سمير ذكرى صاحب فيلمي »حادثة النصف متر« و»وقائع العام المقبل« يخوض تجربة جديدة يفضّل هو ان يدعوها استمرارا لتفكيره السينمائي، حيث يرى ان رؤية المخرج هي التي تحدد في النهاية خط الفيلم وأسلوبيته، سواء كان هذا الفيلم يتأسس على التاريخ او على السيرة الذاتية او على الموضوع الاجتماعي المعاصر... الخ. سألته أولا عن سبب اختياره لرواية »تراب الغرباء« والكواكبي تحديدا، فقال: أريد ان أوضّح اولا انني لم أختر الرواية بعد نشرها كعمل أدبي، حيث كان يمكن وقتها ان تظهر في الفيلم قراءتي السينمائي لها كما جرى معي في »حادثة النصف متر« لموسى صبري. في »تراب الغرباء« كان الامر مختلفا، بدأ الموضوع بيني وبين الكاتب فيصل خرتش حول اهتمام مشترك بعصر النهضة وفترة التنوير، فعرضتُ عليه ان يقدم المادة الادبية، ولأنني لا أستطيع تأمين ضمانات مادية له، طلبتُ ان يكتب العمل بالطريقة التي يراها مناسبة، وان يكون العمل في ما بعد مادة لتقديمه سينمائياً. إن »تراب الغرباء«، عملياً، رواية لفيصل خرتش، ويمكنني القول، كقارئ، انه كان عبثياً في اسلوب كتابته للرواية، وكان لديه وجهة نظر ترى في الكواكبي صوتا صارخا في البرية. قد نعطيه الحق في نظرته هذه حيال الواقع العربي المتهافت. بالنسبة اليّ لم يكن هذا المنطلق العبثي في مركز اهتمامي، اولا لأنني ما زلت أظن انني امتلك القدرة على الاعتراض، ثانيا مأساوية شخصية الكواكبي فيها الكثير من مأساوية جيل عربي بأكمله هو تحديدا جيل الخمسينيات بكل تحفزاته وحماسته وخيبة أمله. ثالثا، ما زلت مقتنعا بالمساهمة الدائمة للفنانين، ولو بالقدر الضئيل، في الاجابة على الاشكاليات والاسئلة التي ما يزال المجتمع العربي يطرحها ويرزح تحتها، والكواكبي تحديدا واحد من الذين قدموا اجابات جذرية وحاسمة على هذه الاشكاليات وكان مصيبا في استشرافه للمستقبل. إجابات جذرية ولذلك عندما كتبت السيناريو أفادتني الرواية كمادة لأخذ الموافقة الرقابية وفي الاستفادة كذلك من كل توصيف يتوفر عن الحقبة، ولكن كان لا بد من العمل في السيناريو على إغناء، إن لم يكن خلق خط شخصية الكواكبي والذي هو الخط المحوري في الفيلم. من هنا الافتراق الكبير بين الرواية وبين الفيلم. اعتمدتَ الرواية كمرجع إذن، سألته، فأجاب: لا يمكن ان افكر بأخذ عمل أدبي وأخرجه كما هو. فالفيلم الذي يمكن أن أصنعه يجب ان يبدأ من قراءتي السينمائية والبصرية للعمل، واذا لم أجد فيه القدرة على تجسيد هواجسي وقراءتي فإنني لا أرى سببا لأفلمة مثل هذا العمل. وعن تفسيره للنقلة السينمائية التي يمثلها الكواكبي بالاحالة على فيلمه السابق »وقائع العام المقبل« المقدم بطريقة سينما المؤلف، قال: ان اكثر فيلمين يشبهان بعضهما في تقديري هما »وقائع العام المقبل« و»تراب الغرباء«، مع فارق واحد، فالشخصية المحورية في الاول وهي الموسيقي (منير) امتلك الاجوبة في حدود مهنته لكنه عندما اصطدم بالواقع في تحقيق حلمه اصيب بالخيبة وعدل عن حلمه بحيث انطلق من الظروف الموضوعية للواقع وليس من احتمالات وفضاءات هذا الحلم. شخصية الكواكبي قريبة الى حد بعيد من هذه الشخصية، الفارق انه امتلك اجابات جذرية حيال الواقع ولم يتنازل عنها ضمن نظرية الممكن بل أصرّ عليها حتى دفع حياته ثمنا لذلك... سينما المؤلف هل تعتبر الكواكبي بهذا المعنى نوعا من سينما مؤلف، سألته، فقال: طبعاً، إن سينما المؤلف يجب ألا تقف بتقديري عند حدود المعاصرة والراهن والسيرة الذاتية. سينما المؤلف يمكنها ان تكون تأليفاً لرؤية المخرج في عمل ادبي او فكرة او شخصية تاريخية. خذ شخصية مثل »هاملت« مثلاً، كم تحتمل من التأليف الذاتي الراهن. إن اسلوب المعالجة السينمائية هو الذي يحدد في آخر المطاف اسلوبية السينما وشكلها. ويمكنني ان اضيف هنا انه باستطاعتي ان اكتب سيناريو فيلم ولكن من دون ان ينتمي الى سينما المؤلف حتى ولو قمت بإخراجه. عن الثقل التاريخي وهل يمكن ان يعيق الرؤية السينمائية ويجعلها غير مرنة، يقول سمير ذكرى: قد يكون فيلم »تراب الغرباء« الاكثر معاصرة بين افلامي، لأنه الفيلم الذي قدم الاجابات على التوصيف الذي قدمته الافلام السابقة. بهذا الفيلم أجيب عن اسئلة فيلميّ السابقين. إن ركود المجتمعات العربية ومراوحتها في وحل الاشكاليات الحضارية نفسها، مع شفافية مفكر مثل الكواكبي، تجعل كل نأمة في الفيلم معاصرة. اما التاريخ فهو ليس مجرد ثياب الماضي ومظاهره واكسسواراته الخارجية. وأريد ان اوضح هنا، ان حياة الكواكبي لا تنتهي عند ما هو معروف عنه تاريخياً، إن جانبا واسعا من الحياة الشخصية والحميمة يبقى مادة للتخييل والتخمين، وهذا ما من شأنه ان يوسّع التاريخ لصالح الفيلم. * * * يبقى ان نذكر انه قد تم انجاز 90$ من الفيلم وهذه الكمية هي حاليا في عمليات المونتاج، اما العشرة الباقية فتنتظر التصوير في مصر، كي يكون الفيلم جاهزا لتمثيل سوريا في مهرجان دمشق السينمائي المقبل الذي سيقام في اول تشرين الثاني المقبل. فريق الفيلم: مدير التصوير: حنا ورد، سيناريو: سمير ذكرى، الديكور وتصميم المناظر: يوسف عقيل، مونتاج: زهير داية، مكياج: ضياء الاشقر، تمثيل: بسام كوسا، نجوى قندقجي، فايز ابو دان، أُسامة عاشور وآخرون... حاوره: حسين بن حمزة (دمشق)