As Safir Logo
المصدر:

الرواية المستحيلة فسيفساء دمشقية(راجعه ياسين رفاعية)

المؤلف: السمان غادة التاريخ: 1997-07-07 رقم العدد:7735

»الرواية المستحيلة فسيفساء دمشقية« قد تكون من أهم اعمال غادة السمان منذ كتبت حتى اليوم، واستحالة كتابتها، من منطلق ان غادة ظلت تكتبها وتعيد كتابتها خلال عشر سنوات دون توقف، ولو أنها لم تنشرها الآن لأعادت كتابتها للمرة العاشرة او المئة. خمسمائة صفحة ولم تنته الرواية اذ اعلنت في الصفحة الأخيرة ان هناك ما لم يُكتب بعد. قد تبدو الرواية للوهلة الاولى سيرة ذاتية لطفولة غادة، فيها للذي يعرف غادة عن قرب الكثير من حياتها الطفولية. فأم غادة تُوفيت أثناء المخاض وغادة في الرابعة او الخامسة من عمرها، وأمجد والد زين بأخلاقه وأسلوبه في الحياة هو أحمد السمان والد غادة الدكتور والوزير السابق والاكاديمي الكبير، وحارة الورد في سوق روجة حيث نشأت غادة في بدايات حياتها تغدو في الرواية حارة الياسمين. ومساحة النجمة التي انتقلت اليها غادة مع أبيها وجدتها في بيت حديث تصبح ساحة المدفع الملاصقة لهذه الساحة قرب ابو رمانة. هكذا تختلط السيرة الذاتية بالفن الروائي، في تفاصيل مذهلة تدخل في تفاصيل اخرى. زين هي البطلة، أمجد والد زين البطل الثاني، وحولهما تدور الاحداث صعودا وهبوطا، وعبرهما نقرأ حيوات الناس بتعابيرهم وأمثالهم الشعبية، فاذا بهؤلاء كلهم يخرجون من عباءة دمشق المدينة، الشام باللهجة المألوفة، بالعبارات الغريبة التي لا تقال الا فيها، بالتقاليد اليومية التي لا نرى لها مثيلا في اي مجتمع عربي آخر بل ان الرواية تصلح مصدرا مهما لأي دارس اجتماعي يريد ان يعرف كل تفاصيل هذه المدينة العريقة. أحداث/ أحلام كان أمجد الخيّال يتوقع ان تنجب له زوجته الحبيبة هند صبيا يطلق عليه اسم »زين العابدين« لكن المفاجأة غير المحببة ان هندا أنجبت بكرها الاول بنتا احتلت الجزء الاول من الاسم اي »زين، او زنوبيا، او زنوبة«، حيث كان أعضاء الاسرة ينادونها بهذه الاسماء بين حين وآخر. وتُمنع هند من الحمل بسبب ضعف في القلب، لكن رغبة منها في إعطاء أمجد ابنا صبيا تحمل بتوأم0 تموت أمهما أثناء المخاض فيصيح أمجد انه قتلها. ولولا ذلك لما ماتت. هذا المرتكز الاساسي للرواية، تتفرع عنه الفصول العديدة التي تحمل عناوينها الرواية وكل فصل هو الفصل الاول كأن ما كتب قبله شيء آخر ورواية اخرى. وهي في الواقع روايات جانبية تلتحم كلها بالحدث الرئيسي »زين وأمجد«. »زين« الرواية، تتذكر طفولتها بما يشبه المعجزة، خيالها واسع الى حد، كما لو كانت احلامها هي الاحداث الرئيسية، تختلق الفانتازيا بالواقع، والخيال بالحقيقة. زين يطحنها »اثم« موت امها اكثر من مسؤولية ابيها عن هذا الموت، لأنها لو جاءت صبيا لكانت وفّرت على أمها التضحية بحياتها من اجل ان تنجب لزوجها إبنا. حتى ان زين عندما قصوا شعرها على الصغر من اجل تقويته وتكثيفه، تتخيل نفسها انها صارت صبيا، وصارت تعاشر الصبيان وتتحداهم، وتسبح في نهر بردى عند أخطر اندفاعه ودواراته بحيث لا يقدر احد من الصبيان ان يفعل مثلها فيتوّجونها »رئيسا« لعصابة الصبيان. كانت ترتدي أثناء ذلك البنطلون الكوبوي، والحذاء »الصبياني« وتحاول ان تبدو اكثر شجاعة من الجميع، خصوصا عندما تلقي بنفسها من فوق الشجرة الى النهر سابحة كالسمكة غير عابئة باندفاع الماء الذي يجر صخرة الى القاع. هذا التحدي يكبر مع تقدمها في العمر، وهي في الثالثة عشرة من عمرها تمتطي طائرة شراعية مع مدربها الاجنبي ولم يكن والدها أمجد تجرأ على ان يفعل ذلك رغم انتخابه للتو رئيسا فخريا لنادي الطيران الشراعي.. هذا التحدي الذي يركبها باستمرار تجاه الكثير من الامور الحياتية نابع من كونها انها تريد ان تثبت لأبيها ان البنت لا تقل اهمية عن الصبي، وان باستطاعتها تحمّل كل الأعباء التي يعجز حتى الصبيان عن تحملها. كان والدها يرى فيها أمها الراحلة، هي ترى فيه رفيق العمر، بل الأب والأم في آن معا. تفاصيل دمشقية بدت الكاتبة انها مصرة على كتابة كل تفاصيل الحياة اليومية لمدينة دمشق من خلال ذاكرة طفلة، مما اوقعها في كثيرة من الاحيان في »مطبات« كانت في غنى عنها. مثل التواريخ الدقيقة وبالأرقام للاحداث التاريخية كوعد بلفور وسقوط فلسطين في أيدي الصهيونية وتواريخ الانقلابات المتوالية على سوريا، لكن الروائية ارادت ان توثّق هذه الاحداث من خلال جريان الرواية، مع ان هذه التواريخ اصبحت معروفة لدى القاصي والداني. هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى، كانت زين تغيب عن الاحداث فجأة، لنقرأ قصة من هنا وقصة من هناك لأناس لهم صلة القربى بزين وبأبيها، والراوي لهذه الاحداث مجهول، وان يكن المفروض ان تكون الرواية من خلال ذاكرة الطفولة، وهي طفولة واعية ودقيقة كما لو انها ساعة سويسرية، تتذكر كل شيء، بما يشبه المعجزة، تفاصيل تفاصيل تفاصيل من الصعب على ذاكرة اي طفل آخر ان يختزنها بمثل هذه الذاكرة القوية لدى زين. ولكن لا غرابة، فمن يعرف غادة عن قرب، يدرك ان كل هذا الذي يقرأه معقول وصحيح، لان غادة تمتلك ذاكرة قوية، تختزن، بعين ذكية كل ما تراه، بما يشبه »الكمبيوتر« بدقة. معروف عنها ولا غرابة ان تروي زين عبر خمسمائة صفحة من القطع الكبير مرحلة من طفولتها لتعدنا بجزء آخر ربما كان الحجم ذاته لمرحلة اخرى من هذه الحياة الفنية. هذه الفسيفساء الدمشقية التي امتلأت بها جنبات الرواية كان من الضروري لها ان لا تنفلش الى هذا الحد من التوسع، لأنها كادت تسيء الى الرواية والى حرارتها المتدفقة، اذ قد تتعب القارئ فلا يتشجع لمتابعة القراءة، فالاغراق في التفاصيل منزلق خطر، قد يفقد الرواية حرارتها وعفويتها. تترهل »الرواية المستحيلة« احيانا، عندما تغرق الاحداث بالأمثال الشعبية التي لا أجد تبريرا لحشرها في السياق الا نادرا. كذلك التعابير »الشامية« التقليدية التي احتاجت الى شرحها في الهامش. لعل الكاتبة أرادت ان تنقل الجو الشامي بدقة كي تعبّر عن هذا المجتمع تعبيرا دقيقا، لكن غالبا ما كان هذا في غير محله. لست هنا بموقع البحث عن السلبيات، وهي نادرة جدا، في هذا العمل الكبير، الذي يُوحي ان الكاتبة بذلت جهدا عظيما كي تنقل لنا عالما برمته من خلال ذاكرة الطفولة، عالم مليء بالتعاطف والتعاون حيث أحياء دمشق القديمة، على عكس ما كان حاصلا في دمشق الاخرى دمشق الحديثة التي تقلّد الحياة الاوروبية »بعجرها وبجرها«. لقد نقلت غادة بعفوية صادقة وبلغة ملزوزة ذلك العالم السري والسحري الشاسع الذي عاشته أحياء دمشق القديمة وما زالت بدءا بالثرثرات النسائية وبمآسي الزيجات التي لا يرى فيها كل من الزوجين الآخر الا في ليلة العرس وما يتمخض عن ذلك من تعاسات وأحزان، الى الغيرة التي تقتلع الرحمة من القلب، الى الخيانات وما يشبه ذلك، الى انتقاد قاس للتقاليد الوحشية التي في الكثير من الاحيان تؤدي الى أوضاع مأساوية لا يمكن النجاة منها: »اذ ان احد المعارف في حي الشاغور نشر في الصحف نعياً لإبنته المسلمة وراح يتقبل التعازي بها لأنها تزوجت »خطيفة« من شاب مسيحي وهاجر الى أفريقيا خوفا من القتل، فاصطحبت العائلات المحترمة بناتها للتعزية وليرين بأعينهن في »العصرية« ماذا يحل بمن تفعل فعلتها كما رافقت زين عمتها بوران لشراء خروف قررت ان تذبحه فداء لعطل طارئ ألمّ بسيارة شقيقها أمجد وطال أمده، وقررت توزيع لحمه على الفقراء »دفع بلاء« عن السيارة، وقال امجد صراحة: »ان الزكاة لا تؤذي أحدا ولكن لا بد للسيارة من مصلّح وذبح الخروف وحده لا يكفي والا لذبحوا جملاً من اجل شاحنة معمل السكر المعطلة منذ أسابيع«. وتمرر غادة الكثير من اللفتات الذكية في صلب الرواية بما يشبه التوليف بين الذات والعام. بين الشخصي والقومي فشفيق حنين اليهودي الدمشقي الذي يضطر باكيا الى بيع بيته بعد قيام »إسرائيل« وأصبح المجتمع الدمشقي بعد ذلك يعاديه، فيشتريه لاجئ فلسطيني بكى على فقدان بيته في عكا عندما طرده اليهود من هناك ف: »أنصتت زين بذهول الى حوارهما وتعجبت: لماذا يقطن كل واحد منهما في بيت الآخر ما دام الرجلان يبكيان ولا يبقى كل منهما في بيته؟«. هكذا تمرّ الاحداث السياسية بإشارات سريعة دون ان تسيء الى مضمون الرواية وروحها الدمشقية، اذ استطاعت الكاتبة ان تنقل بدقة متناهية هذه الروح بكل تفاصيلها عبر عمل لا يبدو انه انتهى. كما يبدو ايضا ان لا نهاية له. فمن يريد ان يؤرخ مدينة، من الصعب ان يصل فيها الى نهاية.. وهل للمدن نهايات، خصوصا دمشق التي يقال انها أول مدينة بُنيت على الأرض وما زالت مأهولة الى اليوم. ياسين رفاعية

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة