As Safir Logo
المصدر:

ترجمة جديدة ل»بطء« كونديرا المكتوبة مباشرة بالفرنسية العالم كاميرا هائلة والسرعة تحملنا الى النسيان(صور)

المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 1997-08-07 رقم العدد:7763

كان ذلك في العام 1975، حين استقل رجل مجهول، متن سيارة »رينو 5« قديمة، محملة بالكتب والخيبات الكثيرة والاليمة، ليغادر بلاده التي كانت تدعى تشيكوسلوفاكيا الشيوعية (اذا احببنا ان نضيف النعت هذا إليها). هذا الرجل المجهول يومها كان يسمى ميلان كونديرا (ولا يزال) وقد دفعته »رياح الحرية«، التي كان يبحث عنها، الى مدينة رين الفرنسية، بادئ الامر، ومن ثم بعد ما يقارب السنتين الى باريس، حيث اقام فيها منذ العام 1978. في العاصمة الفرنسية، اختار كونديرا منزلا يقع بالقرب من دار »غاليمار« الشهيرة، تلك الدار التي كانت قد اصدرت لتوها، الترجمة الفرنسية لروايتيه: »الحياة في مكان آخر« و»فالس الوداعات«. بعد مرور سنوات قليلة على اقامته هذه، جاءت »غبطة« المرحلة الميترانية، فقرر كونديرا وهو الذي كان مليئا بدوره بالغبطة ان يصبح مواطنا فرنسيا: كان لمنفاه طعم الانبعاث والقيامة، ولجواز سفره الجديد لون »المجد«. لم يتأخر هذا المجد عن المجيء، محولا الكاتب الى »ديفا« (Diva) وهذه الديفا الى ابي هول اولمبي (نسبة الى جبال الاولمب بالطبع، لا الى الالعاب الرياضية)، ابو الهول هذا، كان مصابا بالحساسية تجاه شاشات التلفزيون وتجاه المقابلات الصحافية، كان صامتا كبيرا مهيمنا على جمهورية الثرثرة الثقافية الفرنسية. لم يخرج كونديرا عن صمته وتحفظه هذين، الا في مناسبات قليلة، كأن يحيي فاتسلاف هافل بعد انتصار ثورته المخملية، من خلال نص رائع، او يدافع عن سلمان رشدي، او يدافع ايضا، عن سلوفاكيا المستقلة. كذلك خرج عن صمته، ليقول كم ان انبعاثه كان صحيا في بلاد معلمه الابدي والازلي »ديدرو« (ولا يخفى على القارئ، كم ان كونديرا معجب بالقرن الثامن عشر، الذي يمثل بالنسبة إليه، ذروة الثقافة الاوروبية). خط ماجينو ازاء ذلك كله، بقي امر واحد اساسي، على الاقل بالنسبة الى كاتب، وهو: اجتياز »خط ماجينو« اي اجتياز خط اللغة، بمعنى آخر تغيير لغته. وليعوّد كونديرا يده واذنه على هذا التغيير، بدأ صاحب كتاب »خفة الكائن التي لا تحتمل« بكتابة بحثين (بالقطارة) لكن كتابة رواية باللغة الفرنسية، مباشرة، كان بمثابة تحد محفوف بالمخاطر، لانه بالاضافة الى الافكار ينبغي ايجاد ايقاع للغة، والوصول الى موسيقاها الخاصة (وهذا بالمناسبة ما لم تنجح فيه مترجمة النص الى العربية، التي عدا بعض الاخطاء، لم تستطع القبض على الحالة الكونديرية، على كل، لست هنا في وارد مناقشة الترجمة، وانما هي اشارة فحسب). في العام 1995، نجح كونديرا في هذا التحدي، اذ اصدر رواية »البطء« (وان كنت شخصيا افضل كلمة »الهوينا« لانها اقرب الى المفهوم الكونديري في الكتاب). حين صدرت الرواية في باريس، بدت اكثر من مجرد حدث ادبي. كانت بمثابة »مأثرة«، كما كانت، وبخاصة، عملا رمزيا، لان كونديرا، بذلك، شطب نهائيا ذلك الماضي (البعيد!)، وهو يرقص، حقا، فالس وداعاته الاخير: وداع مسقط الرأس، وداع اللغة... كل هذا صحيح، لكن ميلان كونديرا لم يودع ابدا هواجسه الثقافية القديمة، اذ انها موجودة بأكملها هنا، وبشكل ملموم اكثر، وبشكل متفجر اكثر من ذي قبل. اذ انه، ومن »مصوب« بندقيته، يطلق النار على الاهداف ذاتها الموجودة في رواياته السابقة: الامتثالية المسطحة، انوية الحشود، طغيان الصورة، دكتاتورية الفرجة، فساد وانحراف عصر، حيث التحكم الاجتماعي المعمم والاخلاقية المطهرة، ولدا من فاشية جديدة، غير مرئية وقاطعة لفاشية الوعي. كذلك نجد ان كونديرا، لم يقطع مع شكله الروائي، الذي كان بدأه سابقا، وبخاصة مع رواية »خفة الكائن...« فهو اذا كتب رواية مع البحث (وهذا ما نظر له في »فن الرواية«) فلأنه يجد، ان الرواية، لم تستكشف بعد جميع الأراضي الخبيئة، كما لم تستكشف بعد جميع درجات الوعي، »البطء«، تستمر في البحث والغوص داخل اشكالية هذا الشكل والنوع، لتأتي بدورها، رواية بحث ذات تنويعات متعددة. هذا البحث او لنقل احداث الرواية يدور في قصر كبير يقع على شاطئ نهر السين (وهو يلعب دور الديكور للرواية بأسرها) وقد تحول مؤخرا الى فندق حيث قرر كونديرا ان يمضي فيه ليلة مع زوجته فيرا. في هذا القصر ذاته، وقبل قرنين من الزمن، كان هناك فارس شاب، قام بمغازلة سيدة، بوجود كاتب شاب، »متحرر« (يدعى فيفان دونون مؤلف كتاب »ليلة بلا غد« التي نشرت العام 1977) روى، فيما بعد قصة هذه العلاقة الخطرة. وكأن كونديرا، يحيلنا ايضا، الى رواية شادرلو دو لاكلو المعنونة: العلاقات الخطرة (اشارة جانبية: في النص العربي الصادر عن دار »ورد« في دمشق، ترتكب المترجمة مجزرة حقيقية في تعريب بعض الاسماء الاجنبية). في غرفته بالفندق، يستغرق كونديرا في حلمه بهذا الفارس الذي مارس الحب على انه فن البطء: ازاء ذلك، يدفعنا الكاتب الى ان نجد جميع اضداد حقيقتنا التي نُزع دماغها والتي تهب نفسها لشيطان السرعة. انها حقيقة تشمئز من نفسها ومهووسة برغبة النسيان بحسب قوله. فن النسيان مع هذه الفكرة، نكون قد امسكنا بالخيط الروائي العام: اي اننا امام جملة من التضادات وهي: البطء ضد السرعة، الذاكرة ضد التخدير، الحرية ضد التخبل. وفي »رقصه« (انتقاله) على هذا الخيط مثل بهلوان، يضاعف كونديرا امامنا الاستطرادات التي تتراكم فوق بعضها البعض، والتي تدافع الواحدة بعد الاخرى كأنها عاصفة آتية لاجتياحنا. وبين روايته لحكايتين من حكاياته، يتسلى الكاتب في تسلق خشبة مسرحه، كأنه محرك دمى يقفز خلف الكواليس. يتدخل في شخصياته، يفرض عليها قانون اللعبة، ويتفلسف بلا رابط. بعد كل حكاية واستطراد، نعود لنجد كونديرا قابعا في غرفته، ها اننا معه، حيث التلفزيون مضاء ونرى معه مرور اعلان جنسي بعض الشيء، اعلان يأتي ليطرد ما سبقه، ليطرد صورة طفل اسود، عظامه ظاهرة، كان يموت من الجوع. هل اتت صورة هذا الطفل من الصومال؟ لا احد يملك الوقت ليسأل، على كل، لم يعد التساؤل مهما، اذ ننسى كل شيء، كل ما سبق. في حضرة الاعلان الجديد، علينا ان نذهب بسرعة، بأكبر سرعة ممكنة، فما مضى اصبح من الماضي البعيد. في الطرف الآخر من الفندق، وفي جناح مخصص للاجتماعات، كان يدور مؤتمر لعلماء الحشرات، كان المؤتمرون الذين بدأوا لتوهم ينتظرون بفارغ الصبر مداخلة عالم تشيكي اضطهده الشيوعيون مطولا. ما ان يعتلي المنبر، حتى يعلو التصفيق احتفالا بهذا الثائر. يا لهذا الشجاع! ففي واقع الامر، ليس هذا الشهيد المستعار سوى شخص »فرغ من الهواء، ليس سوى جبان عارض الانشقاق عن طريق الصدفة وبسبب الجبن، يبدأ الكلام، لا يريد ان يتذكر تلك الازمان، ويبدأ في نحيب سخيف، ينهار ويبكي ويرحل تحت الاهازيج الحماسية والاحتفائية ناسيا ان يقرأ محاضرته عن الذباب. حكاية اخرى، بما ان الفرق العاملة في التلفزيونات كانت حاضرة لتشهد هذا المؤتمر، كان من المفترض اذا، ان يكون جاك الن بيرك حاضرا بين المدعوين، انه مثقف »خدعة صافية«، كذبة لا تتوقف عن وعظ الانسانية الحمقاء، شريطة ان يكون امام الكاميرات التي تبث الحدث بشكل مباشر. هل ان بيرك الذي يرسم صورته كونديرا هو »الفيلسوف« الفرنسي برنار هنري ليفي؟ (الذي يكون حاضرا في واقع الامر، في جميع المناسبات والاحداث التي يشهدها العالم، وبخاصة في حرب البوسنة!) ربما، اذ ان »البورتريه« التي يرسمها كونديرا، يشبهه جدا (على كل، انه مثال »للمثقف« الاوروبي المريض بالاعلام). كل الصفحات التي يكتبها كونديرا في وصف هذا »المثقف«، جديرة بأن تحفظ وتؤرخ، لم يكن بيرك وحده بالطبع، فعلى المقاعد الخشبية، نجد جميع مهرجي الاعلام الذين يطلق عليهم المؤلف لقب »الراقصين«، انهم ممثلون فاشلون، يتخفون بثياب قديسي الفضيلة. وما هي استراتيجيتهم؟ دفع الآخرين تحت اضواء البروجكتورات. كاميرا هائلة ثمة مشاهد ومشاهد تنبثق في رواية كونديرا. خلال هبوط الليل على القصر، لا يشعر كونديرا بالنعاس، كان يفكر بروايته، يشاهد في الاسفل، بعض الظلال التي تتسلل نحو البيسين، مرتدية ثياب السباحة. يرى العالم التشيكي وهو يتمدد على البلاط، حيث يبدأ سلسلة من التمارين الرياضية السخيفة لكي يظهر الى اي درجة، كان المنشقون من ذوي العضلات. كأننا نشاهد سولجنتسين في حضرة وودي الن. وعلى الطرف الآخر من البيسين، وكان هناك شخصان (رجل وامرأة) قد باشرا ممارسة نوع من المجامعة الفضائحية. في حين تظهر وبشكل مسرحي صديقة قديمة لبيرك، يتبعها عشيقها و»كاميرامان« في بيجامته. الكل يحذر من الكل، الكل يطلق »اناه« حتى لا يعود يستطيع ايقافها، التهريج سيد الموقف، انه السعر الذي علينا دفعه حين نريد تحويل الحميمية الى نوع من الفرجة، يقول كونديرا. ومن خلال هذه »المسخرة« المثيرة للشفقة، يوبخ كونديرا عالمنا، هذا العالم المدنس، المنذور لنظرته الفاحشة، انه عالم تحول الى كاميرا هائلة، حيث كل واحد منا يفتش عن صورته، قبح معمم على جميع المستويات. كأن كونديرا يتحول الى شخصية »ألسيست« لكنه »ألسيست« تائه في عالم الفيديو. من هنا، لا ينفك، وهو يظهر لنا هذه الكوميديا، عن مهاجمة الحقارة، التمسكن، القبح، انه يعري شخصياته لدرجة انهم يظهرون كما هم، عراة مثل الدود. شخصيات مضحكة، مثيرة للشفقة. اما بالنسبة الى »الراقصين«، لا يجد الكاتب سوى وسيلة واحدة، مجابهتهم بالبطء. البطء: انه السلام الوحيد الذي نستطيع ان نشهره في وجه ابطال السراب هؤلاء. ثمة امل »هش« في هذه الرواية المليئة »بالارتيابية المحرضة«، اذ، كيف يستطيع المرء العيش بالرغم من ذلك كله؟ كونديرا، الشخصية الموجودة في الكتاب، يقرر الفرار، وهو حين يختار ذلك، يكون قد اجاب عن ذلك. ليس الفرار وحده هو الحل، انما هناك الضحك ايضا، انها ضحكة رابليه ونيتشه وغومبرو فيتش. في عالمنا التافه هذا، وحدها الايعازات المضحكة تستحق الاصغاء. يقول، لكن، ينبغي الانتباه للذئاب، فبحسب ما يهمس له به »ملاكه الحارس« علينا ان نحذر، فالافراط بالجدية سيدعنا عراة امام الذئاب، وهذه الحيوانات موجودة في حقائبنا. انهم بائعو العواطف الطيبة، مخربو الرأي، منشقون اصحاب كروش، كذابو الاحسان والفرجة، الباحثون عن الاعلام، مخربو التاريخ، كذابون من جميع الاجناس، يتقدمون في حشود هادرة، في حين نجد كونديرا الخارج على القانون، يقف وحده ضد الجميع ليعقلن تهكماته القاتلة. (هل انه »ديسبيرادو« آخر؟). ضد الكذب منذ روايته الاولى، اختار كونديرا ليس فقط مساءلة الحضارة الاوروبية وانما ايضا الوقوف وحده، ضد الكذب الذي يلف عالمنا التافه هذا. كأنه احد ابطال اليونان القدامى، الذي يعود ليقف بيننا، في هذا الزمن الذي شارف على الانتهاء، لا اقصد هنا »نهاية التاريخ«، فالتاريخ لم يبدأ بعد عنده، اذ انه في كل مرة، يعود الى الوراء، ليكتشف حاضرنا. في روايته السابقة »الخلود«، قال كونديرا على لسان احدى شخصياته وهو ذلك الشخص الذي كان في حمام السونا ان الرواية، مثل فخذ بطة، علينا ان نتذوقها بهدوء. »البطء« ايضا، رواية بحاجة لان تقرأ بهدوء، والا ستنفجر في وجهنا. لانها بالفعل، قنبلة موقوتة يجب علينا ان نعرف كيف نتعامل معها، والذي على عجلة من امره، من الافضل له ان يشاهد بعض الاعلانات التلفزيونية المثيرة والمهيجة. لعله في ذلك يصل الى حيث لن يطرح سؤالا واحدا. اسكندر حبش

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة