نبرئ احدا الى ان يصدر المحققون المعنيون تقريرهم النهائي«. وحرص المسؤولون السعوديون امام الصحافيين عن الاشادة ب »الاسلوب المباشر الصريح« الذي اضفته اولبرايت على الدبلوماسية الاميركية. وقال الامير عبد الله: »هذا ما تمنيناه دائما، وزير خارجية شجاعا وصريحا«، اضاف مخاطبا اولبرايت: »ما يجمع بينك وبيني هو عدم المواربة«. واعتبر الامير بندر ان جولة اولبرايت في المنطقة »كانت ضروية« وتدل على انها »جدية وقد اتت بينما يمر الشرق الأوسط في وضع خطير«. وفي تناقض مع تعليقات الصحف السعودية التي وصفت اولبرايت بالمنحازة الى اسرائيل، قال مسؤول سعودي كبير انها »تركت انطباعا عظيما بشكل حقيقي على الجميع لان الناس رأوا انها عادلة ومنصفة«. (أ.ف.ب، رويتر، أ.ب، سانا)