القاهرة عمرو ناصف: هل انتحر المشير عبد الحكيم عامر فعلاً، أم أنه قُتل؟ هذا هو السؤال الذي قرر البعض معاودة إطلاقه من جديد، في كتيبات ترافقت مع الاحتفالات بالذكرى ال45 لثورة تموز الناصرية. آخر ما جاء في هذا الخصوص، الحلقات السبع التي نشرها مجدي حماد على صفحات مجلة »آخر ساعة« التي تتحدث عن وجود وثائق جديدة عن اغتيال المشير عامر وضعها قبل 22 عاماً، مدرس التحاليل والسموم في المركز القومي للبحوث الدكتور علي محمد دياب بتكليف من المحامي العام آنذاك المستشار المحمدي الخولي، بناءً على طلب تقدم به المهندس حسن عامر شقيق المشير عامر. ومعاودة الكرة من قبل المهندس عامر في الوقت الراهن بفتح التحقيق والاستناد الى تقرير الدكتور دياب الذي يدّعي مقتل المشير عامر وليس انتحاره، هدفها وضع المتابع أمام احتمال وحيد يقول ان مَن قتل المشير عامر هو الفريق أول محمد فوزي أو الفريق عبد المنعم رياض، أو الاثنان معاً. فالذي جاء في تقرير الدكتور دياب، وفي الكتب التي غمرت الأسواق حول الواقعة، وفي كلام مجدي حماد، وفي أقوال حسن عامر، تشكك في أقوال عبد المنعم رياض بأنه لاحظ أثناء وجوده مع المشير في منزله يوم 13/9/67 أنه غافله ووضع شيئاً في فمه وراح يلوكه، فصرخ به »لقد خدعتني« وأخذه بالقوة الى مستشفى المعادي لإجراء الكشف عليه. بينما يقول أصحاب الرأي الآخر أن نجيبة ابنة المشير هي التي لاحظت وجود شيء ما في فم أبيها، وأنها هي التي ألحت على الفريق رياض ومن معه للإسراع بإسعافه. وفي موضع آخر يقول تقرير الدكتور دياب، ان أقوال اللواء طبيب مرتجي قائد مستشفى المعادي نصت على أن الفريق أول محمد فوزي اتصل بالدكتور المرتجي الساعة السادسة من مساء 14/9/67 وطلب منه طبيبا على وجه السرعة. ويفترض الدكتور دياب ان الفريق أول فوزي كان يعرف ان حالة المشير في هذه اللحظة كانت خطيرة. ولم يفسر الدكتور دياب سببا لافتراضه هذا. ماذا يقول الفريق أول محمد فوزي؟ في الجزء الأول من كتابه »حرب الثلاث سنوات« يقول الفريق أول فوزي في أمر ذهابه والفريق عبد المنعم رياض الى بيت المشير عامر يوم 13/9/67 انه ذهب لتنفيذ مهمة نقل المشير الى استراحة المريوطية (بعد الهرم)، تنفيذا لقرار من الرئيس عبد الناصر نظرا لنشاط المشير المريب. ويضيف: »توجهت ومعي الفريق عبد المنعم رياض واللواء سعد عبد الكريم وبعض الضباط من الحرس الجمهوري الى منزل المشير، وكان الضابط المناوب في ذلك اليوم هو العميد سعيد الماحي الذي اشترك معنا في هذه المهمة..«. ويضيف »وتناول المشير شيئا ما ووضعه في فمه وأخذ يلوكه مما لفت أنظار عائلته وبالذات ابنته نجيبة التي كانت واقفة بجواره فصرخت مشيرة الى ان أباها تناول سماً«. ويضيف الفريق أول فوزي انه حينما سمع بذلك أمر بسيارة إسعاف »ولكن المشير رفض، وركب سيارة عادية، وفي الطريق الى المستشفى طلب منه الفريق رياض إخراج الشيء من فمه، الذي قالت ابنته انه سم، ونجح أحد المرافقين في العربة بالاحتفاظ بما لفظه المشير في جيبه«، شكك تقرير دياب في ذلك، واستبعد أن يحدث. ويضيف الفريق فوزي ان »ما أخرج من فم المشير سُلم الى المعامل الطبية فور الوصول الى المستشفى، وإن اجراءات الاسعاف الأولية تمت للمشير الذي رفض اجراء غسيل معدة فأعطي مزيجا مقيئا في الفم، وحقنه للسبب نفسه، وأقر الاختصاصيون بأن حالته سليمة«. ويتابع الفريق أول فوزي »ونام المشير في استراحة المريوطية، وكان بلاغ طبيب الخدمة في تلك الليلة استمرار القيء، وألم في الأسنان، وكان المشير يطلب عصير غوافة باستمرار، ومساء الخميس 14/9/67 طلب اللواء الليثي ناصف المكلف بالحراسة والأمن اختيار استراحة أخرى تتوفر فيها ضرورات الأمن«، وأشار على الفريق فوزي بمعاينة فيلتين في المعادي. وأثناء المعاينة مساء اليوم نفسه وصل إخطار عاجل بانتحار المشير ووفاته وكانت الساعة 7 مساءً تقريبا. وعندما علم الرئيس عبد الناصر بخبر انتحار المشير أمر بضرورة اتخاذ كل الاجراءات القضائية وأن يتم التحقيق بمعرفة وزير العدل والنائب العام ومجموعة كبيرة من الاختصاصيين الشرعيين والنيابة العامة. الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل الذي عايش أدق تفاصيل أحداث المرحلة، تناول موضوع المشير في بعض كتاباته، وهو وإن لم يخض في تفاصيل واقعة الانتحار، فإنه لم يشكك أبداً في صحتها أو احتمال حدوث غدر أو قتل، واعداً بالحديث بالتفصيل عن هذه الواقعة إذا سمحت الظروف بإعداد كتاب عن السياسة الداخلية في مصر خلال تلك السنوات. وفي جزء »الانفجار« من كتاب »حرب الثلاثين سنة« يسرد هيكل تفاصيل الأوضاع على المسرحين السياسي والعسكري بعد نكسة 1967، فيهتم بالأوضاع النفسية وردود الأفعال المحسوبة وأيضا العشوائية، وذلك بدرجة لا تقل عن اهتمامه بتسجيل الحقائق المعلوماتية المدعومة بشهود المرحلة وبالوثائق. ومن أهم ما أورده هيكل على صعيد موقف عبد الناصر من المشير، مراحل الصراع الذي عاشه عبد الناصر يوم 5 حزيران ورغبته في إعفاء عبد الحكيم عامر وتعيين قائد عام جديد، وتعارض هذه الرغبة مع حرص عبد الناصر على الحد من التأثير المدمر لمثل هذا القرار على القوات المكشوفة في سيناء، والتي ستعتبر ان هذا القرار بمثابة الاعلان الرسمي عن الهزيمة بعد نصف يوم من القتال. لكن الأحداث كانت تتطور بشكل فاق في مأساويته كل التوقعات، ففي السادسة وعشر دقائق من صباح السادس من حزيران اتخذ المشير عامر أسوأ وأخطر قراراته الانفرادية، وأمر القوات المصرية بالانسحاب بدون خطة أو ترتيبات وقائية، مما زاد من حجم الكارثة. وفي اللحظة التي لم يجد فيها جمال عبد الناصر مهرباً من الموافقة على وقف إطلاق النار من دون ربط هذه الموافقة بضرورة انسحاب القوات الاسرائيلية الى المواقع التي كانت فيها قبل أن ينشب القتال، وكان ذلك صباح 8/6/1967.. فوجئ عبد الناصر باتصال هاتفي من وزير الحربية آنذاك شمس بدران، يرجوه المجيء الى مقر القيادة العليا لأن المشير عامر مصمم على الانتحار.. فذهب عبد الناصر، وكان ملخص حديثه لعامر »لا يجب أن نضيف الى المصيبة فضيحة«. وفي اللحظة نفسها التي اختمر فيها قرار الاستقالة في ذهن عبد الناصر، قرر إعفاء عامر من مهامه العسكرية. لكن عامر الذي كان قد تفهم ووافق على تنحي عبد الناصر حينما كان التنحي فكرة أولية فكّر خلالها عبد الناصر بإسناد مهامه الى وزير الدفاع (شمس بدران)، ثار وهاج وماج بعد إعلان قرار التنحي وورود اسم زكريا محيي الدين خلفا لعبد الناصر.. والواضح من ذلك هو يقين عامر من أن وجود شمس بدران في الحكم، يعني وجود عامر شخصيا، وهذا غير وارد مع زكريا محيي الدين. ثم زاد موقف عامر اضطرابا وتعقيدا، بعد قرار العودة عن التنحي من دون أخذ رأيه، وكذلك أغضبه جدا تغيير القيادة العليا كلها وإحالة 100 ضابط الى الاستيداع من دون سؤاله. لقد كانت هذه الاعتراضات هي ملخص حديث عامر لعبد الناصر في لقائهما الذي تم يوم 15/6/67 بحضور هيكل، ذلك اللقاء الذي اقترح فيه عبد الناصر على عامر الاستمرار في العمل السياسي من دون أي دور عسكري، وهو الاقتراح الذي رفضه عامر طالبا العودة الى دوره السياسي والعسكري أو البقاء خارج كل شيء. ولم يكن من الصعب على عبد الناصر أو هيكل إدراك حقيقة ان عامر ليس بالشخص الذي يقبل أو يرضى بالانزواء بهذه البساطة. وبالفعل، كانت اتصالات وتحركات رجال عامر وعلى رأسهم شمس بدران، تمضي على قدم وساق، على أمل إحداث انشقاق في صفوف الجيش. وقد بذل عبد الناصر قصارى جهده لإثناء عامر عن مخططاته، وذهب إليه بنفسه وزاره في بيته الذي كان قد حوّله الى قلعة عسكرية مدججة بالرجال والسلاح، وطلب منه أن يضع مصلحة البلد فوق أي اعتبار، وأن يسمح بتسليم الضباط المتمترسين في بيته الى الجهات المختصة للتحقيق معهم، لكن عامر رفض واعتبر ان ذلك الطلب يمس رجولته، وهكذا فشلت مساعي عبد الناصر، كما فشل من قبله الفريق أول محمد فوزي، والفريق عبد المنعم رياض، وأنور السادات وهيكل الذي روى مشاهد الضباط والجنود الذين رفعوا لافتات أمام بيت عامر كُتب عليها: »مكتوب على قلوبنا عامر محبوبنا«. في 19/8/1967 تلقى جمال عبد الناصر تقرير معلومات من المخابرات العسكرية، يقول ان بعض المحيطين بعامر رسموا خطة يتمكن من خلالها من الذهاب الى الجبهة ليتخذ طريقه الى مقر المنطقة الشرقية، ويعلن عودته الى القيادة العامة للقوات المسلحة، ويتفاوض مع عبد الناصر من موقع قوة على ترتيبات جديدة، وقد كتب عامر رسالة كان قد عقد العزم على توجيهها الى الشعب، وقد ضبطت هذه الرسالة وتم التحفظ عليها وهي بخط يده. كان لا بد من تدخل حاسم وحازم من جانب عبد الناصر لتلافي حدوث أي صدام بين أفراد القوات المسلحة فتم ترتيب لقاء بينه وبين عامر في منزل عبد الناصر، على أن تنفذ في الوقت نفسه خطة يتم من خلالها السيطرة على بيته، الذي اعتقل فيه بعد الاقتحام 61 فردا، كما ضبطت كمية من مدافع (آر. بي. جي) و240 قطعة سلاح من مختلف الأنواع و11 صندوقا من القنابل الحارقة و27 صندوقا للذخيرة، كما ضبط البيان الذي سبق الحديث عنه. كانت السيطرة على البيت مفاجأة لم يحتملها عامر، فانهار أثناء اللقاء الذي حضره مع عبد الناصر أنور السادات وحسين الشافعي وزكريا محيي الدين. وقد وصل الأمر بعامر الى الصراخ والبكاء وذلك قبل أن يطلب الذهاب الى الحمام، ليعود بعد دقيقتين، ويقول للحاضرين أن يبلغوا عبد الناصر (الذي كان قد صعد الى الطابق العلوي) أنه أراحه من مشكلة عبد الحكيم عامر. ويضيف انه تناول سماً وانه سوف يموت خلال دقائق، وقد أسرع إليه السادات محاولا إخراج شيء كان يمضغه (قيل بعد ذلك انه أفيون) وقام أطباء منزل عبد الناصر بإجراء الاسعافات الأولية، لكنهم أدركوا سريعا ان عامر لم يكن صادقا في ادعائه بالانتحار. إن الطلب الذي تقدم به المهندس حسن عامر الى النائب العام لإعادة فتح التحقيق، تمت إحالته الى المستشار عادل فهمي النائب العام المساعد، لفحصه، وإعداد تقرير حول جديته من عدمها، وهذا من اختصاص النيابة العامة، التي لا شأن لها في هذه الواقعة، بما يعلنه حسن عامر من انه إذا فتح التحقيق فسوف يقدم وثائق مذهلة تكشف أسرار النكسة. وعلى أية حال، فإن بعض المراقبين في مصر يتساءلون عن السر في محاولة فتح ذلك الملف الذي أشبع بحثا وتحقيقات، ويتساءل بعضهم، هل الهدف هو جذب أنظار الناس عن أمور أخرى؟