As Safir Logo
المصدر:

13.6 $ من اللبنانيين يعانون من الامية البسيطة سمير يعشق ولا يقرأ رسالة الحبيبة يتعلم فيتحرر(صور)

المؤلف: غرز الدين رانيا التاريخ: 1997-09-08 رقم العدد:7790

سمير عواد (27 سنة) واحد من الشبان حالت ظروفه القاسية دون متابعته دراسته حتى ولو في حدودها الدنيا. فتح عيونه على معاناته مع المرض وأصيب في العام الاول من عمره بالشلل في رجله اليسرى، وبعد ان خضع لعمليات جراحية كثيرة خلال فترات متلاحقة، تمكن من المشي عليها لكن بشكل غير طبيعي. معاناة سمير لم تقتصر على اصابته بالاعاقة الدائمة في رجله، فقد حُرم من حنان امه في سن مبكّرة وحُرم من رعاية الأب ومساعدته بعد ان غادر والده البلاد ونسي أولاده الثلاثة. كما حُرم من حقه في التعليم فلم يدخل المدرسة بسبب وضعه الصحي. لكن برغم المعاناة والمأساة التي عاشها، لا يزال سمير يبتسم للحياة ويمطح بغد افضل، »ارتبطتُ بعلاقة عاطفية مع فتاة اعرفها«، يقول سمير، وكنا نراسل بعضنا دائما، وكلما تلقيت رسالة منها أطلب من زوجة اخي ان تقرأها لي وتكتب جواباً للرد عليها، لأنني لم اكن متعلماً آنذاك. وكلما ذهبتُ الى بيروت انظر الى لوحات الاعلانات المنتشرة على جوانب الطريق، لكن لم اكن افهم شيئا فأسأل هذا واستفسر من ذاك وغالبا ما شعرتُ بأنني عبء على اخوتي وأصدقائي عندما اكثر من طرح الاسئلة. إلى ان اصبحت في الثالثة والعشرين فالتحقت بمعهد النجدة الاجتماعية لمحو الامية بتشجيع من اصدقاء لي. وخضعتُ لدورات تعليمية لمدة سنتين ونصف. بعد ذلك أصبحتُ أعتمد على نفسي في كتابة الرسائل وقراءتها وقراءة الصحف والمجلات فتبدّلت حياتي رأساً على عقب. لم يفكر سمير بنفسه فقط وبتطوير قدراته، بل فكر ايضا بمساعدة المقعدين، لذا فهو الآن يتابع دورات دراسية خاصة في »اتحاد المقعدين« تمكنه من ان يصبح مرشدا اجتماعيا للمقعدين. وحديث سمير يكتسب أهميته المضاعفة على ضوء استمرار ضخ الاميين في البلاد، بدليل تقدير رسمي، وإن كان غير دقيق، لوجود 6،13 في المئة، مما يعني ضرورة بذل جهود لوقف »انتاج« المزيد من الاميين أولاً، ثم القضاء على امية الكبار بتاتاً.. في اليوم العالمي لمحو الامية الذي أعلنته اليونسكو والذي يصادف هذا اليوم (8 ايلول من كل عام) هذا التحقيق عن الامية في لبنان والجهود المبذولة المتواضعة للقضاء عليها: حالة وحالات حالة سمير ليست فريدة من نوعها في مجتمعنا، فهناك شريحة كبيرة من مختلف الفئات العمرية منعتهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية والامنية او الصحية من دخول المدارس أصلاً او متابعة الدراسة. والدليل على ذلك جولة واحدة في أحد شوارع العاصمة، حيث عشرات الاطفال الذين يعملون في تنظيف الزجاج وبيع »العلكة« او مسح الاحذية وغيرها من المهن، وهؤلاء لا يعرفون المدارس او حتى لا يسمعون بها. لن ندخل الآن في تفاصيل ظروف هؤلاء، لكن السؤال الذي يطرح نفسها دائما: مَن سينقذ هؤلاء من مستنقع الضياع الذي يتخبطون فيه، وما مصير هؤلاء، وأي دور فاعل ومنتج سيساهمون به في تطوير المجتمع؟ مَن المسؤول، الاهل، »الظروف«، الدولة، الجمعيات الأهلية والمؤسسات الاجتماعية ام الحرب؟ في المراكز ومع طلابها زارت »السفير« مركز الصليب الاحمر اللبناني في المصيطبة والتقت الاختصاصية الاجتماعية في المركز المنسقة رانيا زعتري التي اشارت الى اهمية دور المركز في تعليم الأميين وتأهيلهم اجتماعيا ومهنيا على اختلاف اعمارهم وحاجاتهم. وقالت: يتوافد على المركز كل عام أعداد كبير من الاميين حيث يتوزع هؤلاء على اربع مجموعات معظمها من النساء والاطفال بحيث يخضع هؤلاء لدورات تعليمية لا تقتصر على اللغة العربية والحساب فقط، بل تتعداها الى المهارات المهنية كالاشغال اليدوية واللغات الاجنبية (الانكليزية او الفرنسية). وقالت زعتري »ان هدفنا الاساسي هو تنمية الانسان بشكل متكامل وليس بتنمية قدرة واحدة لديه«. وأضافت: نقوم ايضا بنشاطات متعددة (رحلات، اقامة المعارض والندوات الطبية والاجتماعية والحفلات الخاصة بالاعياد) بهدف تشجيع الدارسين على الاستمرار في التعلم وعلى تمتين صلتهم بالمركز وتمتين العلاقات الاجتماعية في ما بينهم ليصبحوا أسرة واحدة. كما نتابع الدارسين ونزورهم في منازلهم ونحاول مساعدتهم على حل المشاكل والصعوبات التي تواجههم. وخلال جولة على أحد المراكز والصفوف للنجدة الاجتماعية، تحدثت »السفير« الى عدد من الدارسين: } ماغي م. (22 سنة)، دخلت المدرسة ثم تركتها في الصف الاول الابتدائي، ومنذ فترة خضعت لدروس محو الامية، وتقول »أصبحتُ قادرة الآن على قراءة الجريدة والقصة، كما أتقنتُ الكتابة وزادت ثقتي بنفسي فأُبدي رأيي وأناقش في اي موضوع بعد ان كنتُ أخاف من التحدث مع الآخرين«. } صباح أ. (10 سنوات)، قالت: »جئتُ لأتعلّم هنا منذ 8 اشهر أحلى ما روح بالشوارع وأهلي شجعوني«، وأضافت: أحب ان أصبح دكتورة اطفال كي اعالج الأولاد من المرض. } أمجد م. (10 سنوات)، أدخلته والدته الى الصف منذ 3 أشهر وهو لا يعرف القراءة ولا الكتابة. ويقول امجد »أحب ان أتعلّم لأصبح مصلح راديوهات«، ويضيف: »تقول لي امي إذا بدك تبطل تدرس بطعميك قتلة«. } محمد س. (9 سنوات)، قال: »أول مرة أدخل مدرسة وأتعلّم، أحب ان اصبح حلاقا رجاليا لكن احب النوم كثيرا«، وأضاف: »قبل ان اتعلم هنا كنتُ اساعد امي في فرم الجبنة والزبدة لأعمل ترويقة مناقيش لأخوتي«. تدريب المعلمين وتُعتبر مؤسسة المشروع المسكوني للتربية الشعبية إحدى أهم المؤسسات التي تُعنى مباشرة بمكافحة الأمية من خلال تدريب المنسقين (المعلمين)، حيث يخضع هؤلاء لدورات تدريبية مستمرة ومجانية هدفها تعليم المنسقين طرق ووسائل تعليم الاميين ومتابعتهم في المؤسسات والمراكز التابعة للجمعيات الاهلية التي يعملون فيها. وفي هذا الاطار، تقول مدربة المنسقين في المشروع والمشرفة على متابعة عملهم نجوى مزهر »الحوار والوعي والفكر النقدي، مفاهيم اساسية في برنامج التربية الشعبية«. ولتحقيق هذه الاهداف، تقوم مزهر وفريق عمل المشروع المسكوني بإخضاع المنسقين لدورات تدريبية على مدار السنة تؤهلهم من خلالها لتعليم الاميين على اختلاف جنسياتهم، كبارا وصغارا، بالتنسيق مع الجمعيات الاهلية وفتح الصفوف الخاصة بهذه الشريحة من الناس. ومن ضمن المهام التي يقومون بها، متابعة المنسقين الذين يخضعون للتدريب في المشروع في مراكز عملهم (الصفوف) والتعاون معهم على تحسين عملهم وتأليف المواد التعليمية ووسائلها، حيث تعتمد الجمعيات التي تهتم بمحو الامية كتاب المشروع »تعلّم، تحرّر« وهو كتاب يُعلّم القراءة والكتابة مرفق بدفتر تمارين خاص بالمرحلة الاولى التي يخضع لها الأمي، بالاضافة الى توزيع مجلة على الدارسين »ألف ياء« حيث يشارك فيها هؤلاء، كما تؤمّن التواصل بينهم وبين المشروع عن طريق تخصيص صفحة للمراسلة. وتضيف مزهر: »نحن حاليا بصدد تأليف كتاب المرحلة الثانية وفيه سيتم التركيز على اربعة مواضيع اساسية (اللغة، الاقتصاد، حقوق الانسان والرياضيات) لإفادة الدارس من خلال النصوص المكتوبة والمصورة في الكتاب، كما نقوم بأبحاث مختلفة تساعد على تحسين عمل المنسقين والدارسين معاً«. ويتعاون المشروع في لبنان مع حوالى 40 مؤسسة لبنانية وغير لبنانية لتدريب المنسقين التابعين لها. ونذكر من المؤسسات على سبيل المثال لا الحصر النجدة الاجتماعية، الحركة الاجتماعية، الصليب الاحمر، كاريتاس، بيت اطفال الصمود، ارض البشر... وغيرها. وتؤكد مزهر ان العلم والتعليم في المشروع هو مسار وليس لفترة مرحلية فقط، فالهدف الاول والاخير هو تعليم الأمي كيف يتعلم ذاتيا ويطور نفسه بنفسه. دور اليونسكو وتحدثت الدكتورة نور الدجاني، مسؤولة برنامج محو الامية وتعليم الكبار في مكتب اليونسكو الاقليمي للتربية في الدول العربية عن الخطط والبرامج التي تعدها اليونسكو في الدول العربية بالتعاون مع حكوماتها. وأشارت الى ان نسبة الامية في العالم اليوم تراجعت عما كانت عليه منذ 50 عاما (45$)، وبلغت هذا العام 23 في المئة. ولبنان يُعدّ من أقل الدول العربية من حيث نسبة الاميين. وقدمت الدجاني عدة اقتراحات لمكافحة الامية وتعليم الكبار، ومنها: ان تشترط المؤسسات الحكومية والخاصة التي تقدم منحاً دراسية على الطالب المستفيد من المنحة بأن يمحو امية 5 أشخاص على الأقل. ضرورة تخصيص ساعات لتعليم الاميين العاملين في المصانع تُحسب من ضمن ساعات العمل. وتمنت على الحكومة اللبنانية تبني هذه الافكار البسيطة لتكثيف الجهود ومكافحة الامية، معتبرة انه في تطبيقها لمدة 10 سنوات تقريبا لن يبقى امي واحد في لبنان والدول العربية أيضاً.. كما تمنت على الجمعيات الاهلية والمؤسسات الاجتماعية في لبنان ان تلحق ببرامجها برنامجا خاصا لمحو الامية. الموقف الرسمي وعلى الصعيد الرسمي، تقدم اللجنة الوطنية لمحو الامية المنبثقة عن وزارة الشؤون الاجتماعية بإعداد خطة شاملة لمكافحة الامية وتعليم الكبار. وتحدد اللجنة تعريف الامي على النحو التالي »الامي هو كل مَن تجاوز سن العاشرة ولم يدخل مدرسة ومَن لا يتقن القراءة والكتابة«، فهناك الامي الابجدي او القرائي، وشبه الامي والمتسرب الذي يرتد لأميته. وتشير مديرة اللجنة الوطنية لمحو الامية آمال شرارة الى ان نسبة الاميين في لبنان تبلغ 6،13 في المئة وفق احصاءات الوزارة غير الدقيقة، وهي قليلة مقارنة بالنسب الموجودة في باقي الدول العربية، وهذا يعود لجهود الجمعيات. وعن الخطة، قالت شرارة ان اللجنة بصدد إنجاز خطة شاملة لمحو الامية وتعليم الكبار ترتكز بشكل اساسي على تطوير برنامج التدريب الذي يخضع له مدربو ومعلمو الكبار. وتأخذ الخطة بالاعتبار وضع نصوص عصرية وحديثة يُعتمد عليها في تعليم الاميين بالتنسيق مع الجمعيات الاهلية. وأضافت: كما تلحظ الخطة وضع برنامج لتعليم الأحداث العاملين (الأميين) بالتعاون مع مكتب اليونسكو الاقليمي وسنعمل على الانطلاق به في السنة المقبلة. وتحدثت شرارة عن فتح مراكز لتعليم الكبار ومحو الامية خصوصا في المناطق المحرومة والاكثر حاجة، وحاليا سيتم افتتاح مركز لتعليم الاميين في شمسطار بالتعاون مع جمعية الميثاق. وختم بالقول: هدفنا تعليم القراءة والكتابة للأميين وتوجيههم مهنياً ومن ثم تدريبهم وإعدادهم. تحقيق: رانيا غرز الدين

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة