As Safir Logo
المصدر:

مسرح التجربة وأسئلة الحرية

المؤلف: نسيم محمود التاريخ: 1997-06-27 رقم العدد:7727

هذا هو سعد الله ونوس: يكتب معلقا على تجربته في كتابة نصه الشهير »حفلة سمر من أجل 5 حزيران« وقد اجتاحته الرغبة الطموحة في الكشف عن الكلمة الفعل، أي الكتابة الشاهدة على انهيارات الواقع، المتحولة في الوقت ذاته إلى فعل يغير هذا الواقع، يكتب معلقا: عندما بدأت كتابة مسرحية »حفلة سمر« إنما أردت التعبير عن استحالة الكتابة وخواء الكلمات، وفي الواقع ما فائدة الكلمات حين يكون ما نحتاجه هو »الفعل«، كنت أتقدم في الكتابة، وكانت مشكلتي تنجلي وتبرز أمامي، لا تكفيني فاعلية الشاهد وإنما أريد أيضا فاعلية الذي يقاتل ماديا ويوميا، وهنا بدأ بحثي الدائب عن كلمة عارية كثيفة تكشف الواقع وتغيره في آن. وهكذا لم يفسر سعد الله وهو يكتب بمقتضيات جنس أدبي محدد، لم تخطر له أية قضايا نقدية، كان فقط يتصور أنه يعري واقع الهزيمة ويمزق الأقنعة عن صانعيها في سياق هبّة جماهيرية تبدأ مضطربة ومرتجلة ثم تتسق وتنمو في فورة عمل فعلي. وحين بدأت الأحاديث تتقاطر عن شكل المسرحية، مضمونها وقيمتها الفنية، ومستويات العلاقة بين الممثل والمتفرج، وسوى ذلك من القضايا التي تمس العمل الأدبي لا كطموح فعل، وإنما كعمل أدبي بحت، اجتاحت سعد الله اليقظة الذاهلة، وتساءل آسياً ومرتكباً حين كتب له أدونيس واصفا المسرحية »انها مدهشة، تكنيكيا بصفة خاصة« ولكن عن أي تكنيك يتحدث؟ لم أبحث عن تكنيك، ولا عن تجديد في الشكل، ثم كيف يمكن تمييز الشكل في هذا العمل إلا على أنه المضمون ذاته، إن الإيقاع المتنامي هو الحركة، وهو الفعل. وقبل أن أفيق كما يواصل ونوس توالت الآراء، وكلها تنحو المنحى ذاته، لقد صنفوا »حفلة سمر« مسرحية، أي عملاً فنيا لا أكثر، إذاً هي كتابة فقط. بدءا من هذا التصنيف اهتز الحلم وأخذت تترمد الصور المتقدة، الكلمة كلمة، والمسرح مسرح، وإن الكلمة ليست فعلا والمسرح ليس بؤرة انتفاضة، كان الاستنتاج مخيبا ومراً، وكان الحلم ينأى منطويا في سراب أو وهم. وينهي سعد الله تعليقه الكاشف بتساؤل شائك: كيف أصوغ الكلمة الفعل، وكيف أنجز بالكتالة طموحا مزدوجا، وربما متعارضا. متعة الكيان ينطوي سعد الله على تساؤلاته ويطوي وجوده على طموحه المستحيل، ويستمر في الكتابة، يتأمل المتغيرات الاجتماعية المتلاحقة والمتداخلة، ويستبصر شروط المسرح وطبيعته النوعية، يتفجّر جسمه بجنون الخلايا، فيستشف برؤى إشراقية وتحليل منهجي معا، تحولات الوجود والمصائر، واضطرامات الذات وتحولاتها، وحين تجاوره »ماري الياس« راصدة دخول تيمات أكثر إنسانية وأكثر خصوصية في أعماله المسرحية المتدفقة، متسائلة عن علاقة ذلك بعملية المراجعة التي يطرحها، فإن ونوس يجيبها بنفاذ بصيرة وصراحة روح مبدعة: كانت لديَّ أوهام على كل المستويات، أوهام على المستوى الإنساني، لأول مرة أنا أشعر بالكتابة كحرية، في الماضي كنت أفرض على نفسي نوعا من الرقابة الذاتية، رقابة داخلية قوامها، كما كنت أتوهم، تغييب الثانوي لصالح ما أعتبره قضايا هامة، لأول مرة أشعر بأن الكتابة متعة، كنت أشعر بأن المعاناة الذاتية أو الخصوصيات الفردية أمور »بورجوازية« سطحية غير جوهرية، كان اهتمامي منصبا على وعي التاريخ، لذلك اعتبرت مخطئا، أن الاهتمام بحركة التاريخ يجب أن يتجاوز الخصوصيات الفردية، لهذا كنت، على مستوى الكتابة المسرحية، أشعر دوما بأني لست في جلدي. وهكذا، يتشكل مشروع ونوس المسرحي من الكلمة الفعل الى الكتابة كحرية، مستجيبا في كل مراحله لشروط المسرح وموقف الكاتب. هذا هو سعد الله ونوس: يرى ابتداءً أن المدخل الأساسي والصحيح للحديث عن المسرح هو »الجمهور«. فيستهدف قلب صيغ ومناهج البحث التقليدية في مشاكل المسرح العربي، يدفعه الى ذلك سببان جوهريان: الأول هو أن هذه المناهج تنطلق من مفهوم ساكن وتعريف محدود وضيق للظاهرة المسرحية، والثاني هو أنها لم تستطع أن تدفع الحركة المسرحية الى أكثر من تحسن جزئي ومبعثر، أي أنها عجزت عن استكشاف طريق لحركة مسرحية أو لاتجاه مسرحي، فظل التحسن مجرد بوارق مشتتة تتظاهر في نص أو في إخراج أو في ممثل، وفي أحيان نادرة، في عرض مسرحي. لهذا يقلب ونوس هذه المناهج التي تنحصر جغرافية اهتماماتها بالخشبة فقط، ولا تتعداها إلا عرضا، وبشكل ثانوي، إلى الجمهور، إذ تعتبره واحدة من مشكلات الحركة المسرحية لا أكثر، ولعل هذا ما يفسر الخيبة النسبية لمعظم الحلول والصياغات التي وضعت لهذه المشكلة، وعلى مدى أبعد، انفصال المسرح عن كتلته الاجتماعية. يقلب ونوس هذه المناهج، إذاً، ليحاول الدخول الى المشكلة من الباب الذي يعتبره المدخل الصحيح والطبيعي، وهو الجمهور، فالمسرح يتميز عن بقية النشاط الثقافي بأنه في جوهره »حدث اجتماعي«، ولهذا فإن تقليص الظاهرة المسرحية الى دراسة أدبية عن النصوص، أو أحكام جمالية تتناول عناصر العرض المسرحي، مفردة أو متراصفة، إنما ينطوي على جهل بطبيعة المسرح كظاهرة اجتماعية. وبتحديد إجمالي، يذهب ونوس إلى أن الظاهرة المسرحية في أصلها وأبسط أشكالها، متفرج وممثل قد يندغمان معا في احتفال، أو يظل الواحد منهما في مواجهة الآخر، ولكن المسرح يبدأ فعلا عندما يتوفر ممثل ومتفرجون يتابعون لعبة الممثل أو يشاركونه فيها، وغياب أحد هذين العنصرين فقط هو الذي ينفي الظاهرة. عبر هذا العرض المجمل لأفكار ونوس وتصوراته الرئيسية حول العلاقة بين العرض كممارسة مفتوحة والجمهور كمشارك جمعي في التجربة، فإنني أود الاشارة الى أن تعريف المسرح وتحديده كحدث اجتماعي قد يغفل الطبيعة النوعية الخاصة بالظاهرة المسرحية، ويختزلها في توصيفات كلية ومجردة، وذلك لأن كل نشاط معرفي، بشكل ما، واقعة اجتماعية. أو كما يشير غولدمان فإن كل واقعة اجتماعية هي، من بعض جوانبها الأساسية، واقعة وعي، كما أن كل وعي هو تمثيل ملائم لقطاع معين من الواقع، وبدون فهم وقائع الوعي تلك لا يمكن دراسة الوقائع الاجتماعية بكيفية اجرائية. هذا مدخل عام وإجمالي قد لا يثير اختلافا ما، ولكن تظل كيفيات التشكل والخصوصيات البنائية هي ما يمكن أن يشكل مدار عمل المسرحي المبدع ومجال استقصاءاته، كما أن رصد الجمهور باعتباره إطارا مرجعيا للتجربة المسرحية ينطلق من فرضية غير مثبتة مؤداها وجود الجمهور كذات كلية متجانسة، مشاركة وفاعلة ومحاورة، وهذا طموح وحلم واستشراف، وليس توصيفا لواقع. غير أن ونوس، صاحب التجربة والحس الجدلي، يعود فيستدرك على الاطلاق والتعميم، ويتساءل: من هم حقا المتفرجون الذين نريد أن ننصب بينهم مسرحنا؟ إن الإجابة الفورية هي: اننا نريد مسرحا للجماهير. وبمقدار ما تبدو هذه الاجابة سهلة ومستهلكة، فإن السياق الذي نضعها فيه، كما يعبر ونوس، لا يوفر لنا لا السهولة، ولا الامتيازات المجانية للشعارات اللفظية، ذلك لأن الاجابة لا قيمة لها ولا تكتمل ما لم نعبر منها الى دراسة معمقة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فتتسنى لنا بعدئذ معرفة علمية أساسها المعايشة الفعلية والتحليل الصائب، لا الكليشيهات والصور الجاهزة، وهذه المعرفة التي نستعيض بها عن الصيغ الجاهزة للمسرح، أو بتعبير آخر، عن الطريق الأسهل لصنع تجربة مسرح، هي ذات طابع مركب، لأنها تفاعل يومي على مختلف المستويات الاجتماعية والفكرية والفنية. الحوار الجماعي يتحفّظ ونوس على المفهوم السائد عن جماعية العمل المسرحي باعتباره تضافر مجموعة من الجهود الفردية، المتراكمة والمتراصفة، هذا المفهوم ينظر إلى العمل الجماعي على أنه تجمع أفراد يعمل كل منهم بفردية، وينظر إلى المسرح على أنه سلسلة من العمليات المتتابعة: كاتب يؤلف نصا، ومخرج ينتقي النص ثم يدرب الممثلين على أدائه، وممثل يحفظ الدور ويؤديه، ورسام ينعزل في زاوية ليصمم الديكورات، وموسيقي يضع الألحان، وهكذا، ثم بعدئذ تراكم هذه العمليات التي تم كل منها بصورة فردية أو من خلال حوارات ثنائية، وينشأ من تراكمها العرض المسرحي. ويصوغ ونوس مفهوماً مغايراً عن العمل الجماعي في المسرح، يختلف جذرياً عن هذا المفهوم السائد، ففي عمل جماعي حقيقي، لا يمكن أن يكون الأمر عملية لملمة جهود فردية، بل ظهور نمط من أنماط الخلق الجديد، فيه خصوبة الجماعة، وغنى الحوار المستمر. إننا يقول ونوس بصدد تفاعل مجموعة من الطاقات في سياق عملية خلق مشترك، ومتدرج، له تماسك وهوية الجماعة، وإذا شبّهنا عمل المفهوم الأول بسلسلة تتجاوز حلقاتها، فإننا نشبّه عمل المفهوم الثاني بكيمياء متفاعلة. فما يعنيه ونوس حين يقول إن المسرح عمل جماعي هو ظهور مجموعة من الأفراد يتوفر لهم حد من التجانس، وضوح الرؤية، تقوم بمباشرة تجربة مغاير وتكسر طوق العمل التقليدي، وتنطلق جماعة لا أفراداً في بناء مسرح مختلف. في هذه المجموعة سيكون هناك كاتب، ومخرج، وممثل، وعناصر أخرى، إلا أن واحدا منهم لن يعمل منفردا بل سيظل العمل حوارا متصلا وفي اتجاهين متوافقين معا: حوار داخل المجموعة ذاتها، وحوار آخر بين المجموعة والكتلة الاجتماعية المحيطة. وبحركة جماعية كهذه، تندمج في جماعة أكبر هي الجمهور، سيكون ممكنا إيقاظ، وتجسيد القدر المشترك لنا جميعا، ممثلين ومتفرجين، وبذلك يتحقق أهم طموح للمسرح، أن نخرج من جلودنا لنتحد في جماعة، وأن نعي بعد ذلك مصيرنا المشترك كجماعة، وقوانين هذا المصير. هذا هو سعد الله ونوس: يستحضر في »منمنمات تاريخية« التاريخ، ويستمد مادته المسرحية من وقائعه وشخوصه وعلاقاته، لكنه وهذا هو امتيازه الإبداعي لا يكتب عن أزمنة وأمكنة تكوّنت وانقضت، حتى لو جرت الوقائع في أيام وليالي السنة التاسعة للهجرة، ولا يكتب عن شخصيات تتجلى لنا وعليها غبار التاريخ وأصداؤه المتلاشية، حتى لو تقنّعت تحت أسماء »أزدار وتيمورلنك والتازلي وابن خلدون«. إنه ليس مشغولاً بهاجس الأمس، حتى لو تجولت عيناه في المخطوطات والتواريخ، ولا يتحرك مشدودا وراء صوت المؤرخ القديم، حتى لو استخدم وثائقه ويومياته. فالتاريخ في عمله الإبداعي ليس ركاما من الصور والأسماء والوقائع، وليس خزانة للمحفوظات والأحداث المنقضية، إنه حركة كتل وتصارع إرادات وتضاد رؤى ومصائر في سياقات فاصلة، صدامية، تتراءى فيها الشخصيات في لحظاتها القصوى، اختيارا ومواقف وتحولات. وهكذا، لا يرصد سعد الله ونوس بل يرى، ولا يسجل بل يدرك جدل الظواهر وتفاعلاتها الخفية، مدركا أنه يكتب للمسرح، فيركز على بصرية الموقف ومساحة التمثيل وحركة الشخصيات وتعدد المستويات البنائية وتداخلها في وحدة تركيبية. ابتداءً، يختار ونوس لحظات تاريخية فاصلة: الأيام الأخيرة لمدينته الأثيرة دمشق ويسعى لقراءة الانكسار التاريخي والهزيمة المحتومة، ويطرح تساؤلاته على الشخصيات المستحضرة بأنقاضها ورؤاها، ويلقي ظلاله وإحالاته على الآني والراهن، لكنه لا يقع في الشرك المنصوب على مرمى حجر، فلا يجعل التاريخ قناعا للواقع، ولا يقيم بناءً انعكاسيا قائما على علاقات التماثل أو التشابهات المضمونية الجزئية، بين العالم التاريخي والواقع الراهن، وبرغم تصادم الجيشين، العربي والتتري، فإن المسألة ليست آلة عسكرية فتية وناهضة في صدام مع آلة عسكرية متهالكة، فهذا هو الشكل الخارجي للهزيمة، تلك التي تكمن جوهريا في العلاقات الاجتماعية المتداعية في المدينة المحاصرة. فعبر سياقات متعددة، تتكشف القيعان المعتمة والأبنية المفككة، وتتعرى دمشق، لندرك أن انسحاق المدينة قائم قبل أن يطأ جندي تتري واحد ساحاتها وجوامعها وأسواقها، وأن تيمورلنك حين استحوذ على دمشق وقلعتها، واستباح حرماتها وأرزاقها، فإنما استحوذ على هيكل خارجي لمدينة منتصبة كشاهد رخامي في الخلاء، وقد استباحها مسبقا علماؤها وأعيانها وأفرغوها من حيويتها الاجتماعية وحريتها العقلية، مدينة يراها تجارها صفقة ومخزن غلال ومشروعا استثماريا. وهنا يطرح النص سؤاله المضمر، ويتركه معلقا على جسد الشيخ »جمال الدين الشرائجي« المفكر المتأرجح على مشنقته في النهاية، شهيداً وشاهدا، بينما تتراى المدينة من حوله خرائب متنامية. يظل الماء يتدفق إن هذه الرؤية ذات الحس الجدلي تبدو جلية خاصة إذا تأملنا ازدواج المدينة وطبيعتها المركبة كما كوّنها النص، فأمام الحصار، تبدو المدينة ظاهريا معبأة ومهيأة للصدام المحتوم، فالقلعة محصنة، والجنود منتشرون على الأسوار، وفي الباطن، تتحول دمشق إلى صفقة تفك محنتها عقود بيع وشراء يتبادلها التجار والقواد على الجانبين. وهكذا تصبح المدينة مدينتين؛ الأولى تقاوم والثانية تساوم، ويصوغ المبدع السوري صورة مدينته المزدوجة تلك في نسيج محكم من الترابطات والعلاقات والمستويات المتداخلة. وفي النهاية، ومع اللوحات الأخيرة للمسرحية الشائقة، نتأمل المدينة المتقوضة التي توحدت تحت أنقاضها، فلم تعد مدينتين بل كتلة اجتماعية ومعمارية، متلاشية، وقد تداعى ظاهرها بهزيمة عساكرها وقوادها واستسلام أمير قلعتها، وانحسر باطنها الخفي بفشل الصفقة التي أجراها تجارها، حيث استأثر الغازي بالغنيمة. إنها الصراعات القديمة والمتجددة أيضا على إرادة الأمة ومقاديرها، وقد جسّدها صوت المؤرخ القديم في يومياته وسجلاته، واستحضرها الآن المبدع السوري الكبير راصداً تحولات التاريخ وعلامات الواقع معاً: ويظل الماء يتدفق في بردى. هذا هو سعد الله ونوس: الشهادة والنبوءة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة