As Safir Logo
المصدر:

نازل طه حسين ولويس عوض وسواهما ثأر محمود شاكر(صورة)

المؤلف: السيد رضوان التاريخ: 1997-08-26 رقم العدد:7779

مع وفاة محمود شاكر (1909 1997) سُلّطت الاضواء من جديد على خلافاته الثقافية والدينية مع طه حسين اواخر العشرينيات وطوال الثلاثينيات. لكن عندما ذهبتُ الى القاهرة للدراسة منتصف الستينيات، ما كان أحدٌ يذكر تلك التباينات، بل كان الجو الثقافي المصري منهمكا في تتبع وقائع سجال جديد أضرمته ردود محمود شاكر على مقالات للويس عوض كان ينشرها في ثقافيات الاهرام الاسبوعية، يتعلق بعضها بتفسير جديد لشعر أبي العلاء المعري، وبعضها الآخر بأثر أو آثار الغزو الفرنسي على مصر وبلاد الشام مطلع القرن التاسع عشر. كان محمود شاكر ينشر مقالاته تلك في مجلة »الرسالة الجديدة« التي أعادت وزارة الثقافة المصرية إصدارها بعد توقفها منذ العام 1953، وقد سارعت مجموعة من المثقفين المحافظين المصريين للالتفاف حولها ومدها بالدراسات التي غلب عليها طابع مساجلة أطروحات اليساريين المصريين الذين استوعبتهم وسائل ثقافة واعلام النظام الناصري بعد اخراجهم من السجون (1961 1962). عَنْوَنَ محمود شاكر لمقالاته تلك ب »كاد النعامُ يطير«، واستطاع ان »يكسب« جولةً على لويس عوض عندما أثبت خَطَلَ وتحيّز تأويلاته لبعض أشعار المعري التي رأى انها تفيد انه كان شديد التأثر بالفكر والثقافة المسيحية العربية (قرأ لويس عوض مثلا في احد ابيات المعري: الصُلبان بدلا من الصِلّيان!). وما كان بوسع عوض منازلة شاكر في هذا المجال، الذي أعجز طه حسين من قبل، بسبب معرفته النادرة بالشعر العربي القديم وقراءاته المتميزة لدقائق العربية الكلاسيكية واسرارها (كما شهد له بذلك مصطفى صادق الرافعي في الثلاثينيات!). اما الموطن الذي اشتد فيه النزاع بين الرجلين (وفي الواقع بين الثقافتين!) فقد كان الهوية الثقافية لمصر، وعلائقها بالغرب الاوروبي ومشروعه الثقافي. وجهة نظر محمود شاكر كانت ان الجانب الابرز في الدخول الفرنسي والبريطاني الى مصر والشام هو الجانب الاستعماري، والتغريب المترتب عليه، والذي كان من آثاره (بل من خططه) ضرب الهوية العربية الاسلامية لمصر. وهنا احتد شاكر في النقاش متطرقا الى امور كان عوض قد ذكرها عَرَضاً (عدد الأقباط المصريين الذي حدّده ب 8 ملايين آنذاك)، مما أوصل شاكراً الى السجن الذي قضى فيه ثلاث سنوات بغير تهمة محددة. وقد علمتُ في ما بعد ان التحقيقات معه انصبّت على »المجلس الادبي« والثقافي الذي كان ينعقد في منزله بمصر الجديدة منذ الخمسينيات، والذي كان يجري فيه كلامٌ كثيرٌ يتجاوز الثقافة الى السياسة. II جمع محمود شاكر مقالاته حول المعري بعد وفاة الرئيس عبد الناصر ونشرها بعنوان: »أباطيل وأسمار«. اما مقالاته حول الثقافة والهوية الثقافية فنشرها ايضا في السبعينيات تحت عنوان: »في الطريق الى ثقافتنا«. بيد ان اثر محمود شاكر الباقي كان كتابه عن »المتنبي«، وتحقيقاته الرائعة لذخائر من التراث العربي القديم. فعام 1936 أصدرت مجلة »المقتطف« عددا خاصا في ألفية المتنبي جاء عبارة عن كتاب لمحمود شاكر عنه. كان م. شاكر وقتها في السابعة والعشرين من عمره. وقد اشتهرت جدالياته مع طه حسين، وحملاته على دراسات العميد في الشعر الجاهلي، وعن ابي العلاء والمتنبي وقراءات الشعر القديم (= حديث الأربعاء) والهوية الثقافية لمصر. وكان النهج الذي اتبعه شاكر في دراسة حياة المتنبي ونتاجاته الادبية جديداً. فقد قرأ شعره قراءة »تحليلية متفحّصة«، واعتبر اشعاره المرجع في الحكم على اخبار المصادر عنه مسارَ حياةٍ وشاعرية. واستنادا الى تلك القراءة توصّل شاكر الى ان المتنبي من أصلٍ طالبيّ شريف، إذ يعود في نسبه الى الامام عليّ. ومحاولته التمرد في البادية في شبابه كانت عملا من اعمال الثورة، لا من اعمال النبوءة او التنبؤ كما شنّع عليه خصومه. وعلى اساسٍ من هذا الاستنتاج فسّر الاساذ شاكر كثيرا من احداث حياة المتنبي المُشْعِرة بالوعي العربي القوي، والاعتزاز الشديد بالنفس والاحساس بالمسؤولية. وقد نما العملُ بين يدي شاكر طوال العقود الاربع التالية حتى أصدره من جديد في السبعينيات في مجلدين ضخمين، حصل بنتيجتهما على جائزة مؤسسة الملك فيصل للدراسات الادبية العربية. إلى جانب دراسته عن المتنبي، حقق محمود شاكر وأصدر نصوصا عربية بالغة الصعوبة والاستعصاء، فجاءت في نشراتٍ رائعة: طبقات فحول الشعراء لابن سلاّم، والشعر والشعراء لابن قتيبة، وستة عشر جزءا من تفسير الطبري، وتهذيب الآثار للطبري ايضاً، وجمهرة نسب قريش واخبارها للزبير بن بكّار. هذه النصوص (وكثيرٌ غيرها مما ساعد فيه شقيقه احمد شاكر وزملاءه وطلابه) مقروءة لفظاً لفظاً، وجملةً جملة، في جَلَدٍ هائل، وتتبُّعٍ لا يكاد يصدق، بحيث يُخيّل للقارئ انه لو بُعث الطبريّ نفسه لما زاد شيئا في قراءة مخطوطته!. بيد ان الاستاذ شاكر الذي اختار هذا النمط الصعب (عنوان مقال له) في التأليف والتحقيق ما كتب كثيرا عن منهجه، وهو عندما كتب انما كتب ناعيا عمل المستشرقين الذين لا أرى بين طرائق أدائهم (الوارث ونماكير مثلاً) وبين طريقته فروقا بارزة. III قابلتُ محمود شاكر للمرة الاولى اواخر السبعينيات، قدّمني اليه تلميذه (مدير دار الكتب المصرية الآن) الدكتور محمود الطناحي بتوصية من الدكتور احسان عباس. واتصلت بيننا العلاقة في الثمانينيات بسبب من ابن اخيه المرحوم علي ذو الفقار شاكر الذي عمل معنا بمعهد الانماء العربي ومعهد الدراسات الاسلامية في بيروت حتى مطلع التسعينيات. وكان الصراع بينه وبين لويس عوض هو الذي لفتنا نحن الطلاب بالأزهر في البداية لقراءة نصوصه الادبية المحققة، وعمله على تفسير الطبري. اما قبل ذلك وبعده فإن تحقيقات ونصوص اخيه الاكبر احمد شاكر في الحديث والسنّة، وعمله على نص الشافعي في »الرسالة« كانت موضع اهتمامنا في الدراسات الدينية. والأسرة الشاكرية من الأُسر الحنفية القليلة بمصر، وكان الاب قاضيا لقضاة السودان، ووكيلا للأزهر. اما الشيخ احمد شاكر فقد غادر المذهب الحنفي الى السلفية الوهابية، في حين بقي محمود شاكر خارج العصبيات المذهبية والسياسية، منصرفا الى عصبية ثقافية ربّى عليها ستة أجيال، برز منها اساتذة ودارسون بمصر وفلسطين وسوريا والسعودية والكويت والعراق. في دراسة له بعنوان: »نمط صعب ونمط مخيف«، عن لاميّة تأبّط شراً التي أعادت دراسته اكتشافها، وصارت الآن موضوعا لعشرات المقالات بعدة لغات، يستشهد شاكر بمطلع تلك القصيدة الثأرية العجيبة، وربما كان في ذينك البيتين المطلعين شيء مما أحس به محمود شاكر باعتباره مهمة ورسالة حياته: إن بالشعب الذي دون سلعٍ لقتيلاً دمهُ ما يُطَلُّ خَلّفَ العبءَ عليَّ وولّى أنا بالعبء دونه مستقلُّ رضوان السيد

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة