دانييل بيل (Bell D.) هو عالِم اجتماع أميركي مولود سنة 1919 في نيويورك، من مجالات اهتمامه واختصاصه فلسفة التاريخ وتاريخ الفكر الاجتماعي والتنبؤ الاجتماعي والاتجاهات السياسية في تاريخيتها. وامتازت نظراته بتوفيقية واضحة وبمحاولات التقريب بين اتجاهات وتيارات تبدو متناقضة، وهذا ما عبر عنه في وصف نفسه باعتباره »اشتراكياً« في الاقتصاد، وليبرالياً في السياسة، ومحافظاً في الثقافة«. وقد شهدت حياته الفكرية المديدة تحولات لا تخلو من الغرابة والعجب على هذه الصعد جميعاً. أما في العقود الأخيرة فيغلب تصنيفه كأحد الممثلين البارزين في الولايات المتحدة »للمحافظين الجدد« (أو ما يمكن أن يسمى ب»المحافظية الجديدة«)، سواء في السياسة أو في الإيديولوجيا. وقد اشتهر بيل بصورة خاصة ومتميزة بعد وضعه نظرية »المجتمع بعد الصناعي«، التي باتت معلما مركزيا مهما في مسيرة الفكر الغربي، وباتت القاسم المشترك، تسمية، لنظريات أخرى متنوعة المشارب والعناوين الفرعية، وبات بيل بعد نظرته هذه ممثلا طليعيا بارزا لموجة التنبؤ الاجتماعي في الولايات المتحدة الأميركية، له تأثيراته على الرأي العام والحياة الفكرية فيها؛ وجاءت صياغة نظريته هذه سنة 1973 في كتابه المعروف »المجتمع بعد الصناعي المقبل.. ..«(1) وفيه يؤسس بيل، ويجدد التأكيدات لطموحات ومساعي ممثلي العلم (أو كما يسمون ممثلي »العلم الكبير«) من أجل المشاركة في إدارة المجتمع وقيادته. يعتقد بيل بوجود شرخ بين الثقافة والبنية الاجتماعية في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول، معتبرا ذلك ظاهرة شمولية كاسحة وطاغية، كما يعتبر الثقافة الغربية المعاصرة »ضد مؤسساتية« (أو معادية للمؤسسية) ومناقضة لمبادئ الاقتصاد الرأسمالي، لذا فهو يرى قيام »توتر اجتماعي« بين طلائع المثقفين وحملة المبادئ الاقتصادية الانتاجية والحكومية السياسية. وكرد على واقع عدم التطابق بين الثقافة والظواهر الروحية من جهة، والنظام القائم من جهة أخرى، يطرح بيل مسألة »التجنيد الفكري« وضروراته. ويرى بعض خصوم بيل أنه في »ثنائياته« إنما يعبّر في واقع الحال عن ازدواجية فعلية قائمة، وعن عدم توافق بين العمليات والظواهر الروحية الثقافية من جهة، والعلاقات التكنولوجية الجديدة من جهة أخرى، كما يعترضون على المنهجية (الميتودولوجيا) »التقنوية« لديه في تحليل ظواهر »الوعي« الاجتماعي، إذ إن بيل يطرح نموذجه الخاص في مجال فلسفة التاريخ بالارتكاز على تصورات معينة حول منجزات الألكترونيات وآثارها وعواقبها الاجتماعية. إن كثيراً من الآراء العائدة في جذورها الى عقلانية وأفكار هيغل ونظريات فيبر ترى في »الثقافة« و»الحياة الاجتماعية« نسيجا واحدا، أما بيل فيعتقد باستقلال هذين العاملين والمجالين المذكورين، بل وبتحرك كل منهما حسب قوانين خاصة به. إن »الانتاج والرموز الثقافية« »المجال المادي والمجال الروحي« في الحياة الاجتماعية متقابلان ومتعارضان من الداخل ويتجهان وجهات مختلفة. أما »المجتمع المعلومي« فيشهد فجوة أعمق بين الحياة الثقافية والحياة الاجتماعية. هذه الثنائية أو الازدواجية المادية الروحية في المجتمع هي أحد المكونات الرئيسة في منظومة بيل الفكرية. أما المكوِّن الهام الآخر في هذه المنظومة فهو »تعددية« من نمط آخر أيضا، وهذا ما تجسده مقولة علم اجتماعية (سوسيولوجية) خاصة يطرحها بيل، هي ما يسميه ب»المبدأ المحوري«، حيث حسبه لا تكون الظواهر مشروطة بعامل أو مؤثر وحيد، سواء أكانت هذه الظواهر (والمؤسسات) بنى وعلاقات اجتماعية أو عمليات وحوادث روحية، لأنها حسب فهم بيل متموضعة في »محاور« يختلف أحدها عن الآخر. إن تقسيم التاريخ لا يخضع لمبدأ محوري واحد، بل ثمة محاور عديدة لقراءته، ويطرح بيل »محوراً« آخر لفهم حركة التاريخ، مختلفا عن نظرية التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية الماركسية، يقدم ثلاث تشكيلات مختلفة كلياً هي التشكيلات: قبل الصناعية، والصناعية، وبعد الصناعية؛ ويرى بيل أن هذه التشكيلات قائمة بصورة مستقلة عن المحور الآخر (الماركسي) ولا تعتمد عليه، إذ إن علاقات الملكية هي المقياس الرئيس في هذا المحور الأخير. أما المحور الذي يطرحه بيل فيتحدد بالانتاج وبأشكال المعرفة المستخدمة؛ ويعلن أنه يطرح محورا »آخر« لقراءة وفهم التاريخ وحركيته لإغناء النظرة إليه وليس لدحض أو رفض المحاور الأخرى الممكنة في هذا المجال، بل إنه يصرح بموافقته من حيث المبدأ مع التقسيم الماركسي للتاريخ إلى تشكيلات معينة يتميز كل منها بنمطه الخاص في الملكية وشكل العلاقات الانتاجية، معترضا أساسا على »الواحدية« في تقسيم التاريخ، باعتبار تقسيم واحدي كهذا ذا طابع شكلي وشرطي، إذ تصبح اللوحة مختلفة كليا لدى أخذ »مبدأ محوري« آخر كالذي يقدمه؛ وهكذا يؤكد بيل أنه في نظريته الجديدة إنما يوظف ويجند سائر منجزات الفكر الاجتماعي الفلسفي السابق على تنوعه. إن آراء بيل في المجتمع »بعد الصناعي« ومن ثم المجتمع »المعلومي« تصب في الحالتين في نظريته التي تقسم التاريخ إلى ثلاث مراحل رئيسة: قبل صناعية، وصناعية، وأخيراً »بعد صناعية« أو »معلومية« المفهوم الأول من نتاج بداية السبعينيات، والثاني من نتاج بداية الثمانينيات (وذلك بتأثير تصاعد التيارات والأدبيات الغربية الاجتماعية الفلسفية التي تعالج مسائل »المجتمع المعلومي«)؛ وكان بيل يسعى جاهدا إلى أثبات اسبقيته وريادته في هذا المجال؛ ألم يتحدث عن سمات وعلائم »المجتمع بعد الصناعي« منذ السبعينيات؟ ها هي تتحقق الآن وتغدو ملحوظة وواضحة للعيان. إن الثورة في تنظيم ومعالجة المعلومات والمعارف التي يلعب الحاسوب دورا مركزيا فيها باتت توصف اليوم بمقاييس رمزية ومعايير محددة. هذا ما يؤكده بيل في مقاله بعنوان »الإطار الاجتماعي لمجتمع المعلومات« منشور ضمن مجموعة »عصر الحاسوب: رؤية عشرين عاماً«، في لندن، سنة 1981..(2). ما الذي يقصده بيل من طروحاته المتجهة من نظرية المجتمع »بعد الصناعي« الى »مجتمع المعلومات« تحديدا؟ إنه يقصد ما يلي: الانتقال من المجتمع الذي ينتج البضائع الى مجتمع الخدمات، واعتبار المعرفة النظرية مصدرا مركزيا للتجديدات في التكنولوجيا، وظهور »تكنولوجيا فكرية« جديدة. ويرى بيل ان الحياة كانت في المجتمع قبل الصناعي لعبة بين الإنسان والطبيعة، إذ تفاعل الناس مع الوسط الطبيعي أي مع الأرض والماء والغابات، وكانوا يعملون في مجموعات صغيرة. في المجتمع الصناعي يصبح العمل لعبة بين الإنسان والوسط الاصطناعي (أو الصنعي أو المصطنع) حيث يحتجب الناس وراء الآلات المنتجة للبضائع التي تغيّبهم. في المجتمع المعلومي، يصبح العمل قبل أي شيء آخر لعبة الإنسان مع الانسان (أي على سبيل المثال بين الموظف السائل صاحب المعاملة، وبين الطبيب والمريض، وبين المعلم والتلميذ). وبهذا المعنى يجري استبعاد الطبيعة من أطر الحياة العملية المعتادة، ويتعلم الناس العيش بعضهم مع بعضهم الآخر، وينشأ وضع جديد لا سابق أو مثيل له في تاريخ المجتمع من قبل. ويطبّق بيل جوانب مختلفة من نظريته وآرائه على »مجتمع المعلومات«، والحاسوب، والثورة التكنولوجية الجديدة، معتبرا ان »العلائم المحورية« تتغير في هذه الظروف، إذ إن للحاسوب قدرة على تغيير هيكل المجتمع كله وبناه الأساسية بكاملها أي المركَّب الإجمالي لفروع الحياة الاجتماعية، ويمكن في هذه الحالة فرز العوامل المستقرة وذات التأثير المديد. ويرى بيل في الحاسوب »رمزاً أو تجسيداً ماديا للثورة التقنية المندلعة«؛ وكما أن الكهرباء قامت بتغيير الحياة الاجتماعية كلها في النصف الثاني من القرن الماضي، كذلك يقوم الحاسوب بتدشين التجديدات الحالية، حتى الثقافية. ويعتقد بيل بأن الكهرباء هي التي ضاعفت مجمل الروابط والصلات الاجتماعية في حينها، إذ شكلت نمطا خاصا من المجتمع هو ما عرف لاحقا بالمجتمع الجماهيري أو العمومي. ولكن بيل بالإجمال يبقى أسير اعتقاد مفاده أن البشرية لا تملك أي نظرية مقنعة حول كيفية ترابط المجتمع من الداخل، وأنه لا يمكن إدارة أو تخطيط الاقتصاد أو المجتمع لأنهما منظومتان (نسقان) لهما طابع مفتوح؛ وتتغير »العلائم المحورية« بصورة غير توافقية، مما يحرم المجتمع السمات الضرورية اللازمة للكائن الحي. ماذا عن تقويم آراء بيل؟ هناك ملاحظات انتقادية جدية على رجوعيته إلى فوضى »العوامل المتعددة« في الفكر الاجتماعي، وعودته وراءً إلى العشوائية و»الذاتوية« في مجال فلسفة التاريخ باعتباره »يبعث« اللوائح المنسية لرسم حركة التاريخ ورصدها، وينفث الروح في الطرق والطرائق القديمة في تحليل ظواهر الثقافة والروح و»الوعي« الاجتماعي، بل والتطور الاجتماعي إجمالا. إنه يعيد الى الحياة بصورة معدلة »نظرية العوامل« التي حسبها تؤثر أسباب غير قابلة للتصنيف على التقدم الاجتماعي. وفي خصوص »مجتمع المعلومات« باعتباره مجتمع لعب الإنسان مع الإنسان، وفي خصوص نظرية اللعب في قراءة المراحل السابقة أيضا، يرى بعضهم أن هذه النظرات لا تعكس جوهر العمليات الاجتماعية التاريخية واقعيا: ففي المجتمع الأبوي (البطريركي) مثلاً، لم يكن ثمة وسط اصطناعي، إلا أن ارتباطات اللعب (أو الارتباطات اللعوب) بين أعضاء الجماعة كانت قائمة ووجدت منذ القديم. وأما العامل والمؤثر الطبيعي فلا يجري استبعاده وإقصاؤه لا في العالم الصناعي المعاصر ولا في مجتمع المعلومات المقبل. والذي يتعرض للانتقادات أو التقويم لدى بيل وغيره من المفكرين الغربيين ليس المشروعات التقنية والمستقبلية في أعمالهم ودراساتهم؛ بقدر ما تلك الجوانب ذات الطابع »السطحي أو الساذج« في نمط التفكير الاجتماعي، مثل تلك التصورات الكثيرة المنتشرة التي ترى في الحاسوب مساعدا ومعينا على حل أغلب المشكلات والإشكالات الاجتماعية بصورة شبه آلية وأوتوماتيكية كالجريمة والفساد والبيروقراطية والعداوات الاجتماعية والتناقضات الثقافية والعرقية بين الناس وفئاتهم الاجتماعية. لقد كان بعضهم قد مدح بيل على سعة آفاقه في نظرية »المجتمع بعد الصناعي« قياسا بمنظّري »المجتمع المعلومي«، ومنهم »سيرفان شرايبر« الفرنسي في كتابه »التحدي العالمي« (سنة 1980)، ولكن ها هو بيل ذاته يتعجل ركوب الموجة الجديدة بدوره ليبحر في خضم »مجتمع المعلومات« مع الآخرين. هذا هو غ.خ. شهنزاروف في كتابه »الى أين تسير البشرية؟« (سنة 1985) يتهم »سيرفان شرايبر« بتكرار بيل وآرائه ونظرياته، بل وحتى تسمياته و»أخطائه«، مع فارق أن »عالم المستقبل الفرنسي« تراجع وراء في بعض النواحي قياسا ببيل، إذ إن »شرايبر« نفى تماما أو استبعد مسألة الطبقات والتمايزات من هذا القبيل، في حين اعترف بيل بوجود وأهمية توزع القوى الفئوية على أرض الواقع وتأثيراتها الفعلية. ونُظر هنا الى »المجتمع المعلومي« (أو في صيغة أخرى المجتمع »المُعْلَم« بضم الميم وتسكين العين وفتح اللام أي الذي نُشرت فيه، واستبدت به المعلومات) باعتباره مقصرا عن مجتمع بيل »بعد الصناعي« من الناحية الفنية التقنية البحتة، بمعنى أن إنشاء وصنع تقنية الحاسبات، على الرغم من كونه أمرا عظيما، إلا أنه ليس الانجاز الوحيد للثورة العلمية التقنية، وهل تقل عنه أهمية، من حيث الآثار والعواقب الاجتماعية المحتملة، اتجاهات علمية وتقنية ثورية أخرى مثل الطاقة النووية والهندسة الوراثية والمواد والخامات الاصطناعية؟ أليس هناك أساس لإعلان المجتمع المقبل، ليس فقط مجتمع معلومات، بل ومجتمعا »مهندَسا وراثيا« (مجتمع الهندسة الوراثية) أو مجتمعا آخر من هذا القبيل؟ وكانت ميزة بيل في المفهوم الأشمل حول مجتمع »بعد صناعي«، بمقاربة أوسع وبعدم الانحشار في محور أساس وحيد لتغيير المجتمع وتغيره، أو الاقتصار على حقل محدد من حقول العلم والتقنية، بل بالتركيز على النشاط العقلي للإنسان بصورة اجمالية ككل، إلا أن بيل ذاته، كما لاحظنا، يدخل حلبة السباق في التنظير »لمجتمع المعلومات« الذي يغدو أكثر فأكثر، حاليا، القاسم المشترك لسائر نظريات ونماذج المجتمع »بعد الصناعي« على تنوعها واختلافها. (*) ليس هناك اختلافات مبدئية بين تقسيم بيل للتاريخ ومراحله: قبل الصناعية، والصناعية، وبعد الصناعية (أو »المعلومية« في حالة التحديد)، وبين تقسيم »آلفين توفلر« لهذه المراحل التاريخية الى موجات انطلاقا من »حضارة الموجة الثالثة«، لأن هذه المراحل ذاتها هي »موجات« ثلاث (حتى في العدد) لديه وهي: الزراعة، والصناعة، والموجة الثالثة (والزراعة هنا تقابل ما قبل الصناعة هناك)، ولكن النموذجين المذكورين يختلفان شيئا ما عن »مراحل النمو الاقتصادي« لدى »روستو« والتي هي خمسة: 1 المجتمع التقليدي، 2 الشروط المسبقة للانطلاق، 3 الانطلاق، 4 التوصل الى النضج، 5 عصر الاستهلاك الجماهيري المرتفع. ولكن النماذج المذكورة جميعا تشترك في تركيز الاهتمام على المراحل الحديثة والمعاصرة، وتتفق على فرز آلاف السنين من عمر البشرية تحت بند »صغير« هو »ما قبل الصناعة«، أو »الزراعة«، أو »المجتمع التقليدي« وذلك على التوالي؛ هل لحداثة الحضارة الأميركية برمتها تأثير من نوع خاص ومتميز على تشكيل نظريات المفكرين الأميركيين؟/ وللعلم فإن المذكورين جميعهم أميركيون: بيل، وتوفلر، وروستو. هوامش (1) The coming of post - industrial society. A venture in social fore casting, 3791. (2) Bell D. The Social Framework of Information Society. in: The Computer Age: a Twerty - Year Vieun. L., 1891, p. 661 - 091.