ما اسمك؟ جمال عبد الناصر. ماذا يتعاطى والدك؟ إنه موظف في البريد. من أية محافظة أنت؟ محافظة أسيوط واسم بلدتي بني مر. أفلاح أنت؟ نعم. لماذا تريد أن تصبح ضابطاً؟ لأخدم وطني. هل أنت ملاَّك؟ كلا، أنا من أبناء الشعب. هل أوصى بك أحد؟ كلا. هل اشتركت في تظاهرات تشرين الثاني 1935؟ نعم. انتهى الحوار بين رئيس اللجنة العسكرية وجمال عبد الناصر، الماثل أمامه، وانصرف جمال ليعود في اليوم التالي، ويُبلَّغ برفض طلبه دخول المدرسة الحربية لأنه وطني متطرف. أصر الشاب المتحمّس ذو ال19 عاما على دخول المدرسة الحربية، وكان له ما أراد في الدورة الثانية بعدما حاز إعجاب وكيل وزارة الحربية اللواء إبراهيم خيري باشا الذي ترأس اللجنة الفاحصة. .. وكانت هذه الخطوة الأولى على درب طويل سيقود الى ثورة 23 يوليو تموز 1952 التي بدأت مصرية وتحولت عربية بالمعنى القومي، رافعة شعارات التحرر من الاستعمار والهيمنة الأجنبية، وتحقيق الوحدة والعدالة الاجتماعية، وتصفية الاقطاع، وصولا الى الاشتراكية. ماذا تبقّى اليوم من الثورة الناصرية؟ هل تبقّى اسم شهرتها.. أم شهرها فقط؟ وأين أصبحت شعاراتها وأفكارها في خضم التحولات التي عصفت بالعالم العربي في العقود الماضية، وأعادت صياغة ملامحه أكثر من مرة. تشرِّع هذه الأسئلة الأبواب أمام احتمالات عدة: 1 نعم.. لقد انتهت الثورة فعليا، والحنين إليها لا يعني أنها حية، فالحنين عادة يكون الى الزائل والمفقود. 2 كلا.. روح الثورة لم تندثر، وهي تبحث عن أجساد تتقمصها لتعود إليها حركيتها وفاعليتها. 3 العلة ليست في الثورة الناصرية وإنما في وسائلها وأدواتها التي أصابها الترهل والتحلل، وبات من الضروري تحديثها. أياً يكن الجواب، فإن للناصرية في لبنان عوامل إحباطها الإضافية المحلية التي تتغذى من خصوصيات الساحة الداخلية، وتكاد تجمع القوى الناصرية اللبنانية على إدانة جماعية لتجربتها »التي أفسدتها الشخصانية والأنانيات الفردية والمصالح الضيقة، وقصور الهيكليات التنظيمية وتقصير الطلائع القيادية«. الاعتراف صريح وخطير، ولكن المحاسبة تصبح شيئاً آخر، حين تكون يد في قفص الاتهام، ويد أخرى على مطرقة هيئة المحكمة! ومع ذلك، لم يفقد الناصريون أملهم في إعادة استنهاض هممهم وصفوفهم، واستعادة مواقعهم، على قاعدة التمييز بين »الفكر الناصري« السليم، والممارسة الخاطئة، وهم يرون في تحديات المرحلة حافزا للنهوض، لا حافة للهاوية، معتبرين ان مبادئ ثورة 23 يوليو هي البوابة الأفضل لولوج القرن ال21. وحين سُئل الشهيد كمال جنبلاط ذات مرة: كيف تتصور ناصرية المستقبل؟ أجاب: يجب أن تعود الناصرية الى دورها الأول باعتماد الرسولية الثورية، فالعقيدة، في الحقيقة والواقع، تجمد إذا لم تجددها باستمرار نار الإيمان بضرورة إقناع الآخرين بها. نحن في حاجة الى ناصر جديد، تنجذب إليه تخيلات الشعب وآمال الأفراد لأن الفكرة ذاتها والنظرية لا تقوم ولا تنطلق في سيطرتها إلا إذا اقترنت بأداة حية تمثلها وتتقدم بها. وخلص الى القول: هذه هي قاعدة التاريخ، ان فعل التجسد هو في كل شيء في النهاية. وها هو أحد ألد أعداء الناصرية أيام أوجها، الكتائبي العريق جوزف أبو خليل يستنجد بها اليوم: »أنا من الذين حاربوا الناصرية ولكنني بت أحن إليها، لأن فيها الرد على تحدي نتنياهو ووقاحته..«. إنها مفارقة القدر.. والسياسة: أعداء لعبد الناصر يشعرون ب»فراغه« في حين أن الكثيرين من أصدقائه باتوا لا يشعرون بوجوده المتوارث منذ رحيله. وفي الذكرى ال45 لثورته، كان لا بد من العودة الى ناصريي لبنان، للسؤال عن أحوالهم بعد كل سنين اليتم تلك، وهي أحوال تدعو للقلق وتكشف عن تشرذم حاد في صفوفهم وهم الذين يرفعون لواء الوحدة القومية ويدعون إليها! رئيس التنظيم الشعبي الناصري النائب مصطفى سعد، رئيس حزب الاتحاد النائب عبد الرحيم مراد، رئيس حزب الاتحاد »الاشتراكي العربي« عمر حرب، الكتائبي جوزف أبو خليل.. كلهم أدلوا بدلوهم في وعاء المناسبة، على الشكل الآتي: »إرث« الثورة يسود اعتقاد لدى الكثيرين من »النقاد« السياسيين، إذا جاز التعبير، بأن مضامين الثورة الناصرية قد بدأت بالتآكل مع رحيل جمال عبد الناصر، وان الورثة المفترضين، أو تلامذة الزعيم الراحل، لم ينجحوا في حماية الإرث أو التراث الناصري فلم يبق من الثورة إلا ذكراها السنوية، ومن مؤسِّسها إلا تاريخ ميلاده، وتاريخ وفاته. لا يوافق معظم الناصريين في لبنان على هذا الطرح، أما الآخرون فلهم وجهة نظر مختلفة، ومن بينهم جوزف أبو خليل الذي يعتبر ان شعارات الثورة، قد سقطت الواحد تلو الآخر، بفعل تدفق التحولات. } يقول مراد، في هذا الاطار، انه ليس صحيحا ان كل ما تبقى من الثورة الناصرية هو اسمها فقط »لقد تبقّى اسمها ومضمونها ومبادئها الأصلية، وقد أثبتت التطورات، سواء على المستوى المحلي او العالمي، صحة مبادئ الثورة. ويضيف: لو أخذنا مبدأ الوحدة الذي نادت به الثورة، لوجدنا ان المتغيرات العالمية، وهذه الطفرة التكنولوجية، دفعت الكثير من الدول الأوروبية المتقدمة في اتجاه التجمع وإقامة سوق مشتركة، وتجاوز التناقضات بينها، لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين. بكل هدوء، وليس من منطلق عاطفي ألا نرى انه من حقنا كأمة عربية، في ظل التحديات المتزايدة التي نواجهها، وخصوصا الحركة الصهيونية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، الا نرى انه من الضروري ان نوحد الصفوف، وننطلق من منطلقات مصلحية قبل العاطفية، لنخطو خطوات عملية على طريق التنسيق الاقتصادي أو الوحدة الاقتصادية أو السوق العربية المشتركة، والتنسيق الأمني لمواجهة التحديات القاسية والمريرة، خصوصا وان العدو الصهيوني يؤكد أن مخاطره لا تقتصر على البلدان المجاورة له جغرافيا، وإنما تطال كل الأمة بأجيالها الراهنة والمقبلة. ويبلغ مراد في جولته على مضامين الثورة الناصرية، مسألة الحرية، قائلا انها أحد المبادئ التي رفعتها الثورة كما رفعها البعض الاخر، وها هي الأيام تثبت انه من دون هذه الحرية لا نستطيع أن ننطلق أو نتحرك. ويرى مراد ان الجماهير متمسكة بهذه المبادئ، وهي تندفع وتنعش كلما لمحت اتجاها لاحيائها، وفيلم ناصر هو مؤشر بسيط الى ذلك. } يعترض سعد على تعبير »التراث« الناصري الوارد في مدخل هذا الجزء »لأنه مصطلح جامد لا يأتلف مع فكرة التطور والتقدم، ومع حركية الفكر الناصري، باعتباره رؤية سياسية اقتصادية اجتماعية، كما يجب أن تكون عليه الأمة في مستقبلها«. بعد تسجيل هذا الاعتراض، ينطلق سعد الى متن أفكاره، قائلا: اؤكد ان الناصرية كمضمون إيديولوجي، وحدوي، لم تمت على الاطلاق، ففكرة الوحدة عادت لتشكل حجر الزاوية في عملية تشكيل الخارطة السياسية والاقتصادية في غير مكان من العالم، ومن ينظر الى أوروبا اليوم، وهي تصوغ وحدتها الاقتصادية متجاوزة كل ما في تاريخ أوروبا من تناقضات واختلافات جوهرية، عرقية وسياسية وحتى دينية، ومن ينظر الى شرق آسيا حيث النمور السبعة، يستطيع ان يرسم الاتجاه الدولي الجديد، حيث النزوع الى بناء الوحدات الكبرى والاقتصادات العملاقة، وهي اصطفافات لازمة لمواجهة التحديات الكبرى على المسرح الدولي. يتابع: من هنا، أعتقد جازما ان الناصرية بما تشكل من خطاب سياسي وحدوي لا زالت تشكل حاجة موضوعية للأمة لاستنقاذ العرب من واقع التمزق والتخلف والالتحاق بركب الحضارات الكبرى. } بالنسبة الى حرب فإن الناصرية كحركة اجتماعية وكتجربة في تغيير المجتمع هي معرضة للتطور والنمو والموت الطبيعي عند استكمال تجربتها او حتى القسري او هي ايضا معرضة للتقوقع والتجمد حتى تجد فرصا ملائمة لإعادة النشاط مثلها مثل جميع الكائنات الحية. وقبل ان يستكمل حرب تقييمه للتجربة، يتوقف عند ماهية الناصرية وطبيعتها في ضوء تعدد التفسيرات: إذا نظرنا الى الناصرية باعتبارها نظاما سلطويا قاده عبد الناصر فيمكن للبعض ان يتحدث عن موت النظام بعد غياب مؤسسه وارتداد خلفه على اهم مكوناته، برغم ان الحديث هو على سبيل المجاز لأن نظام الحكم بعد عبد الناصر لا يزال محتفظا من النواحي الدستورية والهيكلية بأسس النظام الجمهوري الذي أنشأه عبد الناصر. أما اذا نظرنا الى الناصرية باعتبارها حركة تغيير اجتماعي ذات مضمون تقدمي ووحدوي على امتداد الساحة العربية، فإن النظرة تختلف، برغم انحسار الكثير من شعاراتها وانكسار العديد من مواقعها وارتداد الكثير ممن بدوا وكأنهم دُعاتها، علما ان اهدافها لا تزال هي جوهر حركة التغيير النهضوي العربي. ويضيف: هناك تغييرات حدثت وهي فرضت مراجعة لبعض الشعارات المرحلية على سبيل المثال، لكن جميع هذه التغييرات او معظمها على الاقل لم تؤثر على ثوابت الناصرية وانما تعلقت بالسياسات والتطبيقات. وأعتقد ان التيار الناصري استوعب بعض هذه المتغيرات، فعلى سبيل المثال ترسخ لدى الناصريين مفهوم عن الديموقراطية التعددية القائمة على تعددية حزبية وعلى الاحتكام الى صندوق الاقتراع، كذلك اولوية احترام حقوق الانسان، وهو موقف احيائي تجديدي لا يمكن تجاهله والقفز من فوقه. } يقول قيادي ناصري مستقل انه يمكن اعتبار الناصرية باقية او زائلة تبعا للزاوية التي ننظر منها اليها، فإذا كانت الناصرية هي اولئك الذين تسللوا ليها ولصقوا اسماءهم على جدارها ثم تناتشوا إرثها بعد رحيل قائدها، في هذه الحال يمكن ان نقول انه لم يبق منها شيئا، ولكن اذا كانت الناصرية هي الاهداف التي نادى بها عبد الناصر وناضل من اجلها، فهي بالتأكيد باقية. ويضيف: عبد الناصر لم يأتِ من دولة خارج الزمن العربي، بل هو كان تعبيرا جريئا عما يختزنه ضمير هذه الامة، وبالتالي فإنه لم يخترع اهدافا، لأن الشعوب لا يوجد زعيم يخترج لها اهدافا، وانما عليه ان يترجم هذه الاهداف من خلال ادوات ووسائل وآليات عمل، وهذا ما صارع في سبيله عبد الناصر. ولم يكن غريبا ان تنتج هذه الامة شخصا اسمه جمال عبد الناصر او احمد بن بلة، ولأن عبد الناصر لم يأت من خارج الزمن العربي، فهو لا يثير فينا الدهشة وانما يجسد حقيقة انتمائنا الى امتنا، ولذلك نحبه ولا يدهشنا. } يخالف ابو خليل آراء الناصريين اللبنانيين ويعتبر ان الناصرية فقدت في واقع الامر فحواها، عارضا ما حل بمضامينها، من وجهة نظره: يقدم ابو خليل دليله الاول بقوله: المضمون الاول للثورة الناصرية انها كانت في بدايتها حركة تحرر مصرية، بريئة، طاهرة، عفوية وصادقة من دون شك، وهذه الحركة التحررية انتشرت في العالم العربي كالعدوى، وأنتجت مناخا أدى الى ثورة العراق والانقلاب في اليمن والثورة الليبية. واليوم، علينا ان نعترف ان حركة التحرر تراجعت وتضاءلت، ذلك ان مصر لا تستطيع العودة الى محاربة اسرائيل في ظل اتفاقية كامب ديفيد، وهي تسعى جاهدة الى حلحلة المسار الفلسطيني الاسرائيلي، خشية من تهديد الكونغرس لها بقطع المساعدات عنها اذا صعّدت موقفها ضد اسرائيل، ثم ان موقفها من مؤتمر قطر الاقتصادي ضبابي ومحايد. كما ان الوضع الاقتصادي والاجتماعي في مصر لا يسمح بإحياء حركة التحرر، اضافة الى الانفاق الهائل على التسلح والجيش في وقت يتزايد عدد السكان بسرعة هائلة. يتابع: المضمون الآخر للثورة الناصرية يتمثل في شعار القومية العربية وتأجيجه لحماس ومشاعر الشعوب العربية التواقة الى الوحدة، وهذا الشعار انتكس. وعلى كل حال، طرح القومية العربية لم يعد واردا اليوم، واذا تكلم احد عنه يعرض للسخرية، لا بل ان الحد الادنى من التضامن والتنسيق العربيين مفقود، ثم جاءت الاصولية الاسلامية لتطغى على شعار القومية العربية وترميه الى الوراء، وفي مصر بالذات، ولم تعد الناصرية واردة، وطبعا ليس في سوريا ولا في الاردن ولا في دول الخليج. أسباب تراجع التيار الناصري ... يتفق الجميع، بمن فيهم الناصريون، على ان التيار الناصري في لبنان يعيش حالة من التشرذم والضعف التي تتبدى عوارضها على ملامح تنظيمات عدة طالها الانشطار او الترهل او قلة الحيلة، ولئن كان غياب عبد الناصر قد أصاب ناصريي لبنان باليُتم، الا انه كشف في الوقت ذاته عن هشاشة أطرهم التي تلطت ب »قش« الاتكالية فترة طويلة خلال حياة الزعيم العربي، قبل ان يظهر افتقارها الى المناعة والمنعة الضروريتين لإكمال الدرب، على ان الناصريين الذين يعترفون بما ابتلوا به، يحرصون على اعتبار ان القصور يكمن فيهم وليس في فكر قائدهم. } يقول سعد في هذا الاطار: هناك ازمة عامة تظلل واقع العمل الحزبي والسياسي في لبنان بعد الحرب التي أجهضت احلام التغيير والاصلاح بالممارسة الطائفية لعدد لا بأس به من الاحزاب، وجرى الاجهاز عليها بالمطلق عبر نماذج الاحزاب التي وصلت الى سدة السلطة بعد انتهاء الحرب. ويردف متابعا: وللحقيقة أقول ان اسباب تراجع التيار الناصري في لبنان لا تعود الى ان الفكر الناصري لم يعد يصلح لأن يكون اجابة او حلا لمعضلات ومشاكل الساحة اللبنانية، لا بل اننا نرى في هذا الفكر، واكثر من اي وقت مضى، ضرورة موضوعية تستجيب لاحتياجات الواقع اللبناني والعربي عموما. ان اسباب التراجع انما تنطلق من منطق »الأنا« الذي يحكم العمل الناصري في لبنان، حيث كل فريق ناصري يقدم نفسه على انه المؤتمَن على العقيدة الناصرية والأكثر وفاءً لها ولخطها، في حين اننا كلنا نجلد الناصرية كل يوم بسوط أنانياتنا. ان الناصرية بخير ولكننا نحن كقوى ناصرية نعاني قصوراً. } ويعتبر مراد ان سبب ضعف وتشرذم التيار الناصري، عدم حسم موضوع الحزب الناصري خلال حياة عبد الناصر الذي حاول على المستويين المحلي والعربي ان يقيم الحزب الطليعي، ولم تقدر له الحياة لكي يستكمل هذه المهمة. ويضيف: السبب الثاني ان مصر بالنسبة الى الناصريين هي القاعدة والقيادة، الا ان الحركة الناصرية في مصر، ونتيجة الضربة التي وجّهت اليها بعد 15 مايو 1971 واعتقال قياداتها لفترة طويلة، شهدت تراجعا انعكس بعدم تفرغها للاهتمام بالبُعد القومي وبالساحات العربية لدعم الحركات الناصرية. كما لا نستطيع ان ننكر الطموحات الشخصية والسريعة لناصريين يرغبون في الوصول الى القيادة بسرعة. وبعدما خرجت الثورة الفلسطينية من الاردن، وجاءت الى لبنان مجموعة الأبوات، حاول هؤلاء ان يصنعوا غطاءات لبنانية لهم، وفتشوا في الشارع اللبناني فوجدوا ان الفكر الأغنى بالجماهير الذي قد تتمكن من استثماره للكسب الجماهيري هو الفكر الناصري، وهكذا بدأوا يفبركون مجموعة تنظيمات ناصرية بلغ عددها العشرات، الامر الذي أدى الى اهتزاز حالة الناصرية لدى الرأي العام نتيجة ممارسات البعض. وإضافة الى الأبوات، كانت الانظمة العربية اما تحارب الناصرية مباشرة واما غير مباشرة، عن طريق دعم كل التيارات باستثناء التيار الناصري الذي لم يكن له سند او ظهير. } يلقي حرب تبعات ترهل الحالة الناصرية على تفاعل مجموعة عوامل، تبدأ من الاعتبارات السياسية والتنظيمية وتنتهي عند الشخصانية، وهو فند هذه العوامل على الشكل الآتي: الناصرية في لبنان جاءت تعبيرا عن نزوع الكتلة الواسعة في لبنان على تأكيد هويتها العربية، كمخرج من الانقسامات الطائفية وكتوحيد وصهر للتجمعات ما دون القومية، العشائرية والمناطقية والمذهبية. لكن طبيعة التركيبة اللبنانية والسياسية اثرت على الوعي القومي ومنعته من ان يأخذ مضمونه الفعلي، فقد استقوى به البعض لمجرد تحقيق مكاسب فئوية. بعد غياب عبد الناصر وانصراف النخب الحاكمة عن اعلان الانتماء للناصرية ادى بالجمهور الناصري للاحساس باليتم وغياب المرجعية مما ادى الى قيام تشكيلات متعددة جهوية ومناطقية واحيانا على مستوى قرية او حي، او مدرسة. وهي تشكيلات دون خبرة من جهة ومفتقدة لعناصر قيادية جامعة. وكان للحرب الاهلية مضار في هذا المضمار، حيث ان وجود شارع ناصري عريض فتح شهية جميع القوى وخصوصا القيادات الفلسطينية الى محاولة الامساك بالشارع عبر تفريخ تشكيلات ناصرية، ومن هنا ظهر وكأن تاريخ العمل الناصري هو ثنائية الوحدة والانفصال، حيث هاجس التوحيد يقابله مخطط التشرذم والتفريخ المستمر لتشكيلات ناصرية. الميل التوحيدي انتج حزبنا الذي تأسس اصلا من مجموعات ناصرية متعددة. اقامت الحزب الموحد بداية عام 1974. لكن التوحيد كان معرضا بشكل دائم للتمزق والشرذمة بسبب عدة عوامل خارجية عبر تسهيلات وتقديمات من قوى وانظمة خارجية، وداخلية عبر افتقاد الميل للعمل الجماعي وسيطرة آليات العمل الفردي وظهور الميل الانقسامي القائم على الشخصانية. } من الموقع الآخر، يرى ابو خليل ان الناصريين اخطأوا في تعاطيهم مع تجربة لبنان الطرية العود، ذلك الحين، اقصد تجربة 1943 التي قامت على توازن معين كان ينبغي مراعاته، وقد اعترف عبد الناصر لاحقا انه لم يكن مطلعا كفاية على التوازنات الداخلية في لبنان وان الصورة كانت تنقل إليه مختلفة. ويشير الى ان الناصرية اقتحمت تجربة الاستقلال الطرية، مدعومة بالاممية الشيوعية، فلم يحتملها لبنان، وكان من الطبيعي ان يخاف المسيحيون على البلد وهم الذين نظروا الى صيغة 43 كرهان ومغامرة، وباتوا يخشون ان يخسروا رهانهم، ولولا المقاومة التي حصلت يومها لكان لبنان قد اصابه ما اصاب سوريا من وحدة فشلت لاحقا. ويتساءل ابو خليل: ما دامت تجربة الوحدة مع سوريا اثبتت انها لم تكن في محلها فكيف مع لبنان؟ وها هي الوحدة الاوروبية تختمر منذ سنوات ولعلها تحتاج بعد الى سنوات. ويعتبر انه لو تم التعامل مع لبنان قبل العام 1958 كما تعامل عبد الناصر مع فؤاد شهاب بدءا من العام 1959، لاستقر لبنان لسنوات، ولكن الناصريين قرأوا الاوضاع قراءة خاطئة، تجاهلت ان البلد ليس ناضجا بعد لتحديات كتلك التي طرحت بعد سنوات قليلة من الاستقلال والجلاء. النقد الذاتي اليوم، وبعد مرور 45 عاما على ولادة ثورة 23 تموز، بكل ما حفلت به هذه الاعوام من انتصارات وهزائم، آمال وخيبات، اخطاء وعبر، تجارب وخلاصات، لعل الناصريين اصبحوا اكثر شجاعة لممارسة نقد ذاتي تغلب عليه الموضوعية. } يقر مراد بأن الناصريين العرب، ومن بينهم ناصريو لبنان، لم يستفيدوا استفادة كاملة من وجود جمال عبد الناصر، »وكان لدينا شيء من الاتكالية، اذ طالما الزعيم موجود، فهو يتخذ القرار عنا ويتكلم عنا ويفكر عنا... وكنا نذهب الى عبد الناصر لنتصور معه ونأخذ المباركة منه، ويكفي ذلك. وعلى مستوى لبنان يتابع لم نراع، خصوصية البلد وبالغنا في اندفاعتنا، وكان عبد الناصر ينبهنا الى اننا نعتمد في سلوكياتنا طريقة »النقل الحرفي« للممارسة والمواقف كما هي في مصر، من دون ادراك خصوصية لبنان، وهذه نقطة ضعف تسجل علينا، وفي حواراته مع المرحوم كمال جنبلاط كان عبد الناصر يقول: عليكم ان تدرسوا تجارب بعض الدول الاخرى... انظروا كيف تطبق الدول الاسكندنافية الاشتراكية، وحاولوا ان تستفيدوا من تجاربها. لقد كان عبد الناصر اكثر عقلانية من بعض الناصريين في لبنان، حيث كنا نغالي في القفز فوق القضايا الوطنية، معتبرين انه من العيب ان ننشغل بها وان قضيتنا المركزية هي فلسطين، هذا القفز وعدم ترتيب البيت من الداخل قبل الانطلاق قوميا، ساهما في اضعافنا. } يوزع سعد مسؤولية التراجع على فئات الناصريين، كل حسب موقعه: ان مشكلة بعض الناصريين في لبنان، ان منهم من وجد ان لا مكان له بعد على الساحة السياسية فنأى بنفسه عنها وعن تحمل عبء النضال في ساحاتها، ومنهم من استهوته السلطة فرأى ان نهاية مطافه النضالي موقعا فيها وكفى المؤمنين شر القتال، ومنهم من ما زال مؤمنا بناصريته، انطلاقا من انها انتصار للحق على الباطل وتكريس لمفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية، فعمل وما زال يعمل بكل قوته وبكفاحية عالية، للتصدي لهذا الاخطبوط السياسي المالي المتحكم بالسلطة. ويتطرق سعد الى المشكلة البنيوية، قائلا: ربما تكون مشكلة الناصريين انهم لم يستطيعوا ان يصوغوا بنى وهياكل تنظيمية قادرة على تعبئة وتأطير الجماهير الناصرية العريضة في مرحلة ما يسمى بالمد القومي، لذلك نشهد اليوم هزال هذه البنى، اما المأخذ على قوى التيار الناصري في لبنان اليوم هو ان هذه القوى التي تطرح فكرا وحدويا جامعا عاجزة، لاكثر من سبب، عن توحيد صفوفها وقواها في إطار تنظيمي واحد برغم انها تنهل من ذات المعين الفكري والعقائدي. } ومن منظار حرب، يتخذ النقد الذاتي ابعادا عدة يطال جوانب عدة في ممارسة الناصريين: بشكل عام، بدل ان تؤثر الاحزاب الناصرية في المجتمع اللبناني اذا بها تتأثر في هذا المجتمع فانحصرت ضمن طوائف معينة اولا ومن ثم توقعت وانقسمت مناطقيا. ان قطاعا من النخبة السياسية ذو جذور طائفية حاول ان يتماهى مع الناصرية في مرحلة المد القومي العربي وقد اضطرت القيادة الناصرية لاسباب تكتيكية التعامل مع هذا التماهي ايجابيا وهو الامر الذي افقد »الناصرية« الشعبية بعض ابعادها الوطنية اي عدم قدرتها على اختراق بعض الفئات والمناطق الاجتماعية وتحديدا »المسيحية« وآخر الفرز الاجتماعي الى مرحلة لاحقة. عندما قررنا العمل السياسي من خلال النظام كنا نعتقد ان ما نفعله هو محاولة اختراق النظام نتيجة ثقتنا العفوية ببعض الاشخاص دون تحليل موضوعي لقدرة النظام وآليته على اختراقنا عبر شخصياتنا المصنعة مسقطة رهاننا على دور الفرد في تجاوز واقعه الطبقي والبيئة المزروع فيها. عدم توظيف الاهتمام المبكر بالعمل الاجتماعي، بشكل جيد، من خلال عمل مؤسساتي ناجح، وهذا سمح بأن تتحول هذه المؤسسات الى مراكز صراع. التوقف عن ممارسة فعل المقاومة المسلحة للاحتلال الصهيوني لاسباب موضوعية، واخرى ذاتية ابرزها انه كانت لدينا في الحركة الناصرية قيادات راهنت على ان مرحلة القتال لم تعد مجدية وراحت تبحث عن مكان لها داخل النظام، وبالمقابل بعض القيادات الناصرية بدت وكأنها قيادات حرب فقط فابتعدت او ابعدت خارج الفعل اليومي. } ولا يتردد القيادي الناصري المستقل في القول: هناك ناصريون من حملة اليافطة للتجارة والخداع، وبعضهم عار على الناصرية، في حين يوجد من ينتمي الى الحركة الناصرية وهو ليس ناصريا، وانا اتساءل كيف يكون ناصريا من يؤيد خط الرئيس رفيق الحريري او يعد زلمة ابو عمار او تابعا لاجهزة معينة.. الناصرية هي في جزء منها قضية الخلق، وعبد الناصر عندما توفي لم يكن رصيده في البنك سوى ألف دولار، بينما نرى البعض أثرياء حرب، فكيف يكونون ناصريين. يوجد ناصريون جيدون، ولكنهم لم يحدثوا انفسهم، وعندما اجلس معهم اشعر بأنهم أقرب الى جمعية احياء ذكرى جمال عبد الناصر، وهؤلاء ليسوا سيئين الا انني لا اجد انهم قادرين على العطاء. امكانية الاستنهاض وبعد.. هل من امكانية لاستنهاض الحركة الناصرية في لبنان وضخ دم جديد في عروقها ام ان ظروف المرحلة السياسية غير مؤاتية، عدا عن ان الاطر الناصرية القائمة اعجز من ان تتصدى لمهمة استنهاضية بهذا الحجم؟ } يجيب سعد اجابة متفائلة يؤكد عبرها انه وبرغم كل مظاهر الخلل التي تعتري واقع القوى الناصرية في لبنان، ما زال يؤمن بضرورة وحدة الناصريين، وأقول وحدة الناصريين وليس وحدة القوى الناصرية لان التجربة علمتنا ان المشكلة بين القوى الناصرية ليست خلافا على طرح فكري، فالناصرية لا تعاني أزمة في خطابها الفكري والايديولوجي، انما تعاني من انانيات اقطابها ومشاريعهم الخاصة على حساب المشروع الناصري العام وانا اكيد من ان هذا التيار العريض من الناصريين المناقبيين قادر على ان يخلق ويعزز نخبه الثورية الطليعية المؤمنة بالوحدة كقدر للناصريين وللأمة. } يجزم مراد بأن هناك امكانية للملمة وتوحيد الصف الناصري، وهذه لا تحتاج فقط الى القوى الناصرية المحلية في لبنان وانما بحاجة الى القوى الناصرية القومية، وخصوصا في مصر، حتى تساهم في هذه المهمة وترعاها، والتأخر في هذا الموضوع يعود الى كون القاعدة الناصرية الاساسية في مصر تعاني من بعض المشكلات ونأمل في ان نستطيع مستقبلا اقامة تنظيم ناصري واحد قوي خصوصا وان لا خلافات فكرية بيننا، وانما حساسيات شخصية، اضافة الى بعض التباين حول الاداء والممارسة. ونحن نقول ان اهمية الناصرية كانت تكمن في كونها حالة متطورة، غير مقولبة او مقفلة، حتى خلال حياة عبد الناصر الذي كان يعتبر ان اتحاد قوى الشعب العامل هو التنظيم الوحيد ثم بدأ في أواخر حياته يطرح تعدد التنظيمات والاحزاب وهذا تطور يشير الى ان ما من شيء جامد لديه. } ويشدد حرب على انه ليس امام الناصريين من خيار سوى لملمة صفوفهم وتجديد أفكارهم وانفسهم فيما اذا كانوا يتطلعون الى دور مميز لهم وإلا فإن حركة الاحداث ستتجاوزهم. ليس عبر انتصار خصوم افكارهم ومبادئهم فحسب بل في سياق حركة التقدم ذاتها. وقد طرح حزبنا مشروعا توحيديا للحركة الناصرية اللبنانية ينطلق من مشروع تنسيق بين القوى الناصرية الفاعلة، وهنا اتحدث على العموم اي عموم الحركة الناصرية المنظمة وليس عند بعض العينات التي سقطت من الناصرية او هي تحاول اليوم التسلق عليها عبر تحويلها الى مجرد مهرجانات احتفالية. هذا على المستوى الحركي، اما على المستوى الفكري فأنا اعتقد ان عملية التجديد في الفكر الناصري عموما لم تتوقف فعلى سبيل المثال هناك تجديد للمفهوم الديموقراطي عبر التركيز على التعددية والاحترام المقدس لحقوق الانسان، وهناك تجديد للمفهوم الاشتراكي وعدم التوقف عند قوانين معينة، فالاشتراكية هي التنمية المستقلة، وهي العدالة الاجتماعية وليست السيطرة الكاملة على العملية الانتاجية. } يؤكد الناصري المستقل ان كل فكر بحاجة دائما الى تطوير ذاته وعلى سبيل المثال فإن عبد الناصر عايش قضية مواجهة الرأسمالية العالمية وهذه الرأسمالية تطورت كثيرا وظهرت شركات متعددة الجنسية لم تكن بهذا النحو الخطير في أيام عبد الناصر، وهي شركات يختلف وضعها عن الستينات اذ ان الدخل السنوي لبعضها اكبر من دخل بعض الدول المتقدمة، وهي جزء من الرأسمالية العالمية، فكيف نتعامل معها وكيف نواجهها. ويضيف: ومفهومنا للاشتراكية والديموقراطية علينا تطويره من خلال خوضنا للصراع وعبر دور المثقفين. اليوم، ونحن نفكر كيف نخوض الصراع ونعيد قلب الكفة، علينا ان نتعلم من عبد الناصر كيف نعيد قراءة هذا العالم الذي تتطور فيه الرأسمالية وتعيد تحديث ذاتها، وعلينا ان نعرف كيف نحدث ادوات الثورة وادوات التغيير، فلا نتجمد في شكل الحزب اللينيني ولا في شكل الاتحاد الاشتراكي العربي، وانما علينا تحديث ادواتنا حتى نحتل موقعا كفوءا في الصراع. ان النقاش حول كيفية التحديث وشكله يتم في خضم الصراع وليس عبر التنظير، لان الذي يثور ويرشد هو الشعب الذي يخوض هذا الصراع، ويجب ان نفعل مثلما فعل عبد الناصر الذي لم يدع انه يعرف كل شيء ولم يكن عنده خيار غير الدخول في الصراع، والتعلم والثورة في عالم اليوم، اما ان تكون ذات بعد عالمي واما لا تكون، ولذا يجب ان نعيد وصل ما انقطع بيننا كحركة تحرر عربية وعالمية. } يرى ابو خليل ان الناصرية هي تسمية اعطيت لحركة شعوب عربية ارادت التحرر، وعبد الناصر اجاد توظيف هذا الشعور الذي يبقى، ويضيف: ان الشعوب العربية هي اليوم في حالة نقمة، والسؤال متى تتفجر هذه النقمة وكيف؟ علما ان هذا الرفض يحسن التعبير عنه ولو بحدود الرئيس حافظ الاسد.. يجب ان نعترف بذلك، انه الوحيد الذي يستمر في قول »لا«. ويشعر ان الناصريين في لبنان ينحون نحو تطوير مفاهيمهم، وهم ربما يفتشون عن مضمون جديد للناصرية ملاحظا انهم يكسبون العروبة الديموقراطية ولكنه يشدد على ان التحدي الكبير الذي يواجههم كما يواجه غيرهم هو العولمة الاقتصادية واقتصاد السوق، اذ ليس لديهم تصورا لمواجهة هذا التحدي، والآخرون ليسوا أفضل حالا. ويذهب الكتائبي العريق الى ابعد من ذلك اذ يعلن بصراحة يا ليت الناصرية تعود اليوم، سواء بمضمون جديد او حتى بحلتها السابقة، حتى ترد على تحدي نتنياهو ووقاحته.. انا من الذين حاربوا الناصرية ولكنني أحن إليها اليوم.