في استعادة حميمية للإنساني أولا وللروائي الشعري ثانيا، يتحدد شكل مطالعة الثقافي للحدث العلمي الراهن والأبرز في سنوات نهاية القرن ألا وهو الهبوط على المريخ..! فمع أول تسرب للخبر كانت الذوات البشرية تتقد سمعاً وهي تتمرأى حالة الاكتشاف والطموح الإنساني في الخلود عبر الفتح للعوالم الأخرى وعبر تثبيت الذات إذ يعاد تشكيلها بحسب تلك الأمكنة الجديدة، فما كانت تطرحه روايات مارك توين الخيالية العلمية أمسى، عبر سنوات قليلة مليئة بالانقلابات العلمية، حقيقة ساطعة تؤكد التواصل ما بين الخيالي وما بين المدرك العلمي وإن تأخر ظهوره..! إلا أن الاستعادة السالفة التي تحيلنا الى ما في الرغبة الانسانية المكرسة للاكتشاف من إيجاد، تنحرف درجات عديدة حينما تقترن بحدث آخر جرى في الفضاء وبعيدا عن الأرض أيضا، هو الخلل الذي أصاب المحطة الفضائية »مير« بُعيد اصطدامها بسفينة الإمداد الذي كاد يودي بحياة ثلاثة رواد فضاء، روسيين وأميركي..، غير أن الانحراف الذي نشير إليه ههنا ليس سلبيا بالمعنى المطلق، فالاستعادة، على العكس مما يوحي الانطباع الخبري الاعلامي عن الحدث، تحمل في طياتها ربطا جديدا لما نبحث فيه وهو العلاقة بين الخيالي والعلمي. فهنا ما يمكن أن يقذف بمدركاتنا نحو تصديق المقولات العلمية أو الأشبه بالعلمية في رواية الخيال العلمي ولا سيما إن كان المثال الذي نختاره للتعبير عن هذا الأمر هو واحدة من أجمل روايات الخيال العلمي وفيلما مصوغا عن هذه الرواية.. ففي »سولاريس« رائعة ستانسلاف ليم الروائية. في »سولاريس« الفيلم الذي قدمه عبقري السينما الروسية أندريه تاركوفسكي، ثمة اتصال مباشر وحقيقي بين ضفتين لا يمر نهر بينهما سوى نهر التجربة الانسانية، هذه التجربة التي تجعل من مغامرة الرواد الثلاثة في المحطة »مير« وكذلك في المركبة أبولو 13 سابقا، أمرا يحتمل التمعن الإنساني في الدلالات التي تنطوي التفاصيل عليها..، ولنا ههنا أن نبدأ التفكير من نقطة أساسية هي فعل التجربة التي تجعل من رائد الفضاء شخصا خارجا عن إطار اليومي المعيش لدينا وداخلا في أقصى مجاهل ذاتنا الإنسانية في آن، مختصرا بذلك لحظة التجرد الصوفية على شكل الفعل الذي يقوم به لينقذ ما تبقى له من أمل في الحياة وهو محاط بالمحيط الذي لا يحده شيء سوى الثقوب السوداء والكتل الضائعة في الفضاء وعلى شكل ربما يشبه الأفكار والأحاسيس الإنسانية تماما وكأننا، من حيث لا ندري، نرى في الأعلى ما لا نراه في الأسفل واضعين علامة المساواة بين ما يحدث في السماء وما يحدث على الأرض..! رائد الفضاء (كالفن) بطل الرواية/الفيلم »سولاريس« هو نفسه من نقصد بعباراتنا السابقة، كما أنه هو من نتمثله في الرواد الثلاثة على سطح المحطة مير، إذ إن الكوكب المحيط »سولاريس« الذي يذهب إليه (كالفن) في محاولة لإنقاذ الآمال المعقودة سابقا على اكتشافه، يظل لغزا محيرا على المستوى العلمي، طالما ظل مكتنزا لأسرار بنيته العصية على الفهم، هذه البنية التي تستشف المكنوز في المخيلة الانسانية وتعيد صياغته كما هو مشتهى في العقل الباطن، ولكن من دون أن يجعل منه عتلة أو مجرد مسمار في عجلة السلطة التي تنطوي عليها ممارسة الذات تجاه المعطيات المحيطة بها. فهاري التي تمثل معطيات عدة في الرواية أبرزها كونها الجزء الأهم من مكنوز (كالفن) الحياتية (زوجته التي ماتت منتحرة في الحياة على الأرض)، والذاكرة التي أعاد الكوكب المحيط صياغتها كما هي على سطح محطة الكوكب سولاريس، هاري هذه، هي البؤرة التي تعيد إنشاء البحث لدى (كالفن) في ذاته بعد أن تدمر رغبته في إبعادها عنه أولاً وتكرار ظهورها لديه وكأنها مصيره المقاد إليه عبر ماضيه. وإذ يتخلى هو عن هذه الرغبة فإن الخط الدرامي الذي تتمحور الأفعال حوله في كل من الرواية والفيلم يتحدد في رغبة الذات (كالفن) في الاحتفاظ باليوطوبيا أو المثال المقدم على شكل الحلم (هاري) من قبل هذا الكوكب المحيط »سولاريس«. ولعل ما نسميه نحن خطا دراميا ههنا لا يعدو كونه بؤرة سردية تترادف منها الأفعال التي تسيطر في نهايتها حقيقة العلم ولتجعل من مادة الحلم (هاري) أنموذجا أو فأرا مخبريا للممارسة، إذ إن علماء محطة سولاريس يستخدمون هاري كوسيلة نافقة للتعامل مع بنية المحيط أو الكوكب المفكر »سولاريس«، وبالتالي فإن ما نستشهد به كفعل تخييلي يوضح لنا بجلاء كيف أن ما يحدث في الأعلى جزء أساسي مما يحدث ههنا. إننا نرى في الفضاء جزءا ماثلا للتعرف كما لو أنه قطعة مفقودة من داخلنا وجدناها فجأة وبدأنا البحث فيها..! وعليه فإن مصير الرواد الثلاثة الذين سيتم استبدالهم بين لحظة وأخرى بثلاثة رواد آخرين ليس بعيدا عن مصير (كالفن)، فالواقعة التي تفيد ببقائهم في الفضاء شهورا طويلة دون التعرض للخطر وكأنهم يعيشون برجا عاجيا مبنيا على تجارب علمية تجرى في الفضاء واندلاع الخطر فجأة اثر الاصطدام بعربة إمدادات قادمة من الأرض هو أمر مشابه تماما من حيث النتيجة لحالة (كالفن) الذي وجد نفسه ذات لحظة مدفوعا بالرغبة نحو إنقاذ البرج العاجي ومتعثرا بالحلم في آن. ولعل النجاة من هذا المأزق هي واحدة في الحقيقة وكامنة في العودة الى الأرض حيث ستعود الأشياء الى مواقعها دون أن تدفع مرادفاتها الأحداث الى تعثر جديد. يتحدث كالفن في نهاية رواية »سولاريس« على شكل اعتراف فيقول: »لم أصدق لحظة أن هذا العملاق الذي يحملني كذرة غبار دون أن يلاحظ ذلك سيتأثر من مأساة شخصين، وهو الذي هيّأ الموت في داخله لمئات من الناس، وعبثا سعى جنسي البشري طوال عشرات السنين لمد خيط من التفاهم معه. بيد أن أفعاله كانت منصبة على هدف ما. والحقيقة انني لم أتيقن من ذلك تماما. وإن غادرته فهذا يعني التخلي عن الفرصة الصغيرة الخفية التي من الجائز ألا تكون إلا في خيالي، وهي من تخفي عوالم المستقبل«. ولعل أياً من رواد الفضاء العائدين الى الأرض سيقول الكلام ذاته وإن بشكل آخر ليعبر عن فحوى هذه العلاقة بين الخيالي وبين العلمي، التي تجد تمثلها في الكثير من حيوات البشر إذ يصوغون الخيالي لديهم سابقين بذلك العلمي اللاحق.. وإذا وجدنا في هذا العلمي أمرا فإننا لن نحيله إلا على ما هو مدرك لدينا من أحلامنا، وهنا لن نتوقف كثيرا أمام أولئك العلماء الذين رأوا في رمال كوكب المريخ الحمراء مكانا مناسبا للعب الأطفال الذين لن يجدوا أي إعاقة في الحركة هناك. أليس الفضاء هو فعلا المكان الأنسب لممارسة الحرية..؟ إذا أجبنا بالايجاب فإن الفعل التالي هو ضرورة التفكير بالعلاقة التي أشرنا إليها سابقا والتي تجعل من رواية/فيلم »سولاريس« عملا راهنا ما دام يتحدث عن السرمدي في علاقة الانسان وذاته المخيلة مع الواقع والعلم الذي يناوشه دون أن يتلمس فيه سوى طبقاته السطحية فحسب. (*) سولاريس، ستانسلاف ليم، تر: محمد بدرخان، ط 1، 1990.