As Safir Logo
المصدر:

عسل التبغ المر يجتذب دبابير الخصخصة»الريجي«تتقدم بمشاريع التصنيع وإنتاج المعسل والمالية ترد على الإقتراحات بالصمت واللامبالاة

المؤلف: الصغير اسماعيل التاريخ: 1997-06-26 رقم العدد:7726

كتب اسماعيل الصغير: أدرك القيمون على احتكار قطاع التبغ الدور الذي تلعبه هذه الزراعة كعامل استقرار، في الأرياف الجنوبية والشمالية وجزء من البقاع. لهذا أناط المشترع بإدارة حصر التبغ والتنباك، منذ انشائها، دورا يتعدى الجانب الاستثماري الى جوانب اخرى اقتصادية واجتماعية. ويجب الاعتراف، انه بغض النظر عن ممارسات شركة »الريجي«، طوال فترة احتكارها لصناعة وزراعة وتجارة التبغ، بين 1935 و1991، وفي ظل غياب مشاريع الري والتنمية الريفية الحقيقية، ان زراعة التبغ شكلت في المناطق البعلية حلا انتاجيا، يؤمن دخلا له صفة الاستمرارية، التي تبقيه خارج لعبة العرض والطلب والمنافسة. لقد طرحت مسألة استمرارية الاحتكار على بساط البحث، لأكثر من مرة. ورغم تباين وجهات نظر أهل الحكم لوظيفة الزراعة إلا ان هذا الاختلاف كان ينتهي ويتوقف عند خط احمر، اسمه منع الغاء الاحتكار، ما دام يقوم بوظيفته، في تأمين الحد الادنى من مكاسب لشرائح صغار المزارعين. واليوم تعود هذه المسألة الى الواجهة، لكن بمضامين جديدة، تقوم على المفاضلة بين مسألتين: الابقاء على الاحتكار بيد الدولة، او خصخصته وبيعه. وداخل اهل السلطة ثمة تياران يمثلان هذين الاتجاهين. ولعل تيار الخصخصة استعجل فتح الملف المغلق منذ 1991 بمحاولة تمرير مشروعين، داخل مجلس الوزراء، لا يفصل بين الأول والثاني غير فترة زمنية قصيرة، الاول منهما يقضي بالترخيص لافراد في القطاع الخاص القيام بعمليات استيراد وتصدير المنتجات التبغية، عبر المنطقة الحرة في مرفأ بيروت، والثاني يجيز لأحد المستثمرين غير اللبنانيين بإنشاء معمل للتنباك المعسل في البقاع. هذا في الوقت الذي بدأت فيه ادارة الحصر بانتهاج سياسة جديدة تقوم على دعم مزارع التبغ بإعطائه اسعارا تشجيعية مجزية، وتحقق دخلا وأرباحا للخزينة، حيث وفرت لها كرسوم جمركية حوالى 125 مليون دولار في السنتين الماضيتين فقط، ودعم محصول المزارعين بحوالى 150 مليار ليرة بين 1993 و1996، وقدمت الى الخزينة ارباحا صافية ما يوازي هذا المبلغ تقريبا. وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى الترخيص لمعمل »معسل«، تتعامل وزارة المالية بلا مبالاة مع اقتراحات ومشاريع لاستنهاض قطاع التبغ صناعيا وزراعيا وتجاريا. وهذا ما يقلق العاملين في قطاع التبغ، ويجعلهم يتساءلون: هل بدأ عسل التبغ المر يجتذب دبابير الخصخصة؟ واذا تخلت الدولة عن جزء من الاحتكار، فماذا سيكون مصيره بعد سنوات، وبالتالي مصير مزارع التبغ الجنوبي، الذي اصبحت شتلة التبغ جزءا من تاريخه. وفي ما يأتي الوقائع: يسود العاملين في قطاع زارعة التبغ هاجس من الخوف على مصير »الريجي«، ومرد هذا الهاجس مشروعان طرحا حتى الآن، ويمكن ان يكونا مؤشرا الى نوايا رسمية بتخصيص »الريجي«، كإدارة تتولى رعاية صناعة وزراعة وتجارة المواد التبغية. يقضي المشروع الأول بالترخيص للأفراد بالقيام بعمليات استيراد، وإعادة تصدير المنتجات التبغية، عبر المنطقة الحرة في مرفأ بيروت، واستطرادا في سائر المرافئ، اما الثاني فيقضي بالترخيص لمستثمر غير لبناني انشاء مصنع لانتاج التنباك »المعسل« في البقاع. من الناحية القانونية، يتعارض المشروعان مع قانون الحصر، الذي تتولاه ادارة حصر التبغ والتنباك، والاحتكار ملك للدولة، وتقوم الادارة حاليا، ووزارة المالية كسلطة وصاية بإدارة الاحتكار لحساب الدولة. وبالتالي فلا الادارة ولا الوزارة يملك حق التنازل عن اي جزء من الاحتكار لصالح الغير، كون هذه الصلاحية تعود الى مجلس النواب. خلاف تاريخي ما يدعو إلى التساؤل والريبة، ان يطرح هذان المشروعان داخل مجلس الوزراء، في فترة يجري فيها الحديث عن توجه حكومي لاستنهاض القطاع الزراعي. ومن نافل القول تعداد الدور الذي لعبه ويلعبه قطاع التبغ في اقتصاد منطقة الجنوب والشمال والمتن وكسروان سابقا، والبقاع لاحقا. اذن، يصبح من المشروع التساؤل عن مبرر محاولة التخلي عن جزء من هذا الاحتكار للقطاع الخاص. ولو وضع المشروعان في خانة الايجابيات والنوابا الحسنة، فإن محاولة تمريرهما لن تتعدى البحث عن مصادر موارد اضافية للخزينة، إلا ان الوقائع على الارض، والنتائج التي ستترتب على توجه كهذا، تؤكد ان المشروعين خطوة اولية، او تمهيد لخصخصة »الريجي«. والسياق التاريخي لموقف الرأسمال اللبناني، وبالتالي الموقف الرسمي، من الزراعة، عكس باستمرار ماهية نظرة هذا الرأسمال، وبالتالي نظرة الحكم، الى وظيفة ودور القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني. فمنذ أن انتهت مدة الاحتكار القانونية عام 1960، وطوال 30 سنة لاحقة، بقي مصير »الريجي« واحتكار قطاع التبغ، موضع خلاف، والتباس، بين أهل السلطة، لكن هذا الخلاف كان يتوقف عند حدود الارباح التي يحققها الاحتكار، وطريقة تقاسمها، بدليل استمراره بموجب تدابير ادارية، صادرة عن وزراء المالية، او بموجب مراسيم حكومية مستعجلة، اكتسبت قوة القانون، لأن مجلس النواب لم يحاول، ولو لمرة واحدة، ان يبت بأي مرسوم منها ضمن المهل القانونية، كما لم يحاول أن يطرح على هيئته العامة، موضوع استرداد الاحتكار، ورغم التباين في وجهات النظر، حول وظيفة الاحتكار، أبقي عليه كعامل استقرار ريفي، ولو في الحدود الدنيا. ما بديل التبغ؟ في »همروجة« الحديث عن فوائد قرار الحماية الزراعية، يحلو لبعضهم ان يصف القرار بأنه ثورة زراعية، ستقلب مفاهيم الاقتصاد اللبناني، أو على الأقل ستجعل من المزارعين عناصر أساسية في الانتاج. ولكن، اي فائدة سيجنيها منتجو الزراعات البعلية، وبالتحديد مزارعو التبغ، من هذه الثورة الخضراء، في غياب مشاريع الري، واي مصير ينتظرهم، في حال تم التخلي عن جزء او اجزاء من الاحتكار، ببيعها الى القطاع الخاص. لو ان اعباء دعم زراعة التبغ تقع على عاتق الخزينة، لكان لهذا التوجه ما يبرره. ولو ان مشروع الترخيص لمصنع ينتج المعسل هو بهدف تشجيع التصنيع الزراعي، لأن إدارة الحصر لا تملك هذا التوجه، او ليس لديها الامكانات، لبات الترخيص مشروعا، والوقائع الآتية فيها ما يكفي من الأدلة على ان المبررات تتعدى مسألة الاعباء، والبحث عن فرص جديدة للتصنيع. وقائع 1 قدمت »الريجي« إلى خزينة الدولة منذ 1993 ولغاية تاريخه أكثر من 135 مليار ليرة. وتقاضت الجمارك منها حوالى 35 مليون دولار عن عام 1995، و60 مليونا عن سنة 1996، وحوالى 30 مليونا عن الفترة الماضية من العام الحالي. وفي مجال دعم المحصول الذي تشتريه من المزارعين، فقد دفعت عام 1993 حوالى 8 مليارات ليرة، وعام 1994 حوالى 16 مليارا، وسنة 1995 ارتفع الرقم الى 54 مليارا، ثم الى 70 مليارا عام 1996، مع الإشارة الى ان موجودات الادارة تضاعفت من 16 مليون دولار سنة 1992 الى 167 مليونا سنة 1996. وهذا يعني ان الاحتكار يوفر دخلا للخزينة، ويوفر فرص عمل لآلاف الموظفين في مؤسساته التي تنتشر في كافة المناطق، كما يشكل ضمانة مالية لاستمرار زارعة يعمل فيها عشرات الآلاف من المزارعين في الجنوب والبقاع والشمال. فهل التخصيص سيحافظ على هذه المكاسب؟ مشاريع التحديث تلقت وزارة المالية من الادارة الجديدة للحصر عشرات الاقتراحات، بصورة مشاريع ودراسات، هدفها تفعيل العمل في قطاعات الادارة زراعيا وصناعيا، وتجاريا، وإداريا، وذلك على امتداد السنوات الاربع الاخيرة. والملاحظ امران: أ ان وزارة المالية، كوزارة وصاية، التزمت الصمت، واللامبالاة تجاه هذه المشاريع والدراسات، حيث لم يجر البت بأي منها، رغم إلحاح الادارة، وطلبها المتكرر. ب ان هذه المشاريع بدأت الاولى منها بطموحات كبيرة، لايجاد صناعة تبغية ناشطة في لبنان، وانتهت الاخيرة بمطالب متواضعة، همها على الأقل اعادة تحريك عجلات الآلات المتوقفة في مصانع المؤسسة، نظرا لتوافر فرص التصدير وبيع المنتجات الوطنية في اسواق مفتوحة امامها. ويمكن إيراد النماذج الآتية، مع الاشارة الى ان مسألة تصنيع التنباك المعسل، كان لها حصتها من الاقتراحات: 1 دراسة مفصلة عن واقع التجهيزات الصناعية في المؤسسة، تقترح على وزارة الوصاية واحدا من ثلاثة حلول، مع تقدير كلفة كل حل. الأول يقضي بإعادة تأهيل آلات مصانع الحدث، وكلفته 7 ملايين دولار. لكنه، حسب الدراسة، لا يفي بخطة انتاج اصناف جديدة، يمكن ان تؤمن حاجات السوق المحلية بنسبة 50 في المئة. والاقتراح الثاني يقضي بإعادة تأهيل تجهيزات الحدث، ونقلها الى مؤسسة المتن، وشراء آلات جديدة، والكلفة تبلغ 60 مليون دولار، فيما يشكل الاقتراح الثالث حلا وسطا، بإعادة تأهيل عدد محدد من الآلات، وشراء بعض الآلات المجددة لمصنع الحدث (الكلفة 25 مليون دولار). 2 اقتراح مشروع تعاون مع مصانع مصرية، تنتج التنباك المعسل، لتبادل الخبرة والمواد الأولية، ولإجراء تجارب في مصر، عل التبوغ اللبنانية ودبس الخروب، على ان يصار في ضوء النتائج الى اقتراح المناسب من التدابير على وزارة الوصاية. 3 حوالى عشرة مشاريع، خلال عام 1993، تقترح حلولا لمواضيع ومشكلات صناعية وتجارية وإدارية، من بينها تطوير وتجهيز مؤسسة طرابلس. 4 اعلام الوزارة بالنتائج الايجابية لتجارب تصنيع المعسل، باستخدام الخامات التبغية المحلية، والطلب للاعلان عن هذا الصنف بعد اقتراح الاسم والكلفة. 5 اعلام الوزارة بخطة لتأهيل وإعادة تجهيز بعض مؤسسات الإدارة لانشاء مصانع فيها تنتج السجائر الاجنبية، واعادة تأهيل وتحديث مصانع الحدث لرفع مستوى الصناعة الوطنية وانتاج اصناف جديدة للاستهلاك المحلي والتصدير. والجدير بالذكر ان اقتراح مشروع تصنيع السجائر الاجنبية جاء نتيجة عروض من شركة تبغ اجنبية، ابدت استعدادها تقديم آلات للتصنيع، وتجهيزات للتأهيل، وان تتولى الشركة العارضة مسؤولية التسويق الخارجية للمصنوعات لقاء نسبة مئوية بمثابة ارباح صافية للادارة وبعد خمس سنوات تصبح الآلات وجميع التجهيزات ملكا للإدارة دون مقابل. وقد تلقت الوزارة عدة كتب بشأن هذا الاقتراح، تطلب فيها الادارة من الوزير اعطاءها الموافقة المبدئية، كي تتمكن من درس تفاصيل العرض ويبدو ان الكتب ظلت من دون رد. 6 مشروع تفاهم بين الادارة وشركتين اجنبيتين، لانتاج اصناف اجنبية في لبنان، وفقا لشروط يتم الاتفاق عليها. ولقي العرضان الجديدان نفس المصير من اللامبالاة. 7 مشروع اقتراح لتأهيل مجموعتي آلات، تم شراؤهما قبل الحرب ولاسباب غير معلومة لم يتم تركيبهما، وتبلغ كلفة المشروع المقترح حوالى مليون دولار، ويهدف الى تصنيع صنف جديد، يتمتع بمواصفات تستوفي الشروطة المطلوبة ليكون رائجا، على ان يكون هذا الصنف بداية لخطة طويلة الامد، يستكمل خلالها النهوض بمشروع التصنيع. بالمقابل، ماذا يتوقع من نتائج الترخيص لأفراد باستيراد وإعادة تصدير المنتجات التبغية عبر المنطقة الحرة، والترخيص بانشاء مصنع للمعسل؟ ان الترخيص بالاستيراد والتصدير، لن يؤمن للخزينة سوى رسم ترانزيت، مقداره 4 دولارات، على غرار ما هو معمول به في مرافئ البلدان المجاورة، ولن يوفر فرص عمل الا لعدة عشرات من الاشخاص. واذا كان الفرق بين سعر المبيع داخل المنطقة الحرة والاسواق اللبنانية هو بحدود 115 دولارا للصندوق، فإن حمولة شاحنة تخرج من المرفأ باتجاه هذه الاسواق، ستحقق للناقل في فرق السعر فقط حوالى مئة ألف دولار. وامام اغراءات كهذه سيكون على السلطات المعنية ان تستبدل الموظفين بملائكة. وكلما ازداد البيع داخل السوق الحرة، سيقابله انخفاض في مبيعات ادارة الحصر، وخسارة بمعدل 162 دولارا في كل صندوق، ذلك ان مبيعات الادارة لا تقتصر على السوق المحلية. وهذا الفرق لن يصب في خزينة الدولة، بل سيذهب الى جيوب التجار المحظوظين، الذين سيحصلون على الترخيص. ولن يتوقف الامر عند هذا الحد، فالارباح التي تحققها الادارة من تجارة السجائر الاجنبية توفر لها حاليا القدرة على دعم زراعة التبغ، التي لم تعد زراعة فحسب، بل مصدر عامل ارتباط بالريف والأرض، خصوصا في منطقتي الجنوب والبقاع، هذا اذا لم نحسب الارباح الاخرى التي تصب في خزينة الدولة. اما الترخيص لشخص بانشاء معمل للمعسل، وتنتهي بالسجائر، الامر الذي سيؤدي الى تخلي الدولة عن الاحتكار، مع ما يتبع ذلك من نتائج وانعكاسات اجتماعية واقتصادية على شريحة واسعة من المزارعين. وهذا يعني ان النزاع القانوني، الذي سيقوم بين اللاهثين وراء الخصخصة والعارفين بأبعاد مأزق الغاء الاحتكار، هذا النزاع لن يحصر في النطاق القانوني فقط، بل سيتعداه الى الشارع، لان فيه تهديدا حقيقيا للقمة الخبز، لدى عشرات الآلاف من اللبنانيين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة