As Safir Logo
المصدر:

كتاب.»نظرية العقل«لجورج طرابيشي الفلسفة معجزة الإنسان لا اليونان(صورة)

المؤلف: قاسم جميل التاريخ: 1997-06-27 رقم العدد:7727

يتحدث الجابري في مشروعه »نقد العقل العربي« عن محاولة في المجال الابستمولوجي لنقد العقل العربي بوصفه أداة للانتاج النظري، وليس الانتاج (أو النتاج أو المنتوج) عينه. وهو يقر في البداية بأنه كان من الممكن تفادي الاعتراضات على منهجه التيبولوجي التصنيفي لو استخدم كلمة »فكر« بدل كلمة »عقل«. لكنه يعتمد التمييز الذي وضعه أندريه لا لاند في كتابه »العقل والمعايير« بين العقل المكوِّن، وهو »مجموعة المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا«، أو النشاط الذهني الذي يقوم به الفكر في صياغة المفاهيم والمبادئ، واستخراج العلاقات من إدراك المبادئ والقواعد في الاستدلال، والعقل المكوَّن وهو العقل كما يوجد في حقبة زمنية معينة، وهو أقرب إلى مفهوم »العقلية« أو العقل السائد، أو الابستمية العقلية (حسب تعبير فوكو). ويعرِّف لا لاند العقل المكوَّن بأنه منظومة القواعد المقررة والمقبولة في فترة تاريخية ما، والتي تعطي لها خلال تلك الفترة قيمة مطلقة«(1). وبناءً على هذا التمييز يدرج الجابري »العقل العربي« في التصنيف الثاني، أي يعتبره »عقلاً مكوَّناً«، متزامناً، باعتبار هذا العقل المكوَّن جملة المبادئ والقواعد التي تقدمها الثقافة العربية للمنتمين إليه كأساس لاكتساب المعرفة، أو التي تفرضها عليهم كنظام معرفي. ويقرن الجابري تعريف لا لاند للعقل بتعريف آخر للعقل المكوِّن الذي يفترض عقلا مكوَّناً.. يورده ليفي ستروس في »الفكر الوحشي«. وإذا كان لا لاند قد بنى نظريته في العقل على أساس إثني مركزي ليؤكد أن العقل المكوَّن »ينزل منزلة المطلق من طرف أولئك الذين لم يكتسبوا، في مدرسة المؤرخين أو مدرسة الفلاسفة، الروح النقدية(2)، فإن مقاصد ليفي ستروس، كانت، على العكس، ذات طابع غيري لا مركزي تؤكد الطابع الرمزي والوظيفي للعقل والروح بدون تمييز إثني مركزي بين مجتمعات الكتابة والمجتمعات الشفهية. وقد خلط الجابري بين المنهجين في نظريته الخاصة. والخلط بين اللوغوس واللغة هو أيضا أحد أبعاد القراءة الإثنية التي في دمجها النطق العقلي بالنطق اللغوي ترسي نظرة لغوية إثنية ترى المعجزة اليونانية في لسانها »المنطقي«، وهي نظرية تعتبر اللسان »لغة الكينونة« ذاتها، وقد تبنى هيدغر في كتابه »في الفلسفة والشعر« هذه النظرة »المطابقة« للغة والفلسفة. وبما أن الفلسفة قائمة، من وجهة نظره في مقولة المطابقة التي تلتئم مع كينونة الكائن، وبما أن الفلسفة نحو من النظر يجعل الإنسان قادراً على وضع الكائن موضع الاعتبار بتوجيه النظر إلى ماهيته، من حيث هو كائن، وبما أن اللغة اليونانية هي »لوغوس«، فإننا (إذا) لم نتأمل اللغة تأملا كافيا فلن نعرف حق المعرفة ماهية الفلسفة بوصفها مطابقة، ولن نعرف ما الفلسفة من حيث هي نحو »ذو امتياز« من أنحاء القول. اللغة تقوم، إذاً، على المطابقة والموافقة والمناسبة بين اللسان واللغة: ما الكائن من حيث هو موجود؟ في هذه اللحظة أصبح الفكر (اللغة) »فلسفة« (هيدغر). وهذا الربط بين نحو العقلي والنحو اللغوي شهدنا له في تاريخنا الفكري مساجلة مشهورة يوردها أبو حيان التوحيدي في مقابساته مع مسكويه. ومقابل النحاة الذين اعتبروا أن لا حاجة لمنطق اليونان لأنه خاصية من خصائص اللغة الإغريقية، يغنينا عنه نحن العرب منطق (لغة) عدنان، واكتفى آخرون في المقابل بمنطق اليونان (أبو بشر متى)، ميَّز مسكويه والتوحيدي بين النحو العقلي (المنطق العقلي) والنحو اللغوي (المنطق البياني) وتبعهما في ذلك الفلاسفة الفارابي وابن سينا وابن رشد.. والنزعة اللسانية الإثنية التي يقع فيها الجابري باعتبار المعجزة اليونانية كامنة في نحوها العقلي (البرهان) فيما النكوص العربي كامن في نحوه اللغوي (البيان)، وفي الخرافة (العرفان) هي الصورة النقيضة التي ترى المعجزة العربية في لسانها (زكي الأرسوزي)، وهي النظرة الإثنية اللغوية المضادة التي سادت في الخمسينيات. ومن الواضح أن مفهوم العقل المكوَّن عند الجابري هو مفهوم عقلي قبْلي، لا يصل إلى درجة قبْلية عُلوية (ترانسندالية) وإنما قبلية بدائية، لأن القبلية الكانطية في نظريتها المعرفية تقرن المعرفة بالشرط الزمكاني، ولا هو من طبيعة ظواهرية هيغلية لأن معيار الظواهرية الهيغلية المثالية معيار تاريخي (التاريخية). وذلك لكي لا نتحدث عن النقدية الجديدة التي تجاوزت المفهوم الكانطي القبلي نفسه، بوضعها لنظرية المعرفة على أساس »العلاقة« بين الذات والموضوع في الصيرورة. ومن المفارقات أن أستاذ الابستمولوجيا الجابري لا يلاحظ أن الحداثة العلمية قامت على أنقاض »البرهان« الصوري الأرسطي والرشدي على حد سواء، من دون أن يعني ذلك التقليل من الأهمية التاريخية للأرسطية والرشدية في النهضة الغربية. فقد قام اكتشاف المنهج العلمي في العودة الى »كتاب الطبيعة« بعد أن عمّدت الكنيسة كتب أرسطو الطبيعية والميتا طبيعية وأصبح التطاول على نظرياتهما بمثابة التجديف والتطاول على الله والكنيسة، حتى لو كانت هذه النظريات تعتمد نظرية »مركزية الأرض« في النظام الشمسي! وقد قام اكتشاف المنهج التجريبي الحديث (الأورغانون الجديد) مقام أورغانون أرسطو ومنطقه القديم: هل تجاوزت النهضة الغربية أرسطو وابن رشد اللاتيني Averroes فيما ظل محمد عابد الجابري قابعا عند أعتاب »البرهان« الأرسطي والرشدي؟ ان التعارض في نظرية المعرفة العلومية بين المذهبي الاستنباطي والاستقرائي هو الوجه الآخر للتمييز بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي، وهو علامة من علامات التمييز بين ذهنيتين تميزان العقل البشري والعقل العلمي. فأنصار المذهب العقلي الاستنباطي يولون الأهمية عادة للفروض والقضايا، فتظهر التجربة عندهم كتأييد للفرضية. وأصحاب المذهب التجريبي الاستقرائي يولون الأهمية للظاهرة في صياغة الفرضية العلمية. وبناءً على ذلك تقوم علاقة العقل بالظاهرة على جدلية يقترن فيها الكلي بالجزئي، الكوني (العام) بالنسبي. ولا يعود ثمة معنى للمطابقة إلا في الأذهان وليس في الأعيان، في الفرضية وليس في التجربة »المعيشة«. ومعضلة الجابري انه في تأكيده كلية العقل وكونيته ينسى الجزئي والنسبي. إذ ان علاقة المعرفة الأساسية كما بيّنا في مكان آخر(3) لا يمكن أن تكون بالنسبة إلى عقلنا، إلا تلك التي تكون بواسطة الوعي، مناط تصورنا للأشياء والعالم. والوعي هو، بحد ذاته، علاقة قائمة في الفكرة، مناط تصورنا للأشياء والعالم. والوعي، هو بحد ذاته »علاقة« قائمة في الفكرة التي بواسطتها نفكر، وهي علاقة الذات بالموضوع بصورتها الشمولية، وفكرة الصيرورة هي فكرة التغير التي تنبثق عن الشأن الكائن (الذي يكون) وإذا نفينا عن الفكر صفة الصيرورة (إذ يكون كل شيء كائنا وغير كائن في الكينونة المتعينة والمتحينة) نزعنا عنه صفة الكينونة الحقة. وفكرة الصيرورة في العلاقة القائمة بين الذات والموضوع هي التي تحوي علة الكون في الشرط الزماني والمكاني والتاريخي. وبهذا لا معنى للمطابقة ما بين العقل والظاهرة، الذهن والعين؛ الذات والموضوع. وإذا كانت النظريات العلمية الغربية الكلاسيكية تستند إلى جملة من المبادئ، كمبدأ العلية، والخطية والغائية والحتمية، باعتبار هذه المبادئ ضرورية ومطابقة، فإن النظريات الحديثة، الكوانتية والنسبية والاحتمالية، قد وضعت كل النظريات المطابقة موضع النقد. فالعقل لا يعطينا إلا نظرة هندسية، مكانية عن الأشياء والعالم، غير متطابقة، إلا ذهنيا، مع الظاهرة العينية. والعقل، بطابعه تكميمي، تقنيني، تقعيدي. أما الظواهر فهي من طبيعة كيفية، دينامية، موجية، حركية، يجزئها العقل لإدراك قوانينها العامة. وبناءً على ذلك فإن مفاهيم الزمان والمكان والسببية هي مفاهيم تقوم على المواضعة، وليس المطابقة، ولا يوجد زمان ومكان وسببية منفصلة إلا في الوعي العقلي »الخارجي«، حيث اللاانفصالية تحكم الكون الفيزيائي في الحركة الكلية (Holo Mouvement) وحركة الوجود الكبرى. ولقد أكدت البنيوية الوظيفية البعد التزامني التطوري في دراسة الظاهرة الثقافية، بصورة تاريخانية، تجمع ما بين آنات الزمان وأبعاد الظاهرة الأنتروبولوجية (الإناسية) الرمزية، الطقسية، انطلاقا من السياقات والصعد والأنصبة (نصاب) الخاصة بالبنية في مجرى التطور. وقد أحدثت هذه النظرية المضادة للعقل، نقلة علومية جديدة في مجال المعقولية، أعادت الاعتبار للامعقول كبُعد من أبعاد العقل، والميثولوجيا »الأسطورية« كناحية من أنحاء العقل، فجددت وهذبت النظرة الإستيتيكية (الجمالية) للظاهرة الثقافية الإناسية. وأصبحت النظرة الوضعانية »المطابقة« في ازاء أشكال جديدة من المعقولية التي تقوم على المخيلة والحدس والفطرة والحكمة. وصار للمقولات الاستيتيكة كالجميل والسامي، والساحر، والمقدس والعجيب، كأنماط رمزية للروح، أهمية موازية لمقولات العقل كالزمان والمكان والكم والكيف الخ.. ولمبادئ »العقل« كمبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع. لا بل ان الثقافة المضادة أعادت النظر بهذه المبادئ الكبرى عينها، فالجينيالوجيا النتشوية التفكيكية ترفض مبدأ التطابق في الهوية وتؤكد الاختلاف الأنطولوجي في ذات الشيء، وهي، بعكس فلسفات الحضور، والذاتي والمعنى والحس، تؤكد على الغياب، والغيرية، واللامعنى، والمخيلة واللامفكر به. والفرويدية تقرن الوعي باللاوعي، والعقل باللاعقل، والواقع بالرغبة، والواقعية باللاواقع (السوريالية) حيث تفسر المحجوب بالمغيوب. ويذهب يونغ في ما يتعدى الفرودية الى تفسير المكان والزمان والوجود تفسيرا أرشيتيبياً، فيصبح الزمان قابلاً للاستعادة الأنطولوجية، ويصير للمكان قيمة أنطولوجية وليس هندسية، كما أن للزمان قيمة وجودية وليس فيزيائية بحتة، فالزمان هو زمان الوجدان الشعوري، والمكان هو مكان وجداني (مسقط الرأس، الوطن، أطلال الحبيب إلخ). كما ان تطور علوم الإنسان قد هذّب النظرة الى الدين والدينية، بالتمييز ما بين البُعد الثيولوجي والبُعد الميثولوجي للدينية، الأمر الذي من شأنه أن يخفف من غلواء النزعات التاريخوية والوضعانية التي لا تميز ما بين الميتافيزيائي والفيزيائي، المتعالي واللامتعالي، القدسي والدهري، الديني والدنيوي في الظاهرة الدينية. كثيرة هي الدراسات التي تطرقت إلى أطروحة الجابري نقدا، وتعليقا، وتعقيبا. ولعل أبرز هذه الكتابات التي قامت بعملية »نقد النقد« ونقد »مركزية العقل« عند الجابري، كتابة علي حرب في المشرق، والدكتور عبد الرحمن في المغرب ولا سيما في كتابه »تجديد المنهج«. وإذا كان علي حرب قد أخذ على الجابري طريقته المركزية المثلية في التعاطي مع موضوعات الفكر العربي، التراثية والمعاصرة، فإن الدكتور طه عبد الرحمن أخذ عليه »الطريقة« نفسها، أي المنهج. وإذا كان الأول ينطلق من منطلقات تفكيكية حديثة، فإن الثاني ينطلق من منطلقات علومية أصولية، ويأخذ علي الجابري موقفه التجزيئي والتفاضلي (الانتقائي) من التراث. وكتاب »نظرية العقل« لجورج طرابيشي هو آخر المؤلفات الصادرة في صدد »نقد النقد« في سلسلة الكتّاب والنقاد. ومع أن طرابيشي كان قد تصدى للأطروحات الجابرية في مؤلفات أخرى الا أن مؤلفاته السابقة لم تصل الى الجدة النقدية التي توصل إليها في كتابه الأخير الذي تخلص فيه من كثير من رواسب الفرويدية والتحليل النفسي الإسقاطية »المثقفون العرب والتراث« كما تخلص من حالة »العصاب الجماعي« التي نعى على الكتاب العرب أصابتهم بها في موقفهم من التراث. ولعل عنوان كتابه »مذبحة التراث« كان علامة من علاماتها. هذا مع أنه يصر من منظور علم اجتماع المعرفة على ربط صعود نجم الجابري بظاهرة »العصاب الجماعي« لدى الأنتليجنسيا العربية الناكصة الى التراث بعد هزيمة حزيران. وبدون الغوص في نقد التناص الخطابي وما يعتبره طرابيشي أفكاراً منحولة أخذها الجابري عن قاموس فولكييه بدلاً من المصادر الأصلية المذكورة في نصوصه نورد المحطات البارزة في هذا الكتاب: في »تمييز« الجابري العقل اليوناني والعقل الأوروبي الحديث عن العقل العربي، يرى أن »العقل في حركة تعقله لذاته« أو »النظر بالعقل في العقل« لا وجود له إلا في التقليد اليوناني. ويرى طرابيشي أن إشكالية »التفكير بالعقل وفي العقل« مستعارة لفظاً ومعنى، شكلاً ومضموناً، عن كتاب »نظرية المعرفة« عند ابن رشد وتأويلها لدى توما الأكويني لمؤلفه محمود قاسم حول »العقل المنعتق الذي لا يعود يفكر إلا في نفسه« وهي الفكرة التي تتقاطع مع أطروحة لالاند عن انتفاضة العقل على نفسه وانعتاقه من عقل مكوَّن ليعاود اشتغاله كعقل مكوِّن. والمسكوت عنه الثاني، في هذا الصدد هو هيغل الذي يأخذ العقل في نظريته الظواهرية شكل الوعي الذاتي للعقل المطلق، أي العقل من حيث هو »فكر الفكر«، و»روح الروح«، أو العقل المتعقل لذاته في انتقاله »من الشرق إلى الغرب«، المبنية على التمييز الحتمي الجغرافي بين عالم الصحراء وعالم البحر، وهو التمييز الذي يأخذ به الجابري في التمييز بين »روح الصحراء« الانفاصلية وروح البحر الاتصالية. يرفض طرابيشي مفهوم »العقل اليوناني« ويرى أن هذا العقل هو نتاج ثقافة »أممية« مفتوحة وقائمة على عصبية اللغة والثقافة في حوض البحر الأبيض المتوسط الشرقي، شاركت فيه نخبة من أصول فينيقية ومصرية ويونانية شرقية برزت في الفلسفة الطبيعية السابقة على أرسطو وأفلاطون وسقراط »اليونانيي الأصل«. وكأن طرابيشي يريد أن يقول بذلك إن الفلسفة هي معجزة الإنسان وليست معجزة اليونان«. يرى طرابيشي بناءً على ما سبق ان العقل العربي والعقل اليوناني بعكس تمييز الجابري بينهما تجمعهما رابطة شراكة، وهذا ليس فقط في لحظة التدوين بل، بداية، في لحظة التكوين. يعود مفهوم المطابقة العقلية عند الجابري الى جمعه ما بين مفهوم هيراقليطس عن »العقل الكلي« وتصور أناكساغوراس للنوس وهو المرادف للمفهوم الأول الذي يعتبر أن العقل هو الذي نظم كل شيء وأنه العلة لجميع الأشياء. وفي هذا الاتجاه سارت فلسفة مالبرانش المرجع الأساسي للجابري في مفهومه للعقل التي تعتبر العقل كليا ودائما، وضروريا، وهو العقل الكوني، عقل الله، ويتبنى الجابري بدوره مفهوم العقل الكوني على أنه القانون المطابق للوجود والطبيعة وما بعد الطبيعة. يرى أن كلمة لوغوس (عقل، أو »نطق«) مشتقة من كلمة »لغة« العربية أو السامية الأولى. كما أن كلمة نوس مشتقة من كلمة »نفس« العربية أو السامية القديمة عبر سلسلة من المرادفات. كما أن مفهوم »الكاوس« هو ليس إلا المرادف للخاوس أي الخواء.. وان أرسطو، المرجعية الأولى عند الجابري، قد حوّل النوس الى علة غائية، صورية تحكم العالم، فيما رفض فكرة »الخاوس« الخواء وهي الفكرة التي سيتبناها الفيلسوف البغدادي صاحب »المعتبر في الحكمة« وكذلك الطبيب الرازي في نظرية »القدماء الخمس« الحرانية، ويرى طرابيشي ان هذه النظرية هي الأقرب الى التصور العلمي الحديث، بعكس التصور الأرسطي الميتافيزيقي والغائي والصوري. وتبلغ نظرية المطابقة أوجها عند الجابري في اعتبارها قوانين الطبيعة مطابقة لقوانين العقل »مَن ينظر إلى الطبيعة بعين العقل لا يرَ فيها إلا العقل«، وبدون أن يدرك الفحوى الميتافيزيقية لنظرية سبينوزا المستقرئ ليس في مصدره الأصلي كتاب »الإطيقا« وإنما في كتاب يوسف كرم »تاريخ الفلسفة الحديثة«. يتبنى الجابري التمييز بين مفاهيم »الطبيعة الطابعة« و»الطبيعة المطبوعة«. والقسمة التوماوية عند يوسف كرم تحرّف سبينوزا فتجعل من القسمة للطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة قسمة وجود، فيما هي عند سبينوزا قسمة اعتبارية في نظرية وحدة الوجوه الباطنية عنده. كتاب جورج طرابيشي شيق وطريف وغني، لولا الثنائية التي ننقدها فنعود ونقع في إسارها. وإذا كنا نريد أن نوطد للوغوس والنوس والكاوس أصولاً اشتقاقية في حضارتنا العربية القديمة وهذا أمر طريف ويستحق النقاش، فهل من ضرورة الى أن نصادر من اليونان حقها في اكتشاف الأفهوم الفلسفي حول التفكير الوجودي، أي التفكير بالوجود كوجود، كما هو، في ضوء العقل.. وما ضير ذلك سوى التأكيد أن الفلسفة هي معجزة الإنسان وليست معجزة عدنان ولا معجزة يونان؟ (1) A. Lalande. La raison et les normes. Hachette. Pairs. 3691 P. 61 - 71. (2) المرجع السابق، ص 16. (3) أنظر كتابنا »مقدمة في نقد الفكر العربي«، مكتبة الفقيه، بيروت 1996، ص 118 119. (فصل »العلم والنظرية الاحتمالية«).

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة