As Safir Logo
المصدر:

الدين والدولة وتطبيق الشريعة (راجعه تركي علي الربيعو)

المؤلف: الجابري محمد عابد التاريخ: 1997-09-09 رقم العدد:7791

من »الخطاب العربي المعاصر، 1982«، الى كتابه الجديد والموسوم ب »الدين والدولة وتطبيق الشريعة 1996«، والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، الى كتابه الصادر مع بداية العام المنصرم والموسوم ب »المشروع النهضوي العربي: دراسة نقدية« (مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)، والذي يحلل فيه اهداف المشروع النهضوي العربي، ويدعو الى بناء هذه الاهداف على قاعدة نقد تجربة الماضي والتخلص من ايديولوجيا الاحباط التي رافقت هذا المشروع والذي سنقف عنده في حلقة مقبلة. والجابري لا يمل ولا يكل عن قراءة ونقد المشروع النهضوي. أعود للقول انه على طول المسار الفكري لمحمد عابد الجابري والذي يمتد من بداية عقد الثمانينيات الى نهايات عقدنا الحالي، كان ديدب الجابري ينحو باستمرار الى الحفر في ما وراء الملفوظ الخطابي للخطاب العربي المعاصر والحديث. فوراء الملفوظ يكمن شقاء الوعي هذا الذي ما انفك ومنذ بداية عصر النهضة وحتى عصرنا الحالي يطرح معادلات مستحيلة الحل: اما التراث واما المعاصرة، اما الدين واما الدولة، اما الدولة العلمانية واما الدولة الدينية. وبذلك كان يعبر بحق عن شقاء الوعي وشقاء الايديولوجيا الثاوية وراء خطابه والعاجزة عن تحقيق ما تريد. إن جاز لنا التعبير فإننا نستطيع ان نقول ان حارس الثقافة الاوروبية لما يزل متربعا على عرش ودماغ المثقف العربي المعاصر، يدفعه الى محاكاة كاريكاتورية لتجربته النهضوية. فقد ظل النموذج الاوروبي هو النموذج المحتذى من قبل المثقف العربي النهضوي ولما يتمكن بعد المثقفون من التحرر من السلطة المعرفية في الغرب ولا محاكاتها بحق. هل نستطيع ان نفسر من خلال القول السابق ذلك العجز الذي لازم المشروع النهضوي والذي دفعه الى طرح شعاراته البراقة عن الحداثة المطلوبة من دون ان يقوم بمراجعة نقدية للمفاهيم وللواقع التاريخي عند نقلها من تجربة الى اخرى، وكذلك تلك الارادة من عدم المعرفة والتي تمفصلت مع ايديولوجيا التنوير والحداثة والتي لازمت خطابنا النهضوي. في الحقيقة ان المراجعة النقدية للشعارات النهضوية وإن مثلت خطوة هامة، الا انها تشي من جانب آخر بأمر هام وهو عجز العرب عن تحقيق النهضة وهذا ما يفسر استمرار ايديولوجيا النهضة واستمرار الاسئلة النهضوية بصورة لافتة للنظر. من »الخطاب العربي المعاصر« الى »الدين والدولة وتطبيق الشريعة« (1996)، لم يخف الجابري قلقه من ذلك الربط الذي يقيمه الخطاب العربي المعاصر بشقيه السلفي والراديكالي عندما يطرح في خطابه السياسي ثنائية الدين والدولة، او عندما يجعل من ثنائية الدين والدولة مشكلة قومية في حين انها مشكلة قطرية وتقتضي معالجتها في ظروف كل قطر عربي على حدة، كما يرى الجابري، وذلك في اطار الخصوصية التي تطبع كل قطر من اقطار الوطن العربي. كان برهان غليون في كتابه الموسوم ب »المسألة الطائفية ومشكلة الاقليات« (دار الطليعة، 1979)، قد انتقد اشكالية الدين والدولة في الخطاب العربي المعاصر، واعتبرها اشكالية مصطنعة منقولة عن الغرب وتضفي مزيدا من التبرير على الدولة الاستبدادية الحديثة. يقول غليون »تبدو اشكالية فصل الدين عن الدولة عندنا مصطنعة منقولة عن الغرب. إن مشكلة الدولة في العالم التابع هي بالضبط انها بلا دين ولا عقيدة«. ويضيف غليون بقوله »جاء فصل الدين عن الدولة في البلاد الاسلامية اذاً على يد الدولة ذاتها قبل ان تتبناه النخب الحديثة وتدفع بجوانبه الفلسفية، وظهر لهذا السبب ايضا كاستمرار وتطوير لسياسة فصل الجمهور المتزايد عن السلطة وتحرير الدولة من سلطة الدين، آخر مرجع شعبي ووسيلة الضغط الوحيدة بايدي المعدمين من السلطة والعلم« (ص 66). كان الجابري قد أثنى على رؤية برهان غليون الانتقادية لإشكالية الدين والدولة، لكن، وكما أسلفت، فقد أقض مضجعه باستمرار مكر الخطاب السياسي العربي، وعلى حد تعبيره المكر المستمر والمتزامن مع شقاء في الوعي يثوي من ورائه. إذا كان غليون اعتبر اشكالية الدين والدولة اشكالية مصطنعة، فالجابري يؤكد هذا عندما يذهب الى القول بوصفها مستحيلة، ولكنه يذهب الى ابعد من ذلك عندما يصفها بالمزيفة. والزيف يكمن في هذه الثنائية: ثنائية الدين والدولة في الفكر العربي المعاصر، ويتمثل في تمسك كل طرف بما تعطيه مرجعيته معتبرا اياه الحقيقة الوحيدة الخالدة. من هنا الحيرة عند قراءة الخطاب العربي المعاصر قراءة تشخيصية، تشخص عيوبه وتبحث في نقاط قوته وضعفه. فالمفكر العربي المسلم يربط بين الدين والنهضة ربط علةٍ بمعلول وشرط بمشروط. والمفكر النهضوي داعية العلمانية يربط فصل الدين عن الدولة ويعتبره شرطا للنهضة وهو ربط علة بمعلول وشرط بمشروط. في الخطاب العربي المعاصر، رأى الجابري ان حجة السلفي حجة »دامغة« وان موقفه بالفعل أقوى من موقف الليبرالي العربي. يقول الجابري »كانت حجة السلفي الدامغة هي التجربة التاريخية للامة الاسلامية، ليس فقط كما كانت بل ايضا كما كان ينبغي ان تكون... لقد كان موقفه بالفعل أقوى من موقف الليبرالي العربي الذي كان اطاره المرجعي يتشكل اساسا من التجربة التاريخية الاوروبية، ملتمسا هكذا لدعواه »الاجنبية« حجة »اجنبية«. في كتابه »الدين والدولة وتطبيق الشريعة«، عاود الجابري نقده للحجج الاجنبية التي يسوقها الليبرالي العربي، وقام بحصر العوامل المحددة لثنائية الدين والدولة في المرجعية النهضوية والتي حددها بعوامل ثلاثة: أولا استلهام التجربة الدينية الاوروبية في هذا المجال. ثانيا مشكلة الطائفية الدينية التي لم تنطف نارها منذ اواسط القرن الماضي وحتى وقتنا الحاضر. ثالثا ربط النهضة بالفصل بين الدين والدولة، وبصورة أدق استلهام النهضة الاوروبية. من وجهة نظر الجابري ان العوامل الثلاثة تختلف اختلافا جذريا وكليا عن تلك التي تحدد العلاقة بين الدين والدولة في المرجعية التراثية الاسلامية. اضف الى ذلك ان شروط النهضة ليست واحدة، بل متعددة متشابكة وتتغير بحسب الظروف والعصور. من هنا الزيف الذي يغلف الشعارات البراقة والذي يجعل من ثنائية الدين والدولة ثنائية مزيفة لأنها تغطي مشاكل الحاضر وتقفز عليها وتطرح بدلا عنها مشاكل اخرى تجعل حلها شرطا للنهضة. أعود للقول ان العوامل الثلاثة الآنفة الذكر نعثر عليها بصورة صريحة وفي الاغلب بصورة مضمرة في خطاب سياسي عربي من سماته انه غير مباشر وغير صريح، وهذا ما يفسر تركيز الجابري على خطابات بطرس البستاني والتي هي واحدة من خطابات عديدة قيلت ولا تزال تقال في سياق الحرب الاهلية الطائفية. وهذا ما يفسر ايضا تركيز الجابري في تحليله الخطاب السياسي العربي على ما يسميها ب »مناسبة النص« والتي تدفع النص وتمهره بخاتمها في أغلب الاحيان. هل يعني هذا ان لا سبيل الى التخلص من زيف الخطاب النهضوي؟ الجابري يجيب بأن الطريق الى التخلص من هذا الزيف، وهذه الثنائية التي تشل حركة الخطاب العربي المعاصر، يمر من خلال، اولا الفصل بين مشكل العلاقة بين الدين والدولة ومشكل النهضة والتقدم والنظر الى كل واحد منهما على انه مشكلة مستقلة بذاتها، وثانيا من خلال الاقرار بأن مشكلة العلاقة بين الدين والدولة في الوطن العربي ليست مشكلة قومية بل قطرية، والسؤال كيف نعالجها معالجة تخدم المسألة القومية؟

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة