As Safir Logo
المصدر:

تقرير.بول بوت...غريزة القتل المتأصلة

المؤلف: حرب خليل التاريخ: 1997-06-21 رقم العدد:7722

ها هي كمبوديا تتداعى فيما يتسارع انهيار الخمير الحمر، ويفلت بول بوت من حصر التهمة في شخصه، ويبقى بذلك لغزا محيرا منذ بدأ حياته الثورية في الأربعينيات الى حين وصوله الى السلطة العام 1975، ثم عودته الى حياة الأدغال الحافلة بالمخاطر. هو متهم بتطبيق أفكار متطرفة، قوّضت كمبوديا بشريا واجتماعيا، ويقول آخرون ان الولايات المتحدة مسؤولة عن ترويج ثقافة العنف في هذا الجزء الآسيوي من العالم. اسمه الحقيقي سالوث سار. ولد في العام 1928 في أوساط الفلاحين الفقراء، وقادهم وهو في السابعة والأربعين من العمر الى النصر ضد النظام العسكري المدعوم أميركيا العام 1975، أو »العام صفر«، كما يسميه الخمير الحمر. كان كاهنا بوذيا قبل أن يتحول ثائرا في الأربعينيات. وعندما حصل على منحة لمتابعة تعليمه في فرنسا بين عامي 1940 و1948، أصبح مؤمنا بالأفكار الشيوعية. وفي فرنسا أيضا، خاض اينغ ساري وخيو سامفان وسون سين تجربة مشابهة، وتحولوا جميعا الى قادة للخمير الحمر في السنوات اللاحقة. وما لبث ان طُرد من فرنسا بسبب مشاكسته وتوليه قيادة تنظيم طالبي راديكالي ينادي بالثورة. وما إن عاد الى فنوم بنه حتى قرر القيام بحركة مناهضة للاستعمار الفرنسي الذي كانت حقبته تقترب من نهايتها في الهند الصينية في بداية الخمسينيات. وخلال عمله في حقل التدريس في مادتَي التاريخ والجغرافيا، راح بول بوت يبثّ أفكاره، وكوّن النواة الأولى للتنظيم السري لتنظيمه الماوي في وقت كانت فيه الحركة الشيوعية الفيتنامية تتنامى. وفيما حصلت كمبوديا على استقلالها من فرنسا العام 1953، أصبح بول بوت أمينا عاما لحزبه الشيوعي، إلا أنه في العام 1963 فر الى الأدغال تجنبا لقمع حاكم كمبوديا الأمير نوردوم سيهانوك. وعندما اختار بول بوت الوقوف الى جانب الفلاحين الثائرين على قرار الحكومة رفع الضرائب على الأرز، واجه الخمير الحمر في العام 1968 قمعا عسكريا دمويا. وكان العام 1970 موعدا لتحول بارز في الأحداث الكمبودية، حيث أطاح انقلاب يميني بزعامة لون نول بحكم سيهانوك الذي انضم بدوره الى صفوف الخمير الحمر التي أطلقت حركة مقاومة. ثم تتعرض كمبوديا لغزو أميركي فيتنامي جنوبي لمطاردة مقاتلي الفياتكونغ الشيوعيين الذين أُجبروا على الفرار داخل الأراضي الكمبودية حيث انضموا الى الخمير الحمر، المعزولين في مناطق نائية. وتندلع حرب أهلية شاملة. يستولي الشيوعيون على السلطة في فيتنام الشمالية، أما بول بوت فينقضّ على الحكم في العام 1975 ويبدأ عملية إبادة انتقامية لكل ما يمت بصلة الى نظام لون نول المدعوم أميركيا، يُعتقد انها طالت أكثر من مليوني شخص، رافعا مزيجا إيديولوجيا غير متجانس من تعاليم ماو تسي تونغ والثورة الثقافية. وبدعم من الاتحاد السوفياتي، تتدخل فيتنام عسكريا ضد بول بوت وحركة الخمير الحمر، الماوية المدعومة بطبيعة الحال من الصين، فيعود الخمير الحمر في العام 1979 الى الأدغال، ليبدأوا مرحلة جديدة من حرب العصابات، قرب الحدود مع تايلاند، ويتلقون دعمها. وفي غضون أسبوعين، تسقط فنوم بنه في أيدي الفيتناميين الذين يشكلون حكومة تضم في غالبيتها منشقين عن الخمير الحمر بزعامة هنغ سامرين. يظل بول بوت على مبادئه الرافضة للمساومة، ويشكل في العام 1982 تحالفا للمقاومة ينضم إليه سيهانوك، وتسارع الأمم المتحدة الى الاعتراف بشرعية هذا التحالف باعتباره حكومة كمبودية رسمية. وتظل الخمير الحمر على انكفائها العسكري، ويظل مصير كمبوديا معلقا، حتى العام 1989 حين سحبت فيتنام 26 ألف جندي من هذا البلد الذي تبلغ مساحته 66 ألف ميل مربع، في حين يحقق الخمير الحمر اختراقا عسكريا باستيلائهم على مدينة بايلين، القريبة من الحدود التايلاندية، وتصبح مركزا تجاريا لهم. وفي العام 1991، تنجح جهود وساطة للأمم المتحدة، بتأييد أميركي، في جمع الأطراف الكمبودية في باريس، حيث تم التوقيع على اتفاق سلام يمهد لانتشار 22 ألف جندي دولي للاشراف على انتقال كمبوديا الى حقبة هادئة من حياتها، يدعمهم المئات من المستشارين الغربيين، وأكثر من ثلاثة مليارات دولار. وللمرة الأولى منذ العام 1979، يعود خيو سامفان وسون سين (قتله بول بوت مؤخراً) الى فنوم بنه باعتبارهما من زعماء الخمير الحمر التي وقعت على اتفاق باريس، لكنهما هربا في اليوم نفسه بعد تعرضهما لمحاولة اغتيال. يعزز الخمير الحمر عزلتهم، ويقاطعون انتخابات العام 1993 التي رعتها الأمم المتحدة، والتي شهدت إقبالا كبيرا. يحاول سيهانوك تشكيل حكومة واسعة التمثيل، ويقابَل بمعارضة أميركية حادة، ويبقى الخمير الحمر في الأدغال يعيشون حياة العصابات. يصبح بول بوت خارجا على القانون بعد أن تم حظر تنظيم الخمير الحمر. وتبدأ الحكومة محاولات لشق صفوفهم، بتشجيع حركات تمرد وانشقاقات، بلغت ذروتها في الأسابيع الماضية. يظل بول بوت بعيدا عن الأضواء. لا يُعرف له مقر. تتحدث شائعات عن موته، مرة بفعل المرض، ومرات برصاص منشقين، وتعيش المناطق الريفية حالة رعب حقيقية. تزداد حياة بول بوت صعوبة في العام 1996، فقريبه اينغ ساري يقود انشقاق على رأس 10 آلاف مقاتل، ويعفو عنهم سيهانوك. يكبر الصراع داخل الحكومة الائتلافية مع اقتراب موعد الانتخابات العام 1998، بين رئيسي الوزراء الأمير نوردوم راناريديه وهون سين اللذين يتنافسان بحدة على الفوز بموالاة المنشقين، تحضيرا لهذه الانتخابات التي ستسفر عن انتخاب رئيس واحد للوزراء، والتي بدأت منذ الأسابيع الماضية تتخذ طابعا دمويا. بول بوت يقتل رفيقه القديم هون سين وعائلته، ويفر مع مجموعة من مقاتليه المخلصين، باتجاه الحدود التايلاندية، وتتوالى شائعات حول أسره، وأخرى حول استسلامه وتصفيته جسديا. يتنبأ كثيرون بنهايته الوشيكة، لكن أحدا لا يعرف متى. وبرغم ذلك تبدو خياراته واضحة، فإما حرب بلا نهاية، أو موت مقاتل الأدغال، منتحرا. خليل حرب

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة