As Safir Logo
المصدر:

حوار.في لقاء معه حول ندوة إدوارد سعيد وقضايا التنوير ومشكلات الفكر العربي برهان غليون:حداثتنا رثة...والتيارات الإسلامية محددة بظروف(صورة)

المؤلف: جرجورة نديم التاريخ: 1997-07-24 رقم العدد:7751

شارك الدكتور برهان غليون، أحد أبرز المفكّرين العرب المقيمين في فرنسا، في الحلقة العلمية »من أجل ثقافة نقدية تحية الى ادوارد سعيد«، التي أُقيمت في بيروت بين التاسع والعشرين من حزيران الفائت والثاني من تموز الجاري. بعد انتهاء الندوات التقت »السفير« الدكتور غليون في هذا الحوار: { ما هي، برأيك، أهداف هذه الحلقة العلمية حول ادوارد سعيد؟ وهل نجحت الأبحاث المشاركة في تحقيقها؟ هدف الحلقة الرئيسي هو تكريم أحد كبار المبدعين العرب المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية، عنيت به ادوارد سعيد. التكريم يعني أيضا، بالنسبة إلينا، ابراز ما قدّمه سعيد للثقافة، بشكل عام، وللعالم العربي، بشكل خاص، من خلال الموقع الذي احتلّه في الانتاج الفكري العالمي. أنا أعتقد أن ادوارد سعيد قام بدور كبير، خاصة بعد نشره كتاب »الاستشراق«، الذي هزّ القناعات والأحكام المسبقة والتقاليد الاستشراقية، التي كانت تطبع أولئك الذين يُخضعون المجتمعات العربية للدراسة. كما انه فرض على هؤلاء تجديد مناهجهم، والنظر بطريقة أخرى الى المجتمعات العربية، والى الحضارة والثقافة العربيتين. وهو، في كتاباته الأخرى، مثل »تغطية الاسلام« و»الثقافة والامبريالية«، ساهم في فضح آليات الهيمنة الدولية على المجتمعات الضعيفة، ومن ضمنها المجتمعات العربية. ان هذا التكريم أبرَزَ أهمّ ما قدّمه سعيد، وهو تشجيع له ولجميع المثقفين الذين نراهن عليهم وعلى أدوارهم ، في صدّ حملات التشويه ضد الاسلام، وضد الحضارة العربية، وعلى الاستمرار في لعب الدور الذي لعبه ادوارد سعيد في الغرب. أعتقد ان الندوة شهدت عروضا كثيرة من مستوى رفيع؛ وربما كان أهم ما اتّسمت به هذه العروض، هو أنها لم تكن »مجاملاتية«، أعني انها لم تجامل ادوارد سعيد، بل ارتبط فيها بشكل واضح وجميل ابراز المكتسبات الفكرية له، ومعارضة هذه المكتسبات بآراء أخرى أحيانا، مختلفة عن آرائه، وتوجيه انتقادات أيضا، ولو في اطار ودي، لبعض ما يمكن أن يثير في كتاباته. أعتقد أنها كانت ناجحة بالفعل، ومحقّقة الكثير من أهدافها. ما حصل هو تعبير عن ظاهرة مهمة، وهي عودة المثقفين المهاجرين، على الأقل نفسيا، الى أوطانهم، أو سعيهم الى العمل أكثر فأكثر من خلال أوطانهم والعالم العربي. نحن بحاجة الى استعادة هذا الرأسمال الى بلداننا. ولعل أكثر ما آثار الاعجاب، الحضور الواسع والمميز للجمهور، الذي أعتقد أنه هو أيضا تعبير عن عودة الروح الى الجمهور العربي، الذي بدأ يتطلّع الى ما يمكن أن يلعبه المثقفون الذي هُمّشوا في الماضي، من دور ايجابي في اعادة اطلاق حركة التغيير في المجتمعات العربية. { كيف تحدّد علاقتك بادوارد سعيد، شخصيا وفكريا؟ كنت أعرفه بالاسم فقط، ولم يكن حصل لي أن التقيته شخصيا. لكني كنت قد قرأت له العديد من الكتب، وليس كلها، مثل »الاستشراق« و»تغطية الاسلام« و»صُوَر المثقف« وغيرها. كنت أقدّر عنده، أكثر من هذه الكتب (وهي مهمّة جدا أيضا)، بشكل خاص، تمرّده على المؤسسة العلمية الأميركية التي نشأ فيها، والتزامه الأخلاقي بقضيته فلسطين، وبقضايا الثقافة العربية والاسلامية. نستطيع أن نفهم هذا التقدير، اذا حاولنا أن نبحث في مصير آلاف المثقفين الذين يعيشون في الغرب، وهم من أصل عربي أو عالمثالثي. القسم الأكبر منهم يميل الى الاندماج، ونسيان هويته وواجباته أيضا تجاه المجتمعات والثقافات التي نشأ فيها ومنها. كنت أقدّر لادوارد سعيد موقفه الجريء والمكلف في مواجهة المؤسسة الأميركية، المؤيّدة تأييدا مطلقا لاسرائيل، ولأهداف الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط. أعتقد أن سعيد عانى كثيرا بسبب مواقفه الجريئة والشجاعة في تأييد الحقوق العربية، وفي فضح استراتيجيات تشويه صورة الحضارة العربية والاسلامية في الغرب. قضايا التنوير العربي { المعروف أنك اشتغلت على موضوع التنوير العربي، من بين عناوين متعددة أخرى. كيف تنظر الى هذه المسألة في الثقافة العربية الراهنة؟ اشتغلت على هذا الموضوع من زاوية نقد مفهوم التنوير نفسه. فالتنوير يفترض ان العالم في ظلام، وان فئة صغيرة من الناس هي التي تنشر النور على قلوب الآخرين. هذا المفهوم استخدم في الغرب، في القرن الثامن عشر، ليعبّر عن ظهور فكر عقلاني بمعنى متنوّر، وجديد، في مقابل طغيان الفكر اللاهوتي الذي كان مرتبطا بهيمنة الكنيسة أيضا. وقد اعتبر العرب أن عصر النهضة العربية، منذ نهاية القرن التاسع عشر، هو أيضا عصر تنوير، أي عصر تنامي فكر عقلاني ينشر المعرفة الصحيحة، في مقابل المعرفة الخرافية وغير الصحيحة، التي كانت سائدة في العالم العربي في المجتمعات الاسلامية، قبل النهضة. يمكن القول انه كان ربما مبررا، في نهاية القرن، أن نتحدّث عن نوع من التنوير، عن بروز تيار فكري عقلاني جديد في الفكر العربي. انما لا أفهم اليوم ما الذي يعنيه التنوير، في عالم تسيطر عليه، أكثر فأكثر، ثورة المعلومات، حيث يستطيع الجميع النفاذ الى آخر المكتسبات العلمية بأنفسهم، والدخول الى المدارس، وتلقي كل أنواع العلوم الحديثة والعقلانية. فهل لا نزال بحاجة الى تلك الفكرة المنوّرة التي تُهدينا الصراط المستقيم؟ أعتقد أن فكرة التنوير اليوم تريد أن تُضفي مشروعية وقداسة على نمط التفكير الذي يضمن لها موقعا متميزا، وهيمنة فكرية في المجتمع، ومصالح خاصة، أكثر مما تعبّر عن مشروع حقيقي لتطوير الثقافة والفكر. ان التنوير يعني كما نلاحظه تحويل العقلانية الى مذهب ديني، في الوقت الذي يحتاج فيه تطوير الفكر العربي والمجتمع العربي الى تنمية فكر نقدي، يطرح للنقاش جميع المسبقات الفكرية، بما فيها مسبقات المذاهب العقلانية، بل فلسفة العلمي نفسها. لا نستطيع أن نتجاهل اليوم أن فكرة التنوير قد ظهرت في مواجهة ما يسمى »الأصولية«، كما لو انها تفترض أن سبب ظهور الأصولية هو غياب الفكر العقلاني. هذا طبعا غير صحيح، لكنه يسعى الى اخفاء أو طمس الأسباب الحقيقية لتنامي الحركات الاسلامية، وهي في نظري أزمة النظام الاجتماعي والسياسي التحديثي والتنويري نفسه، بقدر ما كان هذا النظام نظاما نخبويا وتمييزيا، أعني التمييز بين الناس. في نظري، ان التنويرية الراهنة تحاول ان تخلّد هذا النظام، برمي مسؤولية الفشل في إحداث نهضة فعلية في العالم العربي على التراث، وعلى حاملي التراث، بدل أن توجّه النقد الى النظام الذي أدار، أو حاول أن ينتج هذا التحديث، والى السياسات التي مارستها النخبة التنويرية نفسها، منذ قرن ونصف، للارتقاء بالعالم العربي الى مستوى العالم الحديث. الاصولية { قلت ان ظهور الأصولية الاسلامية لم يكن بسبب غياب الفكر العقلاني! ليست مسألة الأصولية، أو ما نسمّيه بالأصولية، مسألة فكرية، ولا تعبّر عن استمرار الأفكار العقلانية، كما يشاع اليوم في مجتمعاتنا. فأي مراقب، متوسط الذكاء، للحقبة التاريخية الماضية، يدرك أن القسم الأكبر من الرأي العام العربي، وفي جميع البلدان، قد التحق بايديولوجيات وتنظيمات سياسية، طابعها الرئيس الصراع باسم التقدمية والاشتراكية من أجل بناء نظام جديد. وقد سيطرت على الحقبة الأولى من النهضة أفكار الوطنية والعلمانية، وضرورة استيعاب العلوم العصرية (...). وقد شهدت هذه الفترة أيضا ولاء الجمهور العربي والمسلم للثورة الدستورية في جميع الأقطار الاسلامية. أعقبت هذه الفترة، فترة نمت فيها بقوة الفكرة الوطنية والقوية الحديثة، وأصبح مفهوم بناء الأمة الحديثة، العربية أو غير العربية، محور التفكير الايديولوجي في مجتمعاتنا. في الخمسينات والستينات، كانت التيارات الايديولوجية الغالبة في العالم العربي، بشكل ساحق، تيارات القوى العربية والتقدّم والاشتراكية. فليس هناك اذا اي استمرارية في ما يتعلق بظهور الحركات الأصولية، أو الأفكار الأصولية. ان الأصولية نمت على أنقاض هذا النظام الذي أطلقت عليه في كتبي اسم النظام التحديثي، وذلك بقدر ما انتهى هذا النظام الى مأزق، أي أنه لم يستطع أن ينتج الحداثة، ولكنه أنتج المزيد من القهر للفرد بدل الحرية، والمزيد من الفقر للأغلبية الاجتماعية بدل العدالة، والمزيد من التبعية بدل الاستقلال الاقتصادي والوطني، والمزيد من الهزيمة أمام اسرائيل بدل تحرير الأراضي الفلسطينية. ان وصول هذا النظام الى مأزق، يعني سقوط جميع التوجّهات والقيم والايديولوجيات، التي كان يستند إليها في نظر الجمهور العام، او افتقار هذه الايديولوجيات لمصداقيتها. كان ذلك يعني تفكّك النظام الاجتماعي والأخلاقي والسياسي. وفي سياق هذا التفكّك، نجحت التيارات الاسلامية، التي كانت طوال الحقبة الماضية تيارات أقلية، في استقطاب جمهور واسع أدّى انهيار القيم التقدمية الى جعله فاقدا لاي معيار للتوجه، وللتنظيم، أو للتضامن الاجتماعي. ولو لم يصل النظام التحديثي الى هذه الطريق المسدودة، ولم تظهر طبيعة الحداثة التي أنجزها وهي حداثة أطلقت عليها اسم الحداثة الرثة، في كتابي الأخير، الذي صدر بالفرنسية هذا الشهر، بعنوان »الاسلام والسياسة الحداثة المغدورة« على حقيقتها، اي مناقضة تماما للقيم التي تدعو إليها، لما استطاعت التيارات الاسلامية أن تتحوّل الى تيارات أغلبية. فتنامي التيارات الاسلامية هو ظاهرة تاريخية محدّدة بظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية، ينبغي تحليلها وتغييرها، وليس استمرارا لتقاليد أو لتراث أو لتصوّرات دينية. هذه هي نظريتي في ظهور الحركات الاسلامية. { كيف تنظر، أخيرا، الى واقع الفكر العربي اليوم، من حيث مشكلاته والتحديات في مواجهة التحوّلات الحاصلة على مختلف المستويات، خلال السنوات القليلة الماضية؟ أعتقد أن الفكر العربي يعيش في أزمة، وأن سبب هذه الأزمة هو انه تحول، الى حدّ كبير، في السنوات الأخيرة، الى فكر حرب أهلية، سواء أكانت حربا كامنة أم معلنة. ان المفكرين والمثقفين والمشاركين في النشاطات الثقافية، أصبحوا منقسمين بين فريقين متنافسين ومتصارعين، لا هدف لأي منهما إلاّ القضاء على الفريق الآخر، حتى ولو كان ذلك يستدعي تشويه أفكاره وقيمه وسلوكه، وتحطيم الثقافة العربية نفسها. لذلك، افتقدنا المناظرة العقلية المبنية على الحجة والمؤدّية الى نتائج، والى تراكمات معرفية تطور الفكر العربي وتجعله اكثر فعالية. لذلك، تستطيع القول بالفعل ان الفكر العربي، بسبب أزمته الداخلية العميقة التي جعلته ضحية الحرب الاهلية، لا يساهم كثيرا في مواجهة التحوّلات، بقدر ما يخضع سلبيا لها. حاوره: نديم جرجوره

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة