As Safir Logo
المصدر:

مقاربة.المسرح اللبناني يواجه الفراغ ولا يملأه المقارنات ساذجة:»عشاق المقهى المهجور«مثالا(صورة)

المؤلف: باشا عبيدو التاريخ: 1997-07-09 رقم العدد:7737

الفراغ سمة نهاية القرن. وهو فراغ مشروع، حين يتبلور حضوره في المستويات التعبيرية. المسرح اولا، حيث ان السينما ساهمت الى حد كبير في إملاء رسالة الفراغ في العالم. ويزداد الفراغ وسامة، في لحظة تحول المرء الى شاهد عليه، وبخاصة اذا ما وقف الشاهد فوق منصته الواقعية او المتخيلة، لكي يمارس شهادته القيمة او البائخة. اما التخصيص، فمن تثبيت شهادته في نهاية مرحلة ألفية. وهي مرحلة شهدت هي نفسها في القسم الاخير منها، تطورات وانهيارات دراماتيكية. اما عنوانها الأبرز، فهو الفراغ. الفراغ سمة الألفية الثانية. انه شيء نادر ورهيب، لمّا أنه يمتلئ بالدلالات التي قد تتخذ مضامين ما ورائية، على ما يقول وول سوينكا، وعلى ما تقول حادثة اغتيال الأديب النيجيري ويوا. ان اغتياله انما يشير الى عمق الفراغ، وليس الى الفراغ وحده؛ اذ ان اغتياله نقطة تشبه منصة عائمة في بحر هائج عظيم. تهميش الحياة الانسانية، شعار يرفعه النفط مرة اخرى في منطقة بعيدة عن الخليج، في الصراع على تخزين النفط في منطقة قبلية خصبة، وذلك قبل استخراجه وتكريره. ما نحتاجه ان نستخرج الفراغ أولا. وثانيا، ان نكرره. وقد خرج الفراغ فوق بيروت الغارقة بالأسئلة والتهويمات. الوهم، ليس هو التخييل القائم على خيال، بل انه وهم خالص، في هذه المرحلة مع سيادة النبرة الاقتصادية الهائمة كشبح والد هاملت في قلعته الباردة. نكون أو لا نكون، ليست هذه صيغة لسؤال. انها جواب خالص. وفي محاولات الرد على هذه الاجابة القاطعة، يحاول البعض تكرير الفراغ بعد استخراجه، مما يبعد هذه العملية عن آليتها الاقتصادية. المسرح ما يزال يضرب في قفر، ما يزال يضرب في أقفاره، وما تزال قلة هاوية ترد حال المسرح في لبنان، الى تقدم بعض التجربة في دولة عربية، او اثنتين. والأنكى، أن محاولات اعدام المسرح اللبناني، المعدم الفقير، تجرى عبر مقارنات بسيطة، تجرى عبر مقارنات ساذجة، كأن تقاس تجربة مسرحية، بواحدة من مدهشات المسرح في تونس. »عشاق المقهى المهجور« تجربة مسرحية تونسية، هذا صحيح. ولكن الصحيح ايضا، انها لا تمثل واقع التجربة التونسية. اذ ان الاخيرة مؤلفة من خليط صحيح في أحيان، ومؤلفة من هجانة في أحيان أخرى. تجربة تونس تواجه عثراتها الكبيرة، كما تواجه احتمالات السعي الى تجاوزها بقراءة المتغيرات وعجن ما امتلكته الأيدي من خبرة وبُعد نظر، وما الى هنالك. »المسرح الجديد« فرقة »المسرح الجديد« في تونس لم تقدم »عشاق المقهى المهجور« فقط، ولم تقدم »فاميليا« الى جانبها، انها صاحبة سجل حافل في المسرح والسينما كذلك. اذ انها قدمت »غسالة النوادر«، كما قدمت »التحقيق« و»عرب« و»العوادة«، قبل ان ينفرط عقد أبطالها؛ محمد ادريس ذهب الى محاولاته الخاصة، وهكذا فعل الفاضل الجزيري، في حين استمر الفاضل الجعايبي في عمله مع جليلة بكار؛ واحدة من أبرز الممثلات العربيات على الاطلاق. كما انتهت تجربة الحبيب شبيل نهاية دراماتيكية مع »سمفونية« التي استردت حصار بيروت، لكي تقيم بنيانها على قوته. وكانت النتيجة انها وقعت أسيرته، ورزحت تحت قوته التعبيرية الهائلة. توفيق الجبالي يقدم بدوره مقاربات مختلفة ل»نص واحد« في »كلام الليل«. صيغة كباريه مشغولة بخاصية الجبالي المدهشة. شاهدتها للمرة الاولى في العام 1991. وهي نالت جائزة أفضل عمل مسرحي متكامل في دورة مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي الاخيرة. انعقدت دورة مهرجان القاهرة في العام 1995، أي بعد أربع سنوات على مشاهدتي »كلام الليل«. اما المحاولات الاخرى، فالحياء يمنع من ذكرها لهشاشتها وتراخيها وعدم قدرتها على صوغ ما يرضي في حدوده الدنيا. تجارب كوكة تقع في هذا المجال، وكذلك بعض تجارب المنصف السويسي الاخيرة، من دون كثير توقف أمام تجربته العربية المخزية في »وا قدساه«. في حين ان التجارب الجهوية في تونس تراوح بين العادية وبين المدرسية وما يقربهما. الا مع استثناءات نادرة. القصد، ان التجربة التونسية لا تُقرأ بسهولة او يسر. لا يمكن ان تقع مطابقتها على تجربة اخرى من خلال عمل مسرحي واحد. ولو أخذنا الاخير الى حال إدهاش فعلىة مع القصة المكتوبة لجماعة من البشر الذين لا يتحاورون، ولا يستطيعون إقامة حوار خلال ساعتين. اتصال مدة عرض »عشاق المقهى المهجور« تشهد جملة حوار، واحدة بين الأم التونسية والأم الجزائرية، فيما عدا ذلك، فان الكلام الكثير المتطاير في فضاء الصالة، يردد مضمونا واحدا. انه عدم القدرة على الاتصال. وهو موضوع أثير لدى ألبي مثلا، وليس لدى تشيخوف الذي عرضت مسرحياته بهدوئها الفتان لتغييرات مرعبة في المجتمع الروسي الأبيض. اما القسوة والعنف، فهما مردودان الى فقدان الاستقلال. استقلال تونس وهم تقول »عشاق المقهى المهجور«، اذا ما اعتبر الاستقلال استقلال الدولة عن الاحتلال فقط. لذا يهجوه الفاضل الجعايبي، ويطلق إثره ما تعانيه الجزائر، ويسلط عليه تنامي التيارات الاصولية. اما النزعة المادية المكشوفة فهي ايضا من فقدان التواصل الانساني. ذلك ان المسرحية تنحاز الى نوع من الواقعية المحلية والامثولة الاجتماعية، ولكنها ليست امثولة اجتماعية بالمعنى الاخلاقي التافه للكلمة. بعض مأثور أونيل. الفاضل الجعايبي ينحاز الى أونيل وألبي اذا أردنا، ولا يعنيه آرتو. كما ان العنف الذي يطرحه، ليس تطهريا على الاطلاق. بل هو جزء من واقعة اجتماعية سياسية متكررة. وهي في تكرارها باتت تهدد حقيقة، ليس تونس فقط ولا الجزائر، بل العالم العربي من أدناه الى أقصاه، والعالم أيضا، حيث ان الأصولية موضوع لا ينحصر حضوره في العالم العربي فقط، ولا يمكن حصر مفاعيله في الاسلام. ما أعنيه ان الكلام على تحديدات في مسرحية الجعايبي، هي تحديدات مقيدة جدا، وما التحديد سوى محاولة مكشوفة، لمجموعة من الكليشيهات القاتلة. فارتياد المسرح يمنح الاحساس بأن العالم تغير، وان القيم مشكوك فيها، وان نقاءها غير أكيد. وهذه مسألة يطرحها الجعايبي بعمق، بجمال ومن دون زخرفة. انه ينقب في ماضيه عن مستقبله، وفي مستقبله عن ماضيه. ذلك ان الحركة المولدة للتاريخ واحدة. وحين نقطع فيها يقع الزلزال، كما يحدث الآن. يواجه الجعايبي بالنقد عددا من اقتراحات المسرح الحديث. السينما واحد من هذه الاقتراحات. فهي سينما مرذولة، لدى المسرحيين. لم تكن كذلك، بقيت ثانوية. هكذا استعملها بريشت كما استعملها بيسكاتور الى آخرين. استُعملت بوصفها فانوسا سحريا. وهي على النقيض في مسرحية الجعايبي. فالتقطيع هنا ليس سينمائيا. اما السينما فتحضر في لحظة خلابة، تتجلى في استرجاع شخصية من مسرحية اخرى للجعايبي هي مسرحية »غسالة النوادر«. فالفتاة الثورية، التي ذهبت الى فرنسا وعاشت ثورتها في العام 1968، تعود في »عشاق المقهى المهجور« في التفاتة مدهشة الى انسياب الزمن بين المسرحيات والمسارح. »بيا« هي السينما في »عشاق المقهى المهجور«، اما الاضاءة فهي ليست سينمائية على الاطلاق، بل مسرحية بتميز، فهي في تقطيعها وانتقالها من حيز الى حيز، تدور في حيز واحد، في الحقيقة. انه حيز المسرح. »حركتها السينمائية«، جعلت غير الموهوبين يردونها الى السينما. اما هي، حقا، فإضاءة مسرحية مئة بالمئة. تألق الاضاءة المسرحية، جعلها تزخم الناحية الدرامية وتحول العمل الى ممتع وأشد امتاعا وإثارة للاهتمام. وما تراءى لكثيرين انه سينمائي في حركة الممثلين في خلفية الخشبة ليس سوى ادعاء ورأي في غير موضعه. فهذه من الرقص، وخصوصا من التجربة الحديثة. بيناباوش؛ هذه التي حوّلت خطوات الرقص، الى ما يشبه الخطو العادي. ان الكتابة الدرامية لدى الجعايبي وبكار (شاركت في الكتابة) تبدو الى حد بعيد ترجمة للذكريات والتجارب. ونقل هذه من اللا وعي الى الوعي. وهذا ليس قليلا، وخصوصا في حالنا التي يسودها الفراغ الهائل، الذي بدأ يتحول الى فراغ جذاب. و»عشاق المقهى المهجور« تطرح سؤال الفضاء من منظورها. وارتجال الممثلين والممثلات ينطلق من المنظور والاسئلة نفسها. الثلاث الكبار أولا؛ جليلة بكار وزهيرة بن عمار وفاطمة سعيدان. آداؤهن ارتقائي. انهن ينتمين الى تجربة بروك على التمثيل، وليس غروتوفسكي الراهب. الفراغ الفراغ الفراغ في المسرح هو الفراغ في الخارج. واحد من أسبابه، كما تقول جليلة بكار المتألقة في دور الأم. هو افتقاد جيل الشباب الى الشعلة والشغف الداخليين. اما السبب الاساس، فهو التهديد الدائم بالاصولية، كما تجسد الأمر زهيرة بن عمار الممتازة الأداء، في واحد من أثرى الأدوار تعبيرية في المسرح العربي. وكذلك تفعل فاطمة بن سعيدان، حين تنتقل في أفلاك اللغة؛ اللغة التي هي شبكة علاقات مقتولة لديها. وذلك في ظل عجز الايطالية والفرنسية والعربية والتونسية معا عن ايجاد عقد تواصل فعلي، سواء في حالات الدفاع او الهجوم. (عقد مؤتمر في ماكارير لمناقشة قضايا الأدب والثقافة والحضارة والظروف الاستعمارية الجديدة الطارئة. وقد حضرت المؤتمر يومذاك جماعة من مقاتلي حركة التحرير »فريليمو«. وعندما تم الوصول الى مناقشة قضية اللغة، تم اقتراح لغة عامة مشتركة لكل أفريقيا السوداء. وان تكون لغة إضافية على كل اللغات المحلية. طرح مثالي، أجاب البعض). الا اننا ننتبه الى ان شخصية الجزائرية، صاحبة حضور يستأهل حيزا أكبر. عالم شكسبيري يبتعد ألف سنة عن الكرنفالات الدائرة. ذلك انه يرتفع فوق النثريات الى لب الموضوع في حركة عكسية. الفراغ يحاكيه الجعايبي، بفراغ صارم وبخزّان عارم من الرؤى والمشاهدات. لست أدري لماذا يخطر لي شيبرد في شغفه بالتفاصيل، وانا احاول الكتابة عن »عشاق المقهى المهجور«. ولكن أية نظرية هذه التي تجعل الكتّاب شديدي القرب من أعمالهم بحيث يصبحون أفضل من يفسّرها، كما يقول ألبي. الا ان »عشاق المقهى المهجور« بيروتية، في تناولها فراغا يشبه فراغ مدينتنا. عمل بيروتي، بهذا المعنى، بكل عنفه وشراسته، وبقلة مسالك اتصاله. أدهشنا الجعايبي، بما جنيناه منه. قدّم التعامل مع الفراغ، كما فعل مخرجون لبنانيون في تعاملهم معه. قوة الجعايبي التشكيلية الفائقة، من قوة عمله على الفراغ. عبيدو باشا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة