As Safir Logo
المصدر:

العلويون في تركيا: من هم؟ ماذا يريدون؟

المؤلف: نور الدين محمد التاريخ: 1997-08-02 رقم العدد:7759

لم تكن أحداث 12 آذار/مارس 1995 في حي غازي عثمان باشا من ضواحي اسطنبول، الأولى التي تتخذ طابعا سنيا علويا، فقد سبقتها اضطرابات قهرمان مارش عام 1978، وأحداث سيواس عام 1993، وقبلهما أحداث ديرسيم عام 1938، إلا ان ما جرى مؤخرا طرح، بقوة اكبر، »المسألة العلوية« في تركيا بطريقة يصعب تجاهلها، او على الاقل عدم أخذها بجدية كافية، من قبل السلطة، التي غالبا ما كانت الطرف الآخر من المعادلة. لكن من هم العلويون؟ وما هي ثقافتهم وطقوسهم؟ وما هي طبيعة المطالب التي يرفعونها وأهميتها على الصعيدين الداخلي والخارجي؟ وكيف تنظر اليهم رئاسة الشؤون الدينية (السنية) وحزب »الرفاه«؟ وما هي ردة فعل الدولة على تحركاتهم؟ الى ما هناك من أسئلة تكاثرت وتزاحمت. يوجد في تركيا، على الصعيد العرقي، ما يقارب 66 قومية، يتراوح عدد كل منها ما بين الملايين والمئات من الاشخاص. الا ان 21 منها تعتبر أعراقا أساسية، مع غلبة واضحة للعرقين التركي والكردي. وإذ يناهز عدد المسلمين فيهم 99 في المئة، إلا ان الخريطة المذهبية في تركيا تتوزع بصورة رئيسية على الطائفتين السنية والعلوية، وكلتا الطائفتين تحضر بهذه النسبة أو تلك لدى معظم الأعراق التركية. وإذا كانت التقديرات تشير الى ان ثلثي السكان هم من السنة، فإن غالبية الثلث الباقي، تنتمي الى الطائفة العلوية. يتوزع العلويون أساسا على ثلاثة أعراق: العرب والأكراد ثم، حيث اكثريتهم: الأتراك. يُطلق على العلويين العرب كذلك اسم النصيريين. وفي منطقة أضنة يطلق عليهم »الخادم العربي« كما يطلق الأتراك عليهم لقب »قيزيل باش« أي الرأس الاحمر. يناهز عدد العلويين العرب، حسب بعض التقديرات المتحفظة، حوالى ال250 ألفا. ويتركزون، بمعظمهم، في لواء الاسكندرون، وحوالى 30 ألفا في أضنة و12 ألفا في مرسين، الى عدة آلاف في اسطنبول وأنقرة وغيرهما. ولغتهم الأم هي العربية ثم التركية. أما العليون الأكراد فيُقدرون بحوالى 30$ من مجموع الأكراد اي حوالى أربعة ملايين نسمة، ويتركزون في محافظات بينغول، تونجيلي، ارزنجان، سيواس، يوزغات، إيلازيغ، ملاطيا، قهرمان ماراش، قيصري وتشوروم. كما توجد أعداد منهم في محافظات آدي يمان، غازي عينتاب، هاتاي (اسكندرون)، قير شهر، نيفشهر، صمصون وطوقات. لغة العلويين الأكراد الكردية، كذلك يتكلم قسم منهم اللغة الزازائية. وقد شارك الأكراد السنّة، الأتراك السنة، في قمع انتفاضة ديرسيم العلوية عام 1938. ويوجد العلويون الأتراك في منطقة الأناضول الداخلي وفي غربه مع وجود قليل على البحر الأسود. أما المحافظات التي يقيمون فيها بكثافة فهي: سيواس، طوقات، يوزغات، نيفشهر، تشوروم، أماسيا، قهرمان ماراش وأرزنجان، كما يوجد علويون تركمان في مناطق: قارص، سيواس، يوزغات، طوقات، أوردو، تشوروم، باليق أسير، أزمير ومغلا. يُطلق على العلويين الأتراك أسماء عدة منها: العلويون والرؤوس الحمر (قيزيل باش)، والتركمان، فيما يسمّون هم أنفسهم بالعلويين فقط. الا انهم يطلقون كذلك على أنفسهم أسماء محلية تبعا للمناطق التي يقطنون فيها مثل: نالجي، عبدال، طالبي، ألتشي.. الخ. ويُرجّح ان كلمة قيزيل باش كانت مستخدمة على نطاق واسع قبل القرن الخامس عشر للميلاد، عندما بدأ يشيع استخدام كلمة علوي بدلا منها دون ان تحل محلها بصورة نهائية. ويقدّر عددهم ب13 14 مليونا. ولا يرد ذكر مصطلح »علوي« في الاحصاءات الرسمية، ويرجح البعض ان يكون عدد العلويين الاجمالي بين 10 و14 مليونا، الا ان غالبية التقديرات تشير الى ان عددهم يناهز 18 20 مليونا. أما العلويون انفسهم فيرفعون العدد الى 25 مليونا. المعتقدات العلوية ليس من معلومات موثوقة عن معتقدات العلويين في تركيا وطقوسهم، فهم كتومون إزاء الآخرين، ويتبعون شعارا لهم: »أخفِ ما رأيته، لا تقل ما لا تراه«. ولكن ليس من فرق واضح، من زاوية دينية، بين العلويين ومريدي الطريقة البكتاشية. وعلى هذا يحتل المتصوف الكبير والشاعر حاجي بكتاش المكانة الرئيسية في العقيدة العلوية، وقد عاش بين عامي 1210 و1270/ 1271 للميلاد. وهو من مواليد نيشابور بخراسان الايرانية من أب اسمه محمد وأم اسمها خاتم خاتون. تلقى دروسه على يد المتصوف الكبير أحمد يسوي. وقد كلّفه الحكام الأتراك في آسيا الوسطى مهام سياسية في الأناضول فتجول في مدنه وشرع ينشر طريقته مستقرا في منطقة نيفشهر وفي قضاء سولوجا قره هوييك الذي يسمى الآن »حاجي بكتاش«. وقد وجد حاجي بكتاش تجاوبا كبيرا في أوساط التركمان، وشارك في الحروب الداخلية ضد سلاجقة الأناضول. لكن السلاجقة انقسموا الى 12 إمارة، وظهر أورخان بك من بينهم قائدا قويا فتعاون معه حاجي بكتاش وأسس جيشا نظاميا، كتب حاجي بكتاش نشيده وأطلق عليه اسم »الجيش الجديد« أو يني تشري. وكان ذلك بداية لعصر نهضة الأتراك. ويشير مؤرخو الأناضول الى ان الاتراك بدأوا في القدوم الى الأناضول في القرن الحادي عشر. وأثناء هذه الهجرات جاء الى الأناضول شيوخ مرتبطون بطرق دينية مختلفة أسسوا زوايا، وعندما أتى حاجي بكتاش، كانت معظم هذه الزوايا ذات اتجاه شيعي فقام بمزج فكره وفكر هذه الزوايا. والاتجاه العام هو ان الفكر البكتاشي والفكر العلوي كانا متناغمين إلا في بعض التفاصيل الثانوية. ويمكن تكثيف العناصر الأساسية للمعتقدات العلوية البكتاشية في تركيا كما يلي: } العليون الأتراك ليسوا مذهبا فقهيا في الاسلام، ولكنهم التيار الصوفي الأقوى. } يحتل الامام علي بن أبي طالب(ع) موقعا أساسيا لدى العلويين، ويعتبرون ان حقه في الخلافة قد سُلب منه. وهم يؤمنون بالأئمة الاثني عشر، لكنهم ليسوا شيعة جعفرية. } في المقابل فان العلويين يعتقدون بأن الله ليس بحاجة الى التعظيم. والعنصر الأساسي في طقوسهم، التي يصاحبها إيقاع موسيقي بآلة الساز، هو الانسان. } ان هذه العبادة، التي تتخذ من الانسان »مركزا« تقوم على أساس نظرة الإنسان الى الآخر، في وجهه. لذا فإن المشاركين في الطقس لا يجلسون، كما في الجامع، صفوفا مستقيمة بعضها خلف بعض، بل في صفوف دائرية. } يؤدي العلويون عبادتهم في غرفة كبيرة تسمى »بيت الجمع«. وهم لا يبنون جوامع لأنهم يقولون انه لم تكن توجد جوامع في عهد الرسول(|)، وان أول جامع بُني في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وعلى هذا فإن الميت، مثلا، يُنقل عادة من البيت الى »بيت الجمع« ومنه الى الجبانة، او من البيت مباشرة الى الجبانة. } مع ذلك فإن احد الزعماء العلويين بادر قبل سنوات ببناء أول جامع في محافظة »تشوروم« وسمّاه جامع أهل البيت، وهذا يحدث لأول مرة منذ ألف عام. ويعلّل هذا الزعيم، وهو النائب السابق جمال شاهين، بناء الجامع بقوله: »ان جوهر مذهبنا هو الامام علي وأهل البيت والأئمة(ع). وقد سقطوا جميعا، قتلا او تسميما، من اجل القرآن والشريعة. وفي هذه الحال نحن لسنا ضد الجامع. لذا بنيت في قريتي ميلوني بمحافظة تشوروم جامعا وفي العيد قمت أنا بإلقاء أول عظة..«. } يتمتع الرجل والمرأة بمكانة متساوية في الحقوق. والتزاوج بين العلويين والسنّة نادر. ولا يحبذ العلويون تزويج بناتهم لشبان من السنّة، خوفا من حرمانهن من ممارسة تقاليدهن العلوية. ومقابل تسمية السنّة للعلويين ب»الرؤوس الحمر« فإن العلويين يطلقون على السنة أحياناً لقب »الرؤوس السود«. من العثمانيين إلى إعلان الجمهورية يظهر العلويون الأتراك في التاريخ السياسي للدولة العثمانية، كمناصرين وأتباع ودعاة للدولة الصفوية الشيعية في إيران، ولكنهم ذهبوا ضحية الصراع الصفوي العثماني حيث أعمل فيهم السيف كل من السلطان بايزيد الثاني عام 1511 في أثر ثورة »شاه كولو« الذي استولى أتباعه على معظم وسط وجنوبي الأناضول، والسلطان سليم الأول الذي ذبح في العام 1513 الآلاف منهم في الأناضول وهو في طريقه لمحاربة الشاه الصفوي اسماعيل. واستمر الاضطهاد العثماني للعلويين الى سقوط الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية عام 1923. وتعتبر علاقاتهم مع مصطفى كمال أتاتورك هامة لجهة تفسير تطور المسألة العلوية في تركيا الآن. يقول المفكر العلوي رضا زيليوت، ان العلويين الذين اعتُبروا في العهد العثماني العدو الأول للسلطة، كانوا في وضع أسوأ من وضع كل الأقليات الاخرى، لهذا قابلوا، بسرور، إعلان حرب التحرير الوطنية التي بدأها مصطفى كمال، كما ضد الحلفاء، كذلك ضد الحكومة العثمانية. ودخل زعيماهم جمال الدين شلبي (مات قبل إعلان الجمهورية) وصالح نيازي، في علاقات مع مصطفى كمال. وقد دعم ولي الدين شلبي، شقيق جمال الدين (1867 1940)، أتاتورك بكل قواه خاصة في بيان شهير له في 25 نيسان/أبريل 1923. يعتبر العلويون اعلان الجمهورية نهاية لاضطهاد الدولة لهم، لذا ينظرون باحترام كبير لمؤسس الجمهورية العلمانية في تركيا مصطفى كمال أتاتورك. مع ذلك، استمر العلويون في حذرهم من السلطة، واستمروا بعيدين عن الوظائف العليا وعاطلين عن العمل. وبدءا من الستينيات بدأت مرحلة »الخروج الى النور« عبر نشر الشعر والموسيقى العلوية، في أوساط الشباب. وكان انقلاب 12 أيلول/ سبتمبر 1980، محطة مشؤومة بالنسبة للعلويين، اذ ان قادة الانقلاب عملوا على تعزيز الاتجاهات الاسلامية السنّية وفرضوا التدريس الاجباري لمادة الدين (على المذهب السني الحنفي) في جميع المدارس ومنها مدارس العلويين، وشجع تشييد المساجد في القرى والمناطق العلوية، ومارس قمعا لحركات الإحياء العلوي. البيان العلوي وشهد آذار/ مارس من عام 1989 حدثا فكريا سياسيا هاما تمثل في إصدار عدد كبير من المثقفين الأتراك والأكراد من مختلف الانتماءات الدينية والطائفية والعرقية والسياسية، بيانا عُرف ب»البيان العلوي« وطرح فيه لأول مرة في تركيا وبجرأة نادرة المسألة العلوية على النحو التالي: } ان العلوية جناح من الاسلام الموجود في تركيا. } يعيش في تركيا عشرون مليون علوي. } ان المسلمين السنة في تركيا لا يعرفون شيئا عن العلويين. بل تحكم سلوكهم الأحكام المسبقة والشائعات التي انتشرت منذ العهد العثماني وما زالت. وليس من حق هذه الذهنية العثمانية ان تعيش في هذا العصر. } ان رئاسة الشؤون الدينية تمثل فقط الاسلام السنّي في تركيا. } في المقابل، تعمل الدولة على تجاهل وجود العلويين، وإظهار تركيا على انها دولة سنية في حين ان ثلث السكان هم من العلويين. } مع ان اضطهاد العلويين انتهى مع تأسيس الجمهورية، الا ان الضغوط النفسية والسياسية والاجتماعية ما زالت مستمرة بحيث لم يستطع العلويون بعد استخدام حقهم في حرية التفكير والمعتقد الديني والقناعات التي كفلتها شرعة حقوق الانسان والمادة 24 من الدستور التركي. } ان الاعلام بمختلف وسائله لا يقدم معلومات كثيرة عن العلويين: رجالهم، اعيادهم، أشعارهم، موسيقاهم وفولكلورهم. } على الدولة منع الرئاسة الدينية من إقامة جوامع في القرى العلوية أو إرسال أئمة مساجد اليها. } هناك دعاية ضد العلويين في المدارس. ويجب إلغاء مادة الدين الاجبارية في المدارس لأن هذا يخالف مبدأ علمانية الدولة. } ان الظروف المعادية للعلويين تؤثر على أعضاء الحكومة والبرلمان الذين يخافون حتى من لفظ كلمة علوي. } ان الدولة تجهد للمزج بين العلوية والفكر الشيعي في إيران اليوم. هذا خطأ. ولا شبه بين علويي الأناضول وشيعة إيران. إزاء الاضطهاد المتجدد ضد العلويين في الثمانينيات، قام العلويون بمحاولات لإثارة أوضاعهم ودفعها الى العلن. المفكر العلوي جمال شينير يشير الى الرفض الكامل لنظام 12 أيلول/سبتمبر 1980 للوجود العلوي بصورة لم تكن موجودة من قبل، في حين يعتبر المفكر والزعيم العلوي المعروف عز الدين دوغان، ان حديث رئيس الجمهورية الراحل طورغوت أوزال عن احداث باكو عام 1990 لدى دخول الدبابات السوفياتية وسحقها الثورة بالقول: »انهم شيعة، ونحن سنة« أظهر الخلل الكبير جدا في إدارة الجمهورية التركية. وهذا أرغم العلوية في تركيا على الاندفاع الى الواجهة. ويقول دوغان: ان احداث أذربيجان دلّت على ان رئيسنا يقوّمها من منظار سنّي علوي، مما ادى الى إدخال المسألة العلوية في قائمة اهتمامات تركيا. ويؤكد دوغان ان استمرار طريق المعاصرة الذي أسسه اتاتورك، يتوقف على القدرة على مناقشة المسألة العلوية وإيجاد حلول لها. ويرى دوغان ان المسألة العلوية في تركيا مهمة جدا لجهة خياراتها الاستراتيجية: فتركيا لن تجد مساعدا لها لدخول المجموعة الاوروبية أفضل من العلوية، لأن الغرب لن يُدخل الى بيته دولة تعتنق الاسلام وفقا للمذهب السني. لكن بنيةً يكون للفكر العلوي سيطرة عليها ستكون موضع ترحيب. وهذا الفكر يجب ان يتجسد بطريقة مناسبة دون تأخير. ويتقاطع كلام دوغان مع كلام آخر لرضا زيليوت عندما يقول: »إن العلويين هم احدى القوى الأساسية التي أسست الجمهورية التركية، والى جانب القوى العلمانية والديموقراطية فإن الوحدة الفعلية لتركيا ممكنة عبر إحياء العلويين لثقافتهم بكل أبعادها. ويقول المفكر الآخر تشيتين يتكين ان العلويين بغالبيتهم أتاتوركيون وعلمانيون، ومن هذه الناحية هم ضمانة للعلمانية التي تتعرض اليوم للخطر في بلدنا. المطالب العلوية تكاثرت في السنوات الأخيرة الجمعيات التي تُعنى بإحياء الثقافة العلوية، وهي مظهر من مظاهر الوعي الذي يزداد للهوية العلوية والرغبة في الحضور على الساحة السياسية والاجتماعية في تركيا، علما بأن حضورهم الاقتصادي قوي جدا. برزت المطالب العلوية بصورة واضحة ومحددة من بيان مشترك أصدره كل من: علي دوغان رئيس وقف ثقافة حاجي بكتاش في أنقرة، وقهرمان آيتاتش الناطق الرسمي باسم الوقف، وأحمد شاهين رئيس شعبة أنقرة في جمعية التعريف بثقافة حاجي بكتاش ولي. وقد نشرت صحيفة »حريّت« في عددها الصادر في 30/10/1994 الخطوط الرئيسية للبيان وفيه: إلغاء ايديولوجية الدولة السنّية وجعل الدولة مدنية. رفع دعم الدولة لرئاسة الشؤون الدينية ومواجهة كل طائفة بنفسها لاحتياجاتها الخاصة بالعبادة والمعتقد. وبالتالي قطع كل الدعم المخصص من الميزانية العامة. وفي ذلك خدمة للسلم الأهلي. يجب تطبيق مفهوم الدولة العلمانية بصورة كاملة غير منقوصة. ومعاقبة الأفكار المعادية للعلمانية وبالتالي للديموقراطية لكي تحيا العلمانية والديموقراطية. يجب إلغاء التعليم الديني السنّي من المدارس من اجل ضمان فعلي للسلام الأهلي. تغيير المواد المخالفة للعلمانية ولمفهوم المجتمع المدني والديموقراطية من الدستور. رفع الحظر السياسي عن المنظمات الجماهيرية الديموقراطية وطلاب الجامعات ورجال العلم والعمال. إنهاء سيطرة عرق محدد وتوسيع حقوق المواطنية. يجب التطبيق الكامل من دون نقصان أو قيود، للمواثيق الدولية في بلادنا. موقف السنّة والدولة وتبدو مطالب تشريع تأسيس »بيوت الجمع« اي مراكز العبادة والثقافة عند العلويين، او تمثيلهم في رئاسة الشؤون الدينية، او إقامة رئاسة شؤون دينية مستقلة خاصة بهم، وإلغاء تدريس مادة الدين في مدارسهم على الأقل، هي المحور الأكثر حساسية من هذه المطالب. رئيس رئاسة الشؤون الدينية في تركيا محمد نوري ييلماز يقول حول مطلب تمثيل العلويين في الرئاسة الدينية (ميلّييت 15/11/1994): »ان الرئاسة ليست مدافعا عن مذهب محدد. انها ممثلة للإسلام. وكما ان الرئاسة لا تعامل أحدا بصورة استثنائية فهي لا تنظر بحرارة الى مطالب المعاملة الخاصة«. ويرفض ييلماز الاعتراف بالعلوية دينا او مذهبا اسلاميا: »ان ادعاء كونهم امتدادا في الأناضول للمعركة السياسية التي بدأت قبل 1400 سنة لا يفيد إنساننا في بلدنا اليوم بشيء. نحن مقتنعون بأن الصورة العلوية التي يحاول المثقفون العلويون تعميمها في الاعلام والصحافة، خاطئة، ان إظهار العلوية كدين جديد او كمذهب جديد والمطالبة بحل هذه المسألة ناتج عن عدم المعرفة بمسيرة العلوية«. وكانت مجلة رئاسة الشؤون الدينية قد نشرت في مطلع العام 1992، مقالة لحسين تشيليك جان ينتقد فيها بشدة العلويين: »يقولون ليتمثل العلويون في رئاسة الشؤون الدينية. كم ذلك خاطئ. هل العلويون دين؟ لا. هل هم مذهب؟ لا. هل هم طريقة؟ لا. إذاً لماذا وكيف سيتمثلون؟«. ويتحدث باللهجة نفسها أمام احد الجوامع قائلا: »ليس من شيء اسمه العلوية. إنهم مواطنون أتراك. ولا وجود لهذا المذهب. وعددهم لا يتجاوز سبعة ملايين«. ويقول أحد المؤذنين: »لا شيء اسمه علوية. كل واحد كان مسلما. حتى الجمهورية الأولى كانت مسلمة في الصفحة الاولى من الدستور«. أما أركان الدولة، فإنهم يتعاطون بحذر شديد مع »الصحوة العلوية«، فهم، من جهة، مع الخط التقليدي السني في الدولة، ومن جهة ثانية لا تستطيع أحزابهم العلمانية التخلي عن قاعدتها الأساسية المتمثلة في الأصوات العلوية. رئيس الجمهورية سليمان ديميريل أرسل مرارا إشارات انفتاح على العلويين عبر مشاركته، وقد حدث ذلك للمرة الاولى بتاريخ تركيا، في احتفالات حاجي بكتاش العلوية في 16 آب/ اغسطس 1994. وفي السادس من تشرين الاول/ اكتوبر 1994 استقبلت رئيسة الحكومة حينها طانسو تشيللر، بعضا من ممثلي العلويين. كما يعرب الزعيم السياسي الوزير السابق ييلديريم آقتونا عن ضرورة التجاوب مع المطالب العلوية ومنها تشريع بيوت عبادتهم وتمثيلهم في رئاسة الشؤون الدينية وفتح معاهد لتخريج أئمة خاصة بهم »ده ده لر«. ويعلّق آقتونا بأنه توجد في تركيا أماكن عبادة للمسيحيين واليهود، مع تشريعات واضحة بذلك، فيما لا تتوافر هذه الامكانية للعلويين الذين ما زالت مراكز عبادتهم تعمل بصورة سرية ومغلقة. ويدعو آقتونا الى »ضرورة تصحيح هذا الخطأ.. لقد تغيرت تركيا«. ولا بد، لذلك، من تغيير القوانين المتعلقة بالزوايا والتكايا الدينية. * * * تضيف »المسألة العلوية«، بندا أساسيا الى »لائحة« القضايا المصيرية التي تشغل بال تركيا وأهمها المسألة الكردية والنزاع العلماني الاسلامي، والمشكلة الاقتصادية، اضافة الى بؤر التوتر الاقليمية المتعددة مع اليونان وفي قبرص وأرمينيا والقوقاز عموما وسوريا. وأهمية القضية العلوية انها تطال ذهنية متجذرة في الدولة عمرها من عمر الأتراك منذ أيام السلاجقة والعثمانيين، من هنا الصعوبة، والشراسة، التي قد تتخذها »المواجهة« المحتملة بين الأطراف المعنية. ومسؤولية اصحاب »الحل والعقد« في الدولة العلمانية التركية كبيرة الى درجة ان المصير الذي ستؤول اليه هذه القضية سيحدد كثيرا من صورة الدولة والمجتمع والكيان، وبالتالي مستقبل تركيا. * خبير في الشؤون التركية وأستاذ جامعي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة