As Safir Logo
المصدر:

لا عزاء لسعدي يوسف

المؤلف: بيضون عباس التاريخ: 1997-08-05 رقم العدد:7761

ذهب سعدي يوسف الى الفيلبين ليحمل من هناك جثمان ولده حيدر. رحلة سبقه اليها من سنين نزار قباني الذي حمل من لندن جثمان ولده توفيق. أشيلك يا ولدي فوق ظهري كمئذنة كسرت قطعتين انها رحلة شاقة أيها الشاعر، تمشي فيها على قلبك. تمشي على نفسكِ. ولن تسمع سوى خبط قدمك على قلبك ونفسك، سوى الخبط الأجوف الاصم. ما من غناء ينبعث، ما من رفة واحدة، ما من كلمة، لا شيء سوى ألم عار، ألم أجوف وأصم. لا ينجدك الآن احد او شيء ايها الشاعر، وأنت مصلوب على نفسك، تترك صخرتك لحملك نفسه. اذ لا شيء لديك الآن لتحطمه او ترميه سوى هذا الجسد الذي يتلقى الضربة دون صوت. رحلة شاقة ايها الشاعر لن يكون معك فيها حتى صوتك او قيثارتك. لن تصحبك فيها قافية واحدة ولن يعينك فيها حلم او رجاء. لا شيء حتى الدمعة. لقد هجروك جميعا ولن تحتاج في صعودك الا الى ظهر مكسور، لن تحتاج لغير قدمين داميتين، ولن يمكنك ان تصرخ في هذه الوحشة التي هي صفر من كل شيء، من كل اسم او نبتة او حقيقة او كلمة، لا هواء فلا تصرخ، سيحصل كل ما يحصل في جسدك الذي لن ينفجر. واصل صعودك، لست حتى شقيا، واصل صعودك الى حيث لا تصل آلهة ولا ملاك الى حيث لا يصل شيطان، فلك وحدك، لك وحدك هذه الجثة التي تنتظر في أعلى الجبل. ذهب سعدي الى الفيليبين ليحضر من هناك جثمان ولده حيدر، انتظر حتى سمحوا له بالمرور، قطع ثلاثة حدود، ثلاثة بحار، سار ثلاثة أيام. هذه ليست حكاية يا سعدي ولن تستطيع ان تكمل على هذا النحو. نسيت اوراقك في البيت. لن تكتب تحت الطاولة فيما يتجادلون في أمرك. لن تهرب الى ما تحت الطاولة يا سعدي، انها جثة، جثة فوق الطاولة وفوق الكتاب وفوق الاوراق. من يسمعني إذا أنا صرخت في مقامات الملائكة .......... لأن الجميل هو أول الرعب الذي نحتمله فحسب ونتقبله دوماً لأنه يترفع عن تدميرنا (من مراثي دوينو) هل تذكر هذه الأبيات من المرثية الاولى لريلكه الذي لا أحسب أنك أحببته كثيرا، لكنها ساعته يا سعدي، وهو وحده يخبرنا ان ليس يبقى سوى شجرة على المنحدر وعادة أليفة. الرعب بعد الجميل يا سعدي. الرعب نعم بعد كل هذه القصائد، بعد المعاشرة الفظة والطويلة لحانات العالم كلها ومقامات الغناء والكلمات، الرعب بعد تبديد النفس والعالم بالكلمات، الرعب ككلمة اخيرة صماء، الرعب بعد ملاعبة الموت بالرموز، الرعب كرمز اخير، ربما هو ايضا ذنب وفجور من يبذل نفسه كلها للفتنة والشغف، من يخرج عن الامر الصارم، عن مقامات الملائكة والشياطين، من سمعني اذا صرخت، لا أحد يا سعدي لا أحد. لكننا يا سعدي مع ذلك التقطنا من على المنحدر شجرتك الكاذبة. وعادتك الأليفة. ونعرف ان الرعب سيكون أقوى على من أسلفتهم الرموز والكلمات. اذ لا يمكن في النهاية ان يبقى العالم رمزا. لا أحد يا سعدي لا أحد. هو صك أبدي. الشاعر مباع للعذاب، وقدر الشاعر، لا أكثر أو أقل، قدر الانسان. عباس بيضون

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة