.بعد النجاح الكبير الذي حقّقه الجزء الأول من »الحديقة الجوراسية« (بلغت الأرقام النهائية 900 مليون دولار أميركي)، وجد المخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ نفسه مجدّدا أمام ضرورة استكمال الحلقة الأولى بثانية حملت المشاهدين في الولايات المتحدة الى جزيرة »العالم المفقود«، الذي حقّق في أيامه الثلاثة الأولى على إطلاق عروضه الأميركية مبلغ تسعين مليون دولار تقريبا، قبل أن يصل الى أكثر من مئتين وثلاثين مليونا، على مدى ستين يوما. اذاً، كان على سبيلبيرغ أن يفتح أبواب التاريخ مجدّدا، وأن يُطلق العنان لمخيّلة سينمائية، وصلت الى اعادة ابتكار ديناصورات متنوّعة، خصوصا وأنه، منذ أربعة أعوام، سبق عملية الاستنساخ التي نتج عنها تطور علمي بالغ الخطورة، وهو خلق النعجة دولّي من جينات نعجة أخرى: ستيفن سبيلبيرغ، في العام 1993، مع الكاتب مايكل كريشتون، استنسخا ديناصورا من جينات DNA، لتمتلئ الشاشة الكبيرة بواحدة من أكثر المغامرات تشويقا وإثارة للرعب والدهشة. نجاح الشريط الأول أسّس لبناء هذا »العالم المفقود«، لكن السؤال المطروح، على الرغم من الايرادات التي عرفها في الولايات المتحدة، يدور حول مدى قدرة الحلقة الثانية على إثارة مزيد من الرعب والدهشة، من المفترض أن يفوقا حجم الحماس والهلع والترقّب التي عرفناها في الجزء الفائت. سؤال مشروع، على أساسه تنبني قراءة »العالم المفقود«: فإلى جانب ضخامة الانتاج (75 مليون دولار)، والقدرات الهائلة للمؤثّرات الخاصة وللآلات المُحرّكة للديناصورات، يبقى الموضوع عاديا، بل غارقا في رتابة المناخ الدرامي الذي يواجه حالة من المشهدية البديعة، التي ستقدم للمشاهدين اللبنانيين بعض اللقطات التي من دون أدنى شك ستقطع الأنفاس للحظات مليئة بالتشويق. قيل الكثير عن تفوّق التكنولوجيا، الذي بات يهدّد المنحى الدرامي في النتاج السينمائي. شريط ستيفن سبيلبيرغ، »العالم المفقود«، لا يُلغي الموضوع نهائيا، بل يُبقي على حكاية صغيرة تضيع وسط »ثورة« التيرانوصور (دخول جديد لم نشهده في الحلقة السابقة) العدائي والعنيف، الذي يؤسّس لحالة من الذعر والفوضى في سان دييغو، التي يصل اليها على متن باخرة ظنّ الصيادون انهم قادرون على السيطرة عليه، قبل إيداعه وصغيره في حديقة للحيوانات. ليست سان دييغو مسرحا للبيئة الحكائية: يقوم جون هاموند (اتنبوروه) باستدعاء عالِم الرياضيات ايان مالكولم (غولدبلوم) الى قصره، طالبا منه التوجه مع فريق تصوير الى احدى الجزر، لتسجيل شريط عن الديناصورات التي لا تزال تعيش هناك منذ أربعة أعوام، بعد النهاية المأسوية في الجزء الأول، التي قضت على البشر، باستثناء عالِم الرياضيات مالكولم، تاركة هذه المخلوقات وحيدة في حريتها المطلقة. في الجزيرة، ثمة ما سيجذب المشاهدين الى رحلة من المفاجآت. لكن السؤال السابق يبقى جوهر العلاقة المنتظرة بين الفيلم وجمهوره: هل ستكون هذه المفاجآت غير متوقعة؟ ما الجديد الذي سيشاهده اللبنانيون في »العالم المفقود«؟ هل سيعكس الجزء الثاني تنويعات لم نألفها سابقا؟ هل ستختلف رحلة اليوم عن مغامرات الحلقة الأولى؟ تساؤلات تبدو ضرورية. فالشكل التقني رفع من عدد الديناصورات الحيّة على تلك الجزيرة. عملية تحريكها قبل الخوض في مسألة صنعها وتنفيذها تُبهر العيون ازاء عالم كهذا. متعة النظر ستنقلنا الى تاريخ غارق في القدم، عرفناه عبر كتب و»مرويات« تحدثت عن ديناصورات عاشت منذ ملايين السنين على كوكب الأرض. لكن المتعة ستقف عند حدود البراعة التكنولوجية، المشغولة باحتراف وتقنية لافتتين للنظر. اذاً، عاد ستيفن سبيلبيرغ الى حديقته الجوراسية، بعد أربعة أعوام فقط على نجاح الديناصورات في السيطرة على الجزيرة التي ولدوا من جديد فيها. انبثقت الحكاية على الشاشة، لتروي لنا مقتطفات من سيرة ديناصورات القرن العشرين، وهي مقتطفات مرشّحة للاستمرار في حلقة ثالثة، بناء على صورة بتيروصور (ديناصور طائر) يقف على صخرة كما لو انه يودّع جمهور »العالم المفقود«، غامزا بطرف عينه، ومعلنا عن عودة ثالثة تعكس خبرياته هو. ديناصورات »العالم المفقود« أصبحت أكثر عددا، وظهرت في وقت مبكر من الفيلم، على عكس »الحديقة الجوراسية«، وكانت أكثر عنفا وعدائية، بشكل ملموس، واذا بنا »نعجز«(!) عن إحصاء القتلى الذين تعرّضوا لموت عنيف بسببها. غير أن عودة سبيلبيرغ هذه جاءت بعد »لائحة شيندلر«، الفيلم الذي حصد سبع جوائز »أوسكار« في العام 1993، منها جائزتا أفضل فيلم وأفضل إخراج. »لائحة شيندلر« كانت مرآة سبيلبيرغ التي عكست تمسكه بجذوره اليهودية، بعد سنوات طويلة من تناسيها. لكن حلم الأوسكارات أقوى من التناسي، والوصول اليها وإن تمّ عبر شريط »بديع« في لغته السينمائية وجمالية الأسود والأبيض فيه احتاج الى بطاقة عبور، خصوصا وأن سبيلبيرغ، الذي طالما سعى الى الأوسكارات عبر أعمال لا تقلّ أهمية وجمالا ومتانة تقنية ودرامية، عن »لائحة شيندلر«، عرف الطريق »الصحيحة«، فقدّم شهادة حسن سلوك، وصوّر معاناة يهود في ظلّ الحكم النازي. ترك سبيلبيرغ النازية والجذور اليهودية، وفتح أبواب »الجحيم«، تاركا الديناصورات في ذروة حريتها، وإن داخل أسوار جزيرة، وفي عنف صراعها مع البشر. مرة جديدة، انطلق كل شيء من رواية لمايكل كريشتون (كونغو، تنكيد...) الذي حصل على تعويض مالي كبير من ناشر أعماله، لقاء تصوّره بأسرع وقت ممكن تتمة ما ل»الحديقة الجوراسية«، الرواية الأكثر مبيعا حين صدورها. وما ان انتهت التجارب الأولى، حتى اشترت »يونيفرسال« حقوق العمل الروائي، من أجل ستيفن سبيلبيرغ. وعلى الرغم من كون الرواية دون المتوسط، فقد أدرك السينمائي أن ثمة مادة تحتمل خوض مغامرة غريبة جدا. لذا، فقد طلب من ديفيد كوب الذي عمل معه في الجزء الأول اطلاق مخيّلته، مشيرا عليه بضرورة اعتماد رواية كريشتون »كمجرّد انطلاق بسيط لا أكثر«. في الواقع، لم يترك كوب من المادة الأصلية إلاّ القليل: الفكرة الأساسية (طبعا)، هجوم التينوصورات (ومنها إثنان في »العالم المفقود«) على المركبة السيّارة لبعثة تصوير الفيلم، والغارة النهائية على مركز المراقبة. أما الباقي، فسيكتشف قرّاء »العالم المفقود« بعض المفاجآت »على حجم مشهدية الفيلم«، كما في المعلومات الواردة في مجلة "S.F.X" الفرنسية المتخصّصة بشؤون »المؤثرات الخاصة« في السينما. يبدأ الفيلم من لقاء هاموند بمالكولم، الناجي الوحيد من البعثة الأولى، ليخبره بوجود جزيرة أخرى مسكونة بالديناصورات، حيث تمّت تربية الحيوانات قبل إرسالها الى »الحديقة الجوراسية«، المصنوعة على أرض الجزيرة الأولى، قبل تعرّضها الى إعصار قوي دمّر التجهيزات، فوجدت الحيوانات نفسها حرة طليقة، على مدى أربع سنوات. لكن مالكولم يرفض الالتحاق بفريق تصوير أرسله هاموند لإنجاز شريط عن الديناصورات في حياتها اليومية وفي حريتها تلك، غير انه يضطر مرغما للموافقة، حين يعلم أن صديقته سارة (مور) باتت موجودة هناك منذ أيام قليلة. على أرض الجزيرة، يصطدم فريق التصوير ببعثة ضخمة أرسلتها شركة »انجين« لاصطياد بعض الديناصورات، قبل أن يضطر الجميع الى التعاون من أجل مواجهة هذه الحيوانات العدوانية والعنيفة. الفريق التقني من أجل تصوير »العالم المفقود«، استدعى سبيلبيرغ معظم الذين تعاون معهم على تحقيق الجزء الأول: ريك كارتر (ديكورات)، مايكل كاين (مونتاج)، غاري ريدستروم (صوت) وغاري هايمز (الأدوار الخطرة والبديلة). وحده مدير التصوير دين كانداي لم يستطع الالتحاق بهذا الفريق التقني، بسبب انهماكه في تحقيق مشروع خاص به كمخرج، فحلّ مكانه يانوس كامينسكي الذي اشتغل مع سبيلبيرغ في »لائحة شيندلر«. بالنسبة الى المؤثرات الخاصة، فقد عاد الفريق بكامله، تقريبا: مايكل لانتياري (مؤثرات البلاتوه)، ستان ونستون (التحريك الآلي) ودنيس مورن من شركة "I.L.M" (الصور المركبة)، وبسبب انشغاله في فيلم »فرق السفينة الفضائية«، لم يستطع فيل تيبّيت المشاركة في »العالم المفقود«، فاذا بمساعده راندي دوترا ينتسب الى الفريق كمشرف على عملية تحريك الديناصورات. بعد مرور عام على التحضيرات الدقيقة، انطلقت عملية التصوير في الرابع من أيلول، وانتهت في العشرين من كانون الأول 1996. كان من المفترض أن يستمر التقاط المناظر طوال اثنين وسبعين يوما، لكنها انتهت في اليوم السادس والستين، مما دفع بستيفن سبيلبيرغ الى التفاخر أمام زملائه بقدرة العمل على تصوير فيلم ضخم ومعقّد وطموح، مثل »العالم المفقود«، خلال ثلاثة أشهر ونصف، وبميزانية لا تتجاوز الخمسة وسبعين مليون دولار. يقول آلن بياليك (رئيس تحرير مجلة "S.F.X"): »انه درس جيد يدعو الى التأمل في المهنة، هذه المهنة المصدومة بانفجار ميزانياتها«. يضيف بياليك انه على الرغم من ايقاع التصوير »الجامح« بخياله، فقد نجح سبيلبيرغ في أن يفرض حضوره في أكثر من مشهد »يقطع الأنفاس«. أحد هذه المشاهد سيثير خوفا مذهلا: باب يُفتح ببطء، كاشفا من ورائه رأس تيرانوصور (الديناصور الذي يغتذي بأكل اللحوم) ضخم الى درجة انه يحجب كل المشهد. من الصعب أن يبقى المُشاهد غير معنيّ بمثل هذه الصورة الكابوسية. المشهد الآخر يأتي فيما بعد، حين يرمي قائد البعثة التلفزيونية حبلا للأبطال المعلّقين في الهواء داخل سيارتهم التي هاجمها التيرانوصور، في حين أن الجزء الثاني من المركبة السيارة بات معلّقا في الفراغ. تصوّر الكاميرا من جيب يبعد عشرين مترا عن المركبة، ثم تتبع الممثل حتى وصوله الى هذه الأخيرة، وتلحق به عبر السياج المحطّم، وتجتاز كل الداخل حتى النهاية، قبل أن تدور نحو الأسفل لتصوّر الممثلين الآخرين في مستوى أقرب: »نتيجة تقنية مؤثّرة تطلّبت أكثر من عشرين لقطة متتالية، ويوما كاملا من العمل!«. صاحب أشهر اللقطات الصادمة في تاريخ السينما، مع الظهور المفاجئ لسمكة القرش في فيلم »أسنان البحر«، عرف ستيفن سبيلبيرغ كيف يهيء في »العالم المفقود« صدمة مشابهة (وناجحة جدا) أثارت جمهور الصالات الأميركية وأرعبتهم (كما في مقال نقدي). لكي يخلق ديناصوراته، اتّكل سبيلبيرغ على تقنييه الذين أثبتوا فعالياتهم »الابداعية«. في الفيلم الأول، صوّرت "I.L.M" في كلّ مرة كانت الكاميرا تسعى الى التقاط كادرات خاصة بقدم ديناصور أثناء تنقّله المشهد العام من خلال تقنية الصُور المركّبة. في مقابل ذلك، بالنسبة الى بقية المشاهد الأخرى حيث تمّ تصوير الديناصورات من قرب، فان الامر يتعلق بدمية أو بآلة »روبوت« صنعها ستان ونستون. هذا الأخير زاد من جهده في »العالم المفقود«، لانه كان عليه ان يطلق سراح ديناصورات أكثر عددا من »الحديقة الجوراسية«، وبنصف الوقت. لكن التصنيع الأساسي كان، بالتأكيد، للتيرانوصورين المصنوعين بالقياسات الحقيقية، من دون الأقدام، اللذين كلّفا معا مليوني دولار. ان غالبية اللقطات المأخوذة للديناصورات جرت في الداخل، أي في استديوهات »يونيفرسال«. ريك كارتر هندس العديد من البلاتوهات في سبيل تصنيع مواضع في الهواء المطلق. وكان للفريق سيطرة مطلقة على الاضاءة والتغييرات المناخية. كما في الفيلم الاول، فقد تمّ تصنيع مطر غزير في الداخل بواسطة العشرات من مضخات المياه التي أغرقت الممثلين والتقنيين، لكن على الشاشة، لا يستطيع أحد أن يتكهّن بأن المشهد لا يجري في الخلاء الطبيعي. يقول بياليك: »انه نجاح تقني متميز، وانتاج نموذجي بجديته. لقد أثار »العالم المفقود« حماسة الجماهير في كل أميركا«. ن.ج.