احتلت مسألة الحدود السعودية اليمنية حيزا كبيرا في النشاط الرسمي اليمني خلال الاسبوعين الماضيين، كما استحوذ هذا الموضوع على اهتمام معظم الصحافة الخليجية، عرضا وتحليلا. ورأت اوساط خليجية مطلعة ان التباين الاساسي بين صنعاء والرياض ما زال يتعلق حتى الآن بتفاصيل الحدود بين السعودية وما كان يعرف بجمهورية اليمن الديموقراطية، حيث يعتقد بوجود كميات كبيرة من النفط والغاز. وكان نزاع مسلح قد نشب في العام 1982 بين الرياض وعدن، وغدت بعده مدن »الشرورة« و»الوديعة« تحت السيادة السعودية. وفي السنوات الاخيرة كانت المناطق الشرقية لليمن ساحة التوتر الاساسي بين الجانبين. وفي تشرين الثاني 1995 قالت مصادر صنعاء ان »قوة سعودية« دخلت منطقة »الخراخير« اليمنية شرقي البلاد، ورفعت عليها العلم السعودي، وهو ما نفته الرياض ويطمح اليمنيون الى ان تؤدي التسوية الحدودية مع السعودية الى إقامة استثمارات نفطية مشتركة في مناطق الحدود الشرقية الشمالية. كما تأمل صنعاء بأن تدفع هذه التسوية باتجاه تدفق النفط الخام السعودي الى مصفاة عدن التي يسعى اليمنيون للحصول على 300 مليون دولار لتحديثها. واضافة الى الخلاف الحاصل بشأن تسوية الحدود الشرقية الشمالية، التي لا توجد اية اتفاقية بشأنها، يتحفظ اليمنيون على الصيغة الدائمة وغير الدورية لتجديد اتفاقية الطائف الخاصة بالحدود مع ما كان يعرف بالجمهورية العربية اليمنية، والتي وقعت في العام 1934 في عهد المملكة اليمانية. وقد شكلت في العام 1995 لجنة مشتركة لتجديد علامات الحدود في المنطقة الممتدة بين منطقة »ميدي« على البحر الاحمر غربا ونقطة »جبل الثأر« في الشمال الشرقي، نظرا الى ان كثيرا من علامات الحدود اندثرت او جرى نقلها الى غير مواقعها المتفق عليها. الا ان هذه اللجنة لم تمارس عملها فعليا. وفي اواخر تموز الماضي نقل وزير الداخلية السعودية الامير نايف بن عبد العزيز الى صنعاء تصورات الرياض للحل النهائي للمسألة الحدودية. وفي الشهر نفسه قدمت صنعاء ردها على التصور السعودي خلال زيارة قام بها الى جدة وزير الداخلية العميد حسين عرب. وفي الرابع من آب الحالي سلم السفير السعودي في صنعاء علي القفيدي وزير الداخلية اليمنية ملاحظات الرياض على الرد اليمني، وعاد عرب بعد ايام الى جدة لاستكمال مباحثاته، حيث التقى مرتين بوزير الدفاع الامير سلطان بن عبد العزيز في حضور الامير نايف، وعرض الرئيس اليمني علي عبد الله صالح امس الاول على المجلس الاعلى للدفاع الوطني آخر التطورات الخاصة بملف الحدود مع السعودية. وكانت السعودية واليمن قد وقعا في تموز العام 1996 على اتفاقية امنية مشتركة، جاءت بعد عام ونصف تقريبا على توقيع »مذكرة التفاهم« بين البلدين في مكة المكرمة في 26 شباط العام 1995 والتي شكلت اطارا تفاوضيا لحل المشكلة الحدودية بينهما. ونصت المذكرة على »تمسك الطرفين بشرعية وإلزامية معاهدة الطائف«. وتشكيل لجان لترسيم الحدود الشمالية الشرقية. وقد نظر على نطاق واسع الى ان البعد الاهم في المذكرة يتمثل في تأكيدها لأول مرة على ضرورة الاخذ بتطبيق كلي لمعاهدة الطائف. وهو ما يعني وضع السعودية واليمن على طريق تنسيق وثيق امنيا وسياسيا واقتصاديا. وبدأت وزارة الداخلية السعودية في ايلول العام 1995 قبول طلبات العمال اليمنيين للعودة الى اعمالهم في المملكة، وقد عادت اعداد منهم بالفعل. وكانت مغادرة العمالة اليمنية للسعودية العام 1990 قد تسببت في مضاعفات اقتصادية ضاغطة على اليمن، الذي كان لتوه قد عاد لتوحيد شطريه. وحسب احصاءات رسمية، فإن نسبة العاطلين عن العمل من اليمن قد تجاوزت في نهاية العام الماضي 23 في المائة من اجمالي القوة العاملة. واضافة لاحتضانها السابق لاكثر من مليون عامل يمني تحتل السعودية المرتبة الثالثة في قائمة الدول المصدرة لليمن بعد الامارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الاميركية. وفي خطوة عكست انفراجا في العلاقات الثنائية اتفق مستثمرون يمنيون وسعوديون في اواخر تموز الماضي على تأسيس مجموعة اقتصادية مشتركة للاستثمارات في مجالات الطاقة والزراعة والثروة السمكية، وفي مطلع آب الحالي قدم الامير سلطان بن عبد العزيز هبة مالية قدرها 2،12 مليون دولار لتشييد طريق داخل اليمن بطول 22 كيلومترا، وهي اول مساعدة مالية سعودية لليمن منذ ازمة الخليج. ويقول اقتصاديون في الخليج ان انجاز الاتفاق الحدودي بين السعودية واليمن سيجعل من السوق اليمنية اكبر سوق استهلاكية في المنطقة للبضائع والمنتجات السعودية. ويطمح اليمن بأن يؤدي الاتفاق مع الرياض الى اقامة منطقة حرة مشتركة على الحدود بين الجانبين، على غرار تلك المزمع اقامتها على الحدود العمانية اليمنية. ويستبعد المراقبون في الخليج ان يؤدي انجاز الاتفاق السعودي اليمني الى فتح الطريق امام دخول اليمن الى مجلس التعاون الخليجي، لكنهم يرون ان هذا الاتفاق سيرمي بانعكاساته المباشرة على علاقة صنعاء بكل من بغداد وطهران. كما سيدفع باتجاه اعادة رسم الدور المصري في الخليج والجزيرة العربية. عبد الجليل مرهون