} هذا عمل موهوب بكامله للحب، لكنه الحب في »الأيام المخمورة«، يعني تلك الأيام التي سبقت الحرب العالمية الثانية، وأعقبت نشوبها في بيروت ودمشق، والأولى منهما بوجه خاص، حين جاء السيد »دي مارتل« مفوضا ساميا في بيروت، وكان الرجل »محنكا بلا وازع، وماجنا بلا رادع، خطف عقول القوم فخلعوا ما بقي من التقاليد والقيم القديمة، وانهمكوا على دين سلطانهم في البحث عن المباهج واللذات.. كانت الأيام المخمورة، تترنح بالإباحة المفاجئة والرغبات الذاهلة..«. إنما في تلك الأيام جرت أحداث هذه الدراما التي تتخذ كلها شكل »الفلاش باك« أو استعادة الماضي. فهذا حفيد طلعة، أيقن أن في عائلته دملاً يتستر عليه الجميع، وأنه لن يستقر في اسمه وهويته إلا ان كشف عن هذا الدمل، ومن ثم بدأ البحث مع أمه، ثم خالته وخاله، ومن رواياتهم جميعا تكاملت أمامنا أحداث الدراما: السيدة سناء تعيش مع زوجها عبد القادر: واحد من أكبر تجار الطحين في بيروت، ربطت بينه وبين عائلتها الدمشقية علاقات تجارة تحولت الى مصاهرة، وأنجبت له شابين وشابتين: عدنان وسرحان، ثم سلمى وليلى، هل كانت سناء تحب زوجها؟ تجيب ليلى، أم الحفيد الباحث عن الحقيقة: »في تلك الأيام كان الحب معيباً، ومع هذا أعتقد أنه كان يحب أمي، لكنه لم يكن يعرف، أو لم يشأ، أن يعبر عن حبه. كان شديد الرحابة معنا، نحن أولاده، لكنه كان شديد القسوة والغيرة على أمي..«. وكيف كان الأمر بينهما في الفراش؟ تستحي ليلى أن تجيب ابنها عن سؤاله، لكن الخالة سلمى الجريئة الجسور تجيبه بأنه كان شيئا بهيميا ومبتذلا، لقد تلصصت عليهما وهي تصف له ما رأت: كان الأمر في كل مرة يتم قهرا واغتصابا، يمزق الرجل سروالها، لأن اللذة عنده لا تتفق مع اللطف، ويأخذها عنوة، هي كارهة نافرة، وهو لا يبلغ أوج لذته إلا حين تصفه بأنه جلف ووحش ورهيب! ماذا تتوقع أن تفعل هذه المرأة حين يلوح لها حب حقيقي وهي في السابعة والثلاثين؟ الحقيقة انها ترددت طويلا، وقاومت كثيرا، يشهد بذلك حوارها أكثر من مرة مع تلك المرأة التي لا تظهر لسواها (واضح أنها الذات الأخرى The Other Ego«، يصفها المسرحي أول ظهورها بأنها »تماثل سناء في الطول والقوام، ترتدي ثوبا ناريا، وجهها شديد البياض، تبرز فيه عينان سطوتهما لا تقاوم..«، ثم هي تتألق بتألقها، وتنهار بانهيارها، وفي أحد مشاهد المسرحية المتقدمة تناديها سناء قائلة: »آه يا نفسي..«)، لكنها أخيرا تتخذ قرارها: ستلبي نداء الحب. تكتب رسالة لزوجها وأولادها، وتعهد الى ليلى وحدها بسرها. تقول لها وهي تحاورها: »كان ذلك أقوى مني، كان كالمرض الخفي، ينمو داخلي، وفي غفلة عني.. (..) لقد أمضيت عمري كله لم أتخذ فيه أي قرار، كانت القرارات دائما مبرمة، وما عليَّ إلا أن أنفذها، واليوم، حين استطعت بعد عذاب يفوق عذاب المخاض والولادة أن أتخذ قرارا بنفسي ولنفسي. لن أتخلى عنه، ولو كان فيه مماتي..«. طيب. وماذا بعد؟ ماذا فعلت »الأيام المخمورة« بهم جميعا؟ أما الأسرة التي هجرتها فقد انقسمت: أرغى الزوج وأربد، وتحدث عن الشرف الرفيع الذي لا يسلم من الأذى. ثم نسي الموضوع كله أو كاد. النتيجة الواحدة المؤكدة هي أنه قطع علاقاته التجارية بأصهاره القدامى، موقعا بهم خسائر فادحة. ثم هو ينصح ابنه الأكبر بنسيانها والالتفات لشؤونه. عدنان: هذا الدركي الوطني المتمسك بأهداب الشرف هو من سيحمل الفاجعة حتى الرمق الأخير. سرحان وسلمى متشابهان، كأنها مكافئته الأنثى، وهو مكافئها الرجل، وكلاهما يخرج من البيت بدون عودة. تزوجت سلمى شابا تصفه بأنه كان »متمدنا وميسورا، وكانت ليونته، والوسط الذي يعيش فيه، يلائمان تماما ما كنت أصبو إليه..«، ولا شك في أنها حققت هذا الذي كانت تصبو إليه. أصبحت لا تتكلم إلا الفرنسية، وتخلت عن اسم عائلتها وحملت اسم زوجها، وأحاطت نفسها بنخبة من الفرنسيين »وبعض الظرفاء من الأعيان والساسة..«، فنعمت بالقوة والوجاهة. وحين اندلعت نيران الحرب أصابها بعض لهيبها، فاتُّهمت بأنها موالية لحكومة »فيشي«، مملية لأنصارها، وهي تقول لابن أختها بوضوح انها لم تكن تحب الانكليز، ولا أولئك الذين يزحفون وراءهم متشدقين بأنهم فرنسا الحرة، أوقفت يومين ثم أطلق سراحها لتعود سيرتها. وقد كانت شريكة سرحان في نشاطه السري المشبوه: لم يعد الفتى الى جامعته الأميركية، تاق الى الغوص في الحياة السرية لبيروت وسرعان ما عرف طرق تهريب المخدرات وتجارة الأجساد حتى أصبح »ملك اللذة في هذه المدينة، لديه سلسلة من البيوت السرية والأوكار ونوادي القمار والشقق الخصوصية، وما لا يعرفه إلا رجاله وسماسرته..«. وقد أعانته سلمى ونخبتها حتى وصل الى ما وصل إليه، وهو يوجز لابن أخته فلسفته في كلمات منمقة مصقولة: »اسمع يا ابن أختي. ما بدَّد عائلتنا، وما يبدِّد حياة الأغلبية من البشر؛ هو الأوهام. والسر في قوتي ونجاحي هو أنني لم أدع الأوهام تتسرب إلى داخلي، دائما كنت أحب أن أتمرغ في وحل هذا العالم، وأن أنظر إليه بعينين قويتين، لذلك فإن النجاح يتراكم فوق النجاح بصورة مجانية، وكأنه جزء عضوي من وجود العالم وحركته..«. بقيت ليلى، أحب الأبناء الى سناء، عهدت إليها بسرها وأين تقيم، فقدت ليلى النطق بعد رحيل أمها، وقسا عليها أبوها قسوة وحشية، ولم يفلح في علاجها أطباء ولا مشايخ ولا دجالون يقيمون طقوسهم لإخراج الجن الذي تلبَّسها، وظلت كذلك سنوات حتى لاح في حياتها »شامل« الدركي الدمشقي الوطني، وصديق أخيها عدنان، كما سيلي. هل وجدت سناء نعيمها مع »حبيب« لاحظ الاسم الذي أقامت معه في بيت ريفي جميل، تحف به أشجار الصنوبر، وتستلقي تحت المدينة حتى شاطئ البحر؟ نعم. لقد عاشت مع حبيبها، العاشق ذرب اللسان الذي يجيد التعبير عن مشاعره حتى يبعث القشعريرة في ظهرها، تجربة عشق فريدة، تجربة تكاد تتفرد بين ما نعرف من تجارب العشق والعشاق: تتجاوز ما قال ابن الرمي عن امتزاج الروحي (قال: أعانقها والنفس مني مشوقة/ إليها، وهل بعد العناق تداني؟/ وألثم فاها كي تهدا حرارتي/ فيشتد من ألقي من الهيمان/ كأن فؤادي ليس ترضيه حاجة/ سوى أن يرى الروحين تمتزجان!). عرفت في تجربة الجنس ما لم تعرف في حياتها كلها، هي الزوجة منذ كانت في الخامسة عشرة، لكن العاشق النهم لا يكتفي، إنه يريد أن يمتلكها.. حتى ماضيها. فيروح يحرضها على استدعاء ذكريات طفولتها ويشاركها فيها. علاقة الحب الإنسانية الحقيقية إنما قامت، وأزهرت وأثمرت، بين ليلى وشامل. لم تكن ليلى مثل أمها مثقلة بماضٍ يمسك بتلابيبها، لا تستطيع منه فكاكاً (تقول سناء: »في خريف العمر، لا يستطيع المرء أن يربط ماضيه كبقجة ملابس، ويرميها في زاوية الخزانة!)، كانت ليلى مثل زهرة تتفتح لأولى قطرات الندى، أحبت شامل وأحبها وهي عاجزة عن النطق (وما كان أروع حوارهما، حينا بالاشارة، وحينا بالكتابة! كائنان إنسانيان يحاول كلٌ قدر طاقته أن يأخذ بيد شريكه، ويقدم له كل ما يملك، ليعبرا معاً نحو مستقبلهما الواحد). وثقت به، وأطلعته على سرها المكنون، وحمّلته رسالة الى أمها (عرف عدنان أين تقيم أمه، بعد أن شهد مصادفة بعض حوارهما، فمضى إليها، وحين واجهته عجز عن قتلها، فخرج ضائعاً وقد زاد همه، ولم يجد خلاصاً سوى أن يضع فوهة المسدس في فمه ويطلق الرصاص). أما حين تزوجا، وفي ليلتهما الأولى بأحد فنادق »شتورة« وهما في طريقهما الى دمشق. فتحكي لنا ليلى: »وسط الاهتياج والقلق، كنت أشعر على نحو غامض بأن الكلام يتشكل كحبيبات الزبدة على رأس لساني.. (..) كان يتلكم بصوت حنون، وكنت أحس أن مفاصلي ترتخي وأن حبيبات الزبدة ما زالت تتكون على أطراف لساني (..) وبرغم الحياء والارتباك كنا ندخل في العيد متنقلَيْن بين مشاهده ومباهجه خلال ليل طويل لا ينتهي (..) وحين صحوت شعرت بأني أشهد ولادتي الثانية، وتفحصت لساني في فمي، فوجدته خفيفا لينا، وجربت فورا أن أنادي شامل، في البداية كانت الحروف تتداخل وتندغم، ولكن بعد قليل، تحرر اللسان من عثراته، واسترد طلاقته..«. أرأيت ما فعل الحب الإنساني الحقيقي والصادق؟ لقد نجح في ما أخفق فيه الأطباء والمشايخ وشتى الطقوس والممارسات، وسيتكرر هذا الأمر ثانية حين يستشهد شامل مع حامية الدرك التي أبيدت وهي تدافع عن البرلمان ضد القوات الفرنسية في 29 أيار/مايو 45. كان ابنهما هو الحفيد الذي يتقصى عناصر الرواية في الثانية والنصف من عمره، واحتبس صوت ليلى للمرة الثانية. لكن شامل لم يتخلَّ عنها، كان يأتيها في المنام كل ليلة، وبعد شهور قليلة.. »رأيته وكاننا في تلك الغرفة التي قضينا فيها ليلتنا الأولى في شتورة. كان يرتدي الملابس نفسها، وكان يفيض رقة وحناناً، ضمني وقال لي: من أجل الحب وابننا انطقي. ونطقت، ثم استيقظت ووجدت لساني طليقا..«. هل تريد مزيداً من الأدلة على إيمان الكاتب بالحب كقيمة إنسانية يضعها في أعز مكان؟ خذ كلمات قليلة من رسالة الأم العاشقة لابنتها العاشقة، تقطّر فيها خبرتها: متعتها وعذابها، هناءها وعناءها. تقول سناء: »لا تخافي من الحب، لأنه النعمة التي تجمِّل الإنسان، وتجعل الحياة فوحا وأملا يتجددان ولا ينضبان، الحب يا ليلى يحتاج الى قلب معافى ونفس صافية. الخوف والمرارة والمخادعة كلها أغذية فاسدة تسمم الروح وتقتل براعم الحب. لا تعصري قلبك حين يخفق، ولا تحبسي أنفاسك حين يتدفق الدم لاهثاً في عروقك. وحين تشعرين أن عاطفة كالتيار تدفعك نحو الذي برقت له عيناك، وخفق له فؤادك، اركبي التيار ولا تخافي!.«. أتريد أغنية للحب أعذب من هذه الأغنية؟ ونحن نعرف أن لسعد الله ولعاً دائماً بالمسرح الشعبي وفنونه المختلفة التي كانت تؤدى قبل أن يفد الى العالم العربي مسرح الغرب، وأنه استخدم بعض أشكال هذه الفنون في أعماله (على سبيل المثال: »الحكواتي« في »مغامرة رأس المملوك جابر، 70«. والدمى أو العرائس في »الملك هو الملك، 79«. ليس هذا فقط، بل كتب سعد الله دراسة عن »خيال الظل«، نشرها تقديماً لكتاب عن هذا الفن: »حسين حجازي: »خيال الظل والمسرح العربي«، دمشق، 94«)، وهو في هذه المسرحية يعمد الى استخدام »الأراجوز« وتوظيفه. ثلاثة مشاهد يؤديها الأراجوز وفرقته: الأول مشهد سافر عن »المفاضلة بين القبعة والطربوش«، ويحمل تعليقا »باروديا« هازلاً على مشهد سابق يقوم فيه الأبناء بنزع الثياب التقليدية عن أبيهم، وإلباسه ثيابا عصرية (وقد نذكر هنا أن تلك المفاضلات قد دارت بالفعل في أقطار عربية عديدة حول ذلك التاريخ، وهنا في مصر نشبت معركة حامية بين دعاة الطربوش ودعاة القبعة، وكان على رأس الأخيرين الكاتب والسياسي الدكتور محمود عزمي، الذي أصر على ارتداء القبعة من ذلك الحين). المشهد الثاني يشخص فيه الأراجوز وفرقته »جريمة العصر«: زعيم وطني من رجالات العصر، لكن امرأته لا تراه إلا سقيما خائرا عنينا، ويأتي ابن أخيه الشاب ليقيم في بيته، فتقوم بينه وبين المرأة علاقة عشق جارف، تؤدي بهما لأن يضعا للرجل السم، لكن »الولد البوَّال« كما تصفه المرأة يفشي السر. وأمام المحكمة تعترف بكل شيء وتدافع عن نفسها بكلمات صريحة: »حين أحببت وتفتح جسدي للحياة.. أدركت أنني لم أعد أحتمل الاهانة والاحتقار البارد (..) بين الاحتقار البارد وهذا الحب الذي جدَّدني وأوقد اللهب في جسدي كان ينبغي أن أختار.. كان ينبغي أن أقتل (..) ولست نادمة..«. وكانت تلك الحكاية التي شخصها الأراجوز وفرقته معادلا فنيا لما يدور في نفس سناء وذاتها الأخرى وهما تشهدان العرض، وإنما بعدها مباشرة اتخذت سناء قرارها بلقاء قدرها وحبيبها. المشهد الثالث والأخير ختام المسرحية، وفيه يشخص الأراجوز وفرقته نهاية العمل كله، ونتيجة التحقيق المتصل الذي قام به الحفيد كي يعرف دمل العائلة، وينكأه، بأن يحكي هذا كله كي يتحرر منه. والمسرحية بعد مكتوبة بدرجة عالية من الإبداع والاتقان والإحكام: مشاهد صغيرة متتابعة (يسميها فصولا، ويضع لكل عنوانا موجزا دالا)، وشخوص مرسومة بعناية وحساسية، يتقصى المسرحي دوافع سلوكها ومواقفها بدقة (وهو هنا أقرب ما يكون الى عمله السابق »طقوس الإشارات والتحولات، 95« الذي وصفته بأنه »دراسة في حالات مسرحية«)، ولأن الحب لحمة العمل وسداه، فإن الكثير من جمل الحوار يحمل رفيف الشعر وروحه المجنحة. وما أروع أن يكتب لنا سعد الله ونوس وهو على ما نعرف جميعاً أغنية عذبة عن الحب.