As Safir Logo
المصدر:

مقاربة.شوبنهاور والزواج الوقوع تحت رعب شخص آخر(صورة)

المؤلف: رايموند ديديه التاريخ: 1997-05-16 رقم العدد:7692

»لم يتحدث أي فيلسوف مثل شوبنهاور عن الجنسانية وبمثل هذا الإصرار، تاريخ وسواسي يفضح الآثار المخرّبة الرئيسية للزواج وللزواج الأحادي« كانت الجنسانية إشكالاً عظيماً في حياة شوبنهاور. وغالباً ما تناول قلمه تأملاته حول الحضور الوسواسي للغريزة الجنسية: »الشهوة الجنسية ليست مسألة ذوق ومزاج، مثل الرغبات الأخرى، لكونها هي الرغبة التي تصوغ جوهر الإنسان نفسه.. فهي التفكير والإلهام اليومي للشاب وللكهل أحياناً كثيرة، وهي الفكرة الراسخة والرؤية اللجوجة التي تفرض نفسها بلزوب على الإنسان العفيف«. وتناول باكراً، في مقتبل عمره، المعاناة التي يسببها الحضور الوسواسي للرغبة الجنسية قائلاً: »يا شهوة، يا جهنم/ آه أيتها الغريزة، آه أيها الحب/ مستحيل الإرواء/ اقتلعتني من الأعالي السماوية/ وقذفتني في/ غبار الأرض/ حيث أرقد مغلولاً«. وبعد أن تقدم به العمر، امتدح الكهولة أيضاً لكونها أراحته من هذا العذاب: »إن الحوافز الأقوى للاختلاط الاجتماعي من حب النساء والغريزة الجنسية تنتقد سطوتها في هذه اللحظة. ويخلق تردد الجنس عند الكهل امكانية لولادة مقدرة الاكتفاء الذاتي« فلقد جعل من زهده التجربة القصوى لمسعاه الفلسفي. عرف شوبنهاور في حياته الشخصية، عما يتحدث. فعلاقاته كانت عاصفة سمّمها الكرب الشديد والغيرزة العنيفة، واتسمت دوماً بالانقطاعات الطويلة. وعاش شوبنهاور فترات طويلة من حرمان الذات، جعلته يظهر استياءه ازاء »كلبيته« الجنسانية، ويلاحظ بحنق: »الحاجة الجنسية هي الأشد عنفاً من بين شهواتنا، إنها غريزة غرائزنا«. وكشف نيتشه أن افتتانه بزهد الهندوس كان افتتاناً »بمعاقبة« غريزة سيئة الإشباع. لم يتحدث أي فيلسوف عن الجنسانية (التي لم تفُت فرويد) بهذا الإلحاح مثل شوبنهاور. وكان يذهله مقدار عبودية الإنسان لهذه الحاجة. وكتب يرصد حضورها الكلي: »الغريزة الجنسية سبب الحرب وهدف السلام، وهي أساس كل فعل جدي، وموضوع جميع الدعابات«. ويلحظ أيضاً حالات التعاسة التي تسببها، ويتناول قلمه باستفاضة حالة التيه الذي يمكن أن تقود الرغبة الجنسية إليه: »لا نتردد، لإشباعها، في المجازفة بالحياة«. من أجل البعض »هذه العاطفة تقودهم إلى الانتحار«. ويختم: »أسهم مميتة، عماء وأشرعة، هذه هي صفاتها«. إنما عند شوبنهاور يتضاعف هذا الذهول، ازاء استعباد الجنسانية والحضور الكلي لها في أشكال السلوك البشري، باندهاش أمام الظهور اللاعقلاني، وحالة الاستلاب، التي تجسدها هذه الرغبة الواضحة بالتجربة الجنسية. ولأن هذه الضرورة، هذه الحاجة التي لا تقهر، التي يختبرها الرجل، هي نفسها مجانية، أي بشكل ما هي ضرورة غير ضرورية... ويختبر الرجل لاعقلانية الرغبة بشكل عام من خلال الرغبة نفسها: »لنقل إنها لم تكن حتى من نمط يتنهد سوام اSwamب بطل مارسيل بروست. ويقاسي الرجل أيضاً وبشكل متقد الطابع الوهمي، والاستشباحي للرغبة الشديدة في التجربة الجنسية. فالرغبة الجنسية لا تعدو كونها سراباً مثل الرغبات الأخرى: »تماثل النزوات التي تنتجها الغريزة الجنسية التوهجات المستنقعية«. فهي تولّد أكثر الأوهام اتقاداً. وإذا ما اتبعناها، فإنها تقودنا إلى المستنقع وتتلاشى«. ومع ذلك على الرجل إشباع هذه الحاجة لأنها ستأخذ شكلاً تعذيبياً إذا لم تُشبع لوقت طويل »أينبغي الخلاص من هذا العذاب!« يتعجب نيتشه مرة أخرى بينما يقرأ إحدى القرائظ الكثيرة التي كتبها شوبنهاور حول الزهد. الدعارة أم الزواج تحت تصرُّف الرجل حلان لإشباع هذه الحاجة: الدعارة أو الزواج. لا ينصح شوبنهاور صراحة بالحل الأول ولكنه يستهجن، وبشكل قاطع، الثاني. فللعاهرة كل تعاطفه. فهي تشبع الرجل تاركة له مطلق حريته. تقدم للرجل مفاتن جسدها ولا تفرض عليه سيكولوجيتها. ولكنها تجازف بإيصاله الى القبر. فالأمراض الجنسية وخاصة السفلس »المميت والمنتشر زمن شوبنهاور مثل السيدا اليوم« كانت تسمم العلاقات الجنسية. »منذ أن حملت جعبة الحب أسهماً مسمومة، دخلت العلاقات المتبادلة بين الجنسين عنصراً مغايراً، عدائياً، سأقول شيطانياً، أشبعها بتهديد قاتل أسود«. ولأن شوبنهاور حذر ورهابي إلى حد ما، فإنه لم يأخذ بهذا الحل. يبقى الزواج الأحادي، ويرفضه أيضاً شوبنهاور. يؤمِّن الزواج، وهو مصيب، الراحة الجنسية: »إن السؤال عما إذا كان من الأفضل الزواج أو عدمه، يقود في حالات كثيرة إلى السؤال عما إذا كانت الحاجات الجنسية تتغلب على الحاجات الغذائية«. ويعتبر شوبنهاور الزواج لغزاً غامضاً، مواجهة مفجعة تفضي دوماً إلى النقطة ذاتها: »الزواج هو أن يفعل المرء ما يمكنه للوقوع تحت رعب شخص آخر«. ألا يصطدم الرجل دوماً، وعن كثب، بالعيوب الكثيرة التي تُتهم بها النساء: طيش، دلال، تبذير، ظلم، خيانة وخداع الزوج. ويطرح شوبنهاور بالإضافة الى ذلك، قائمة بمساوئ الزواج: النفقات، رعاية الأطفال، العناد، النزوات، الكهولة أو البشاعة بعد مضي عدة سنوات، الخداع، والخداع الزوجي، الهوى الشاذ، هجمات الهستيريا، العشيق، جهنم والشيطان!«. أليس من المزعج أن نتذكر أن »نصف المدخول يذهب بين أيدي تجار الأزياء، البياضات والخياطين«. ويختم شوبنهاور ان الزواج عبارة عن دين استقرض في الصبا ونسدده بعد نضوج العمر. ويستشهد بغراشيان (Gracian) الذي يطلق على العقد الرابع من عمر الرجل اسم »مرحلة الجمل«، فقط لأن لديه امرأة وأطفالاً: يصبح الشباب، بزواجهم، دوابّ لحمل زوجاتهم. وكان شعاره: الزواج، الحرب والفقر! ثمن الإشباع الجنسي، بالنسبة إلى شوبنهاور، مكلف جداً، كما نرى، ولا يضمنه سوى الزواج بشكل أساسي. من ناحية أخرى، فالرغبة الجنسية آلية عمياء لا تنحد بموضوع، هناك زواج الحب. وهذا صحيح، ولكن هذا الزواج بالنسبة إلى شوبنهاور ذو استمرارية قصيرة: »هناك أيضاً زواج الحب. ما دام مشروعاً مستقبلياً وما دمنا نراه قادماً، فإنه جنة الشهوة، ولكن عندما يتحقق ونعتبره صار خلفنا، يظهر كشيء تافه ومن دون معنى«. وعندما يكون الرجل عاجزاً عن تحديد رغبته، فإن السبب أنه محكوم بالتأكيد بعدم الإشباع وعدم الإرضاء. فالرجال لا يعرفون ما يريدون لأنهم لا يدركون حقيقة ما يرغبون. والحالة هذه فالزواج يسجن طبيعة مجنونة إلى حد ما ضمن أطر الشرعية، ويقصرها على شريك واحد، وينشد تقيد الرغبة بربطها بموضوع محدود. أخيراً بالنسبة إلى شوبنهاور، تتجاوز الجنسانية المصلحة الفردية لتخدم مصالح النوع مباشرة. »لا تستطيع الطبيعة بلوغ هدفها إلا بخلق وهم ما عند الفرد، يعتبر الفرد بموجبه من مصلحته الشخصية وهي في الحقيقة مصلحة النوع العمل من أجل النوع، في الوقت الذي يتوهم فيه أنه يعمل من أجله هو نفسه«. وإن غاية الفعل الجنسي ليست سوى ولادة طفل، فالمرأة متواطئة في نصب فخ الطبيعة. ويدفع الرجل غالياً ثمن لحظة الشهوة هذه ولا يمتلك حتى مبادرة حماقاته. إنه مهندس النوع، خادم إرادة الحياة، ويتوهمها على أنها إرادته. ومن هنا غرابة بعض الافتتانات: »ويمكن لعاشق أن يدرك بوضوح العيوب القاتلة في مزاج عروسه وشخصيتها، التي تعده بحياة كلها عذاب ومعاناة، لكن على الرغم من ذلك كله نراه لا يكل عن الانتكاس«، لأنه، كما يقول شوبنهاور: »لا يبحث عن مصلحته، وإنما عن ثالث سيولد«. إذاً يصل شوبنهاور إلى نتيجة مفادها أن الزواج الأحادي ليس سوى مصيبة تحوّل الرجل إلى إنسان سيئ الحظ، عن طريق »مضاعفة واجباته وخسارة نصف حقوقه«. ويكشف شوبنهاور للنساء أيضاً عن الآثار المؤذية للزواج وللزواج الأحادي: »تقود قوانين الزواج الأحادي والميزة التي يمنحها للمرأة، بإعلانه مساواتها مع الرجل، الرجال الحساسين والنبيهين إلى عدم الانزلاق أو السقوط في تسوية على هذه الدرجة من الغبن«. فكثير من النساء لن يجدن مَن يأخذهن، والكثيرات منهن ينتهين على الرصيف؛ إما عوانس أو عاهرات. وليس الثمانون ألف عاهرة في لندن سوى قرابين ضُحِّي بها على مذبح الزواج: »كل سيئات الحظ لسن سوى تكفير لا بد للسيدة الأوروبية من تقديمه بسبب عجرفتها وادعاءاتها«. ولمواجهة هذا الكابوس الذي يمثل الزواج، ثمة حل يفرض نفسه على شوبنهاور: إنه حل الطاقم الثلاثي »الزوج الزوجة العشيق« حيث تنقلب سيئات الزواج الثلاث المذكورة آنفاً إلى حسنات ثلاث. أولاً، بمجرد حضور العشيق تتحطم سرية الزواج، ويحمل معه قليلاً من الهواء الجديد، ويمكن أن ينوب عن الزواج في أيام التعب أو فتور الهمة. إنه حليف ثمين يضمن استمرارية الزوجين. ثانياً، يعد هذا الحل بإحباط هندسة النوع، والاحتيال على مقاصد الطبيعة (فالأطفال يتربون بشكل مشترك ومن دون معرفة والديهم البيولوجيين). ثالثاً، إن هذا الحل، »زوج زوجة عشيق«، يعالج مسألة عدم الإشباع الطبيعي للرغبة الجنسية وذلك بالسماح للرجل والمرأة بالبحث عن إشباعها مع شريك آخر.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة