لا نريد ان ندخل في جدل سياسي مع أحد، غير اننا سنتناول الامر من الناحية القانونية المحض، وإبداء بعض الملاحظات. فالمجلس الدستوري شخصية معنوية، تتمتع بالاستقلال التام عن مجلس شورى الدولة وعن مكتبه، وعن سائر السلطات القضائية والسياسية والتشريعية والتنفيذية. صحيح ان تركيبة المجلس الدستوري تتميز بطابعين: قضائي وسياسي، ويعود ذلك الى طريقة تعيين أعضائه (النصف بالانتخاب من المجلس النيابي، والنصف الآخر بالتعيين من قبل مجلس الوزراء)، وهذا له تأثير كبير على وضعيته وتحصينه وحصانته، ولكن، بدون شك، صفته الغالبة هي الطابع القضائي باعتباره يبحث في دستورية القوانين، وقراراته مبرمة نهائية تتمتع بقوة القضية المقضية. والمجلس الدستوري، عندنا في لبنان، أنشئ بموجب المادة /19/ من الدستور المعدل لمراقبة دستورية القوانين والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية. والواقع ان قانون إنشاء المجلس الدستوري قد انطوى على نقص وثغرات وعدم وضوح، حتى في الصياغة. فالمادة /19/ المعدلة من الدستور المنوه عنها آنفا نصت على ثلاث حالات تتعلق بصلاحية المجلس الدستوري، هي: 1 مراقبة دستورية القوانين. 2 البت بالنزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية. 3 البت حصرا بالاحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني، وأُعطت الحق بمراجعة المجلس الى الرؤساء الثلاثة (رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء) او عشرة أعضاء من مجلس النواب، في ما يتعلق بمراقبة دستورية القوانين، والى رؤساء الطوائف المعترف بها قانونا في ما يتعلق حصرا بما هو مبين في البند الثالث أعلاه. فحسب الفقرة الاولى من المادة /19/ المذكورة، أنشئ المجلس الدستوري »لمراقبة دستورية القوانين«، وهذا يعني وجوب وضع يده حكما على القوانين للقول بدستوريتها أم لا، كما تعنيه كلمة »مراقبة«، والا فان حصر المراجعة بالرؤساء الثلاثة او بعشرة أعضاء من مجلس النواب، لا يفي بالغرض الذي أنشئ من اجله المجلس الدستوري. ولا ضرورة لشرح ذلك، والاسباب كثيرة يعرفها الجميع وتناقض كلمة »مراقبة«. والاحرى ان تعدل المادة تلك بالنسبة للنظر بدستورية القوانين وحق المراجعة على الشكل التالي مثلا: »يضع المجلس الدستوري يده على القوانين للقول بدستوريتها أو لا، في الحالات التالية: 1 حكما وتلقائيا بدون مراجعة من احد بصفته مراقبا لدستورية القوانين. 2 بمراجعة كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير العدل. 3 بمراجعة عشرة اعضاء من مجلس النواب. 4 بمراجعة كل من نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس. وطبعا، تبقى المراجعة ضرورية وواجبة للبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية من اصحاب العلاقة والمصلحة. وهذه أمور تحتاج الى بحث طويل، يبعدنا عن موضوعنا الاساسي. إستقالة ملاّط عادية نأتي الى استقالة رئيس المجلس الدستوري النقيب وجدي ملاط، فنرى انها أمر عادي وحق لكل قاض في أية مؤسسة او محكمة إذا وجد نفسه بحاجة الى ذلك. والنص على رد القضاة او التنحي منصوص عنه في جميع قوانين العالم، وفي قانون أصول المحاكمات المدنية عندنا في لبنان. وكما يحق للمتقاضين طلب رد القضاة، يحق للقاضي ان يتنحى او يستقيل،00 وله ملء الحرية في هذا الشأن. ومن ثم، فقد استقال الرجل لأسباب تخصه، لم يفصح عنها حتى الآن، برغم كل الشائعات والاستنتاجات والتكهنات والاقاويل التي لا علاقة له بها على الإطلاق، حيث شعر بأنه لم يعد باستطاعته القيام بما يمليه عليه عقله وضميره وقناعته، وهذه ذروة في الأخلاق والمسلكية والنقاء، وخط في الشهامة والكرامة لا يُعلى عليه. فهل يريدون منه ان يتمارض وينقل الى المستشفيات؟ أو ينسب لنفسه علة ما لينجو من النظر بأمر غير مقتنع به؟ ويزعمون ان النقيب ملاط نسب الى زملائه في المجلس الدستوري الوقوع تحت الضغط، والصحيح اننا قرأنا في الصحف انه قال: لم يعد يستطيع المتابعة لفقدان الانسجام بينه وبين الآخرين. وصرح بأنه لم يتعرض شخصيا للضغط، ولا يعرف اذا كان زملاؤه قد تعرضوا أو لا، ويعتقد أنهم لم يتعرضوا لذلك. إذاً، لم يتهم احدا، والاتهام موجه من غير النقيب ملاط، فليبحثوا عنه إذا أرادوا. ومن ثم، لو افترضنا انه قال ذلك، فكل الناس تعرف ان القضاة يتعرضون للضغوط، والذين ينتقدونه، وبدون وجه حق، يعترفون بأن القضاة يتعرضون لذلك، فلماذا يستنكرون عليه استقالته!؟ هل يريدونه ان يبقى مغرّدا خارج سربه، مغطيا التدخلات، ساكتا عن المفارقات والشوائب اذا وجدت، وشيطانا أخرس؟ فليعينوا غيره رئيسا وليتابعوا مع من يريد ان يتابع ويستمر، فمعالي الوزير جنبلاط، قال منذ مدة، ان القضاة يتعرضون للضغط، وهو احد الذين يمارسون مثل هذا الضغط، فلماذا لم تقم القيامة؟ والنواب يسمون، بحق او بغير حق، من يقع تحت الضغط من قضاة المجلس الدستوري، فلماذا لم يتحرك احد؟ ويزعمون ان الرئيس النقيب ملاط أفشى سر المذاكرة!؟ وسر المذاكرة يتعلق بموضوع القضية، في الشكل والاساس، وليس بالاحاديث والروايات عن الضغط والتأثر، سواء أكان ذلك صحيحا أو غير صحيح. ويبدو ان هؤلاء من أخوة »عنزة ولو طارت«! والذين تحدثوا عن موضوع المراجعات، في الشكل والاساس، ليس النقيب ملاط، بل غيره، ابتداء من وسائل الاعلام وانتهاء بوكلاء الطاعنين. فأحد هؤلاء الوكلاء، وهو نائب سابق، قال على شاشة التلفزيون، ان بعض الطعون ثابتة، وهناك طعن مقبول، ولو لم يكن وكيلا لسمّى ذلك، وهو معروف من الجميع، ومعروف اسم الطاعن الذي وكله!! وكرت السبحة في كل وسائل الاعلام وسموا الذين قُبلت طعونهم وحددوا ذلك. وبعد استقالة الرئيس ملاط صدرت الصحف وسمّت الذين اجمع المجلس الدستوري، بغياب رئيسه المستقيل، على فسخ نيابتهم، وسمت الذين سيحلون محلهم، وأعلنت ان الخلاف داخل المجلس الدستوري الآن، يدور حول إعلان ونشر مخالفة العضو المخالف أو لا. فمن أين جاءت الصحف بهذه المعلومات التي هي بالفعل إفشاء لسر المذاكرة!؟ اما التهويل والتهديد، وتدخل مجلس شورى الدولة وبعض الوزراء، فهذه خارجة عن اختصاصهم، الأمر الذي أخذ منحى خطيرا أضر بمصلحة القضاء والمؤسسات والوطن. فالوزير المعني ذكر ان الرئيس ملاط أخذ تعويضا بقيمة /400/ مليون ليرة لبنانية، من دون ان يبيّن مصدر التعويض، مع العلم بأن هذا التعويض يتعلق باستملاك عقارات يملكها النقيب ملاط، كما صرح للصحف. ولجان الاستملاك، كما هو معروف، يترأسها قضاة، فإن قضوا بالعدل يكن الرئيس ملاط وصل الى حقه المشروع القانوني، وان جنحوا للباطل وقضوا بغير الحق، يكن معالي الوزير قد اتهمهم بالانحراف والفساد وعدم النزاهة، وهذا لا يجوز بدون إثبات ودليل، بينما نراه مع غيره، يدافعون عن نزاهة القضاء!!؟ بالاضافة الى كل ما تقدم، فان مكتب مجلس شورى الدولة لم يرفع كتابه او »قراره« الى وزير العدل »حصرا«، بل نشرته جميع الصحف وعلقت عليه بتاريخ 24/4/1997، تحت عنوان عريض: »مجلس شورى الدولة يطلب تحريك النيابة العامة في الاستقالة«. وتحت عنوان »قرار الشورى«، ورد في الصحف حرفيا: »وهنا نص قرار مجلس الشورى الخاص بإستقالة ملاط«! فظهر الأمر وكأنه محاكمة، صدر على أثرها قرار، وهذا لا يجوز ومخالف لأبسط المفاهيم القانونية، وخرق لأحكام الدستور، وتدخل سافر بصلاحيات المؤسسات الاخرى. والقول إن مجلس الشورى معني بالموضوع، لا يتفق مع نصوص القانون لأنه يمثل القضاء الإداري ولا علاقة او صلاحية له بالموضوع، وإن اشترك ثلاثة من اعضائه في تشكيل المجلس الدستوري، وإلا أصبح لنقابة المحامين الحق بالتحرك لأن الرئيس ملاط نقيب سابق للمحامين وعضو حكما في مجلس النقابة الحالي، وأضحى لكل مؤسسة اشترك احد اعضائها في تشكيل المجلس الدستوري الحق بالتدخل، وان تتحرك وتداعي وتزعم!! والواقع ان حجة مجلس الشورى بالتدخل، تنعكس سلبا على اعضائه المعنيين؛ اذ يذهب الظن، وبعض الظن إثم، الى أنهم المقصودون في ما يُقال ويشاع، وهذا لا يجوز. والمستغرب ان مكتب مجلس الشورى استشهد بالمادة /19/ من نظامه التي تنص على حقه في »السهر على حسن سير القضاء الاداري وعلى هيبته واستقلاله«! فهل أصبح المجلس الدستوري قضاء إداريا خاضعا لإشراف مجلس الشورى الذي »يسهر على حسن سيره وهيبته واستقلاله«!!؟ والمعروف بداهة وقانونا، انه لا يجوز لأي قضاء التدخل في شؤون القضاء الآخر مهما كانت الاسباب، وإلا دبت الفوضى، وانتهت المؤسسات. والأغرب هو تبني مكتب مجلس الشورى ما نشرته الصحف، ووضع المسؤولية على الرئيس ملاط، حيث ورد في »قرار« المكتب: »ان ما قيل يرتب مسؤولية، ولا يفوقها الا التغاضي عنها. لذا يقتضي الكشف والتحريك والحساب«!! والمفارقة تكمن في الخروج على احكام القوانين والدستور والاختصاص، وتبني اسلوب جديد في مخاطبة الآخرين، مسؤولين وغير مسؤولين، وبشكل صارخ غير مقبول يتجاوز كل الصلاحيات والحدود. والمثل على ذلك، هو القول إن هناك مسؤولية على الرئيس ملاط، »ولا يفوقها إلا التغاضي عنها«. وقد تغاضى عن كل ذلك معالي وزير العدل وصرّح أمام كل وسائل الإعلام بأنه لن يفعل شيئا بهذا الموضوع. وهنا تفوق مسؤوليته مسؤولية النقيب ملاط المزعومة، حسب »قرار« مجلس الشورى، فلماذا لا يطلب هذا الأخير تحرك النيابة العامة ضد الوزير الذي تفوق مسؤوليته مسؤولية الرئيس ملاط، حسب الزعم السابق!؟ والأغرب من كل ذلك هو ما ختم به مكتب مجلس الشورى، »قراره«، حيث ورد: »بناء على ما تقدم يطلب مكتب مجلس شورى الدولة من وزير العدل تحريك النيابة العامة لإجراء المقتضى القانوني، وإفادة المكتب عن نتيجة تلك الاجراءات لكي يتخذ القرارات المناسبة في هذا الشأن«! هنا لم يعد المجلس الدستوري وحده فقط تابعا لمجلس شورى الدولة، بل أصبح وزير العدل تابعا له كذلك، وكأننا أمام النيابة العامة التي تطلب الى رؤساء المخافر التحقيق والإفادة!! فهل هذا مقبول؟ وهل يمكن ان يتم التخاطب بهذا الشكل؟ ومن ثم، ماذا يستطيع مجلس شورى الدولة ان يتخذ من إجراءات!؟ هل أمسى هو المسؤول الأعلى السياسي والعدلي والمالي والإداري والدستوري ليراقب الجميع ويأمرهم، ويتخذ الاجراءات ضد الجميع!؟ »وفي تمام الساعة11 رفعت الجلسة«!! إذاً، عقد مكتب مجلس شورى الدولة جلسة، وجرت المحاكمة، وصدر قرار تمهيدي، يقضي بتكليف وزير العدل تنفيذه تحت طائلة المسؤولية التي تفوق مسؤولية النقيب ملاط المزعومة، اذا »تغاضى« عن ذلك!! وأما بشأن الدعوى المقامة ضد الرئيس النقيب وجدي ملاط من قبل احد اعضاء مجلس شورى الدولة، فإنها غير مسموحة وغير مقبولة من الناحية القانونية. لقد ترددت كثيرا قبل الإقدام على دفع هذه الملاحظات الى النشر، لأن بين من وقعوا »قرار« مكتب مجلس الشورى، احد كبار القضاة علما وفكرا ونزاهة، وقلت في نفسي لعلني المخطئ لأن هذا القاضي العالم النزيه، لا يمكن ان يوقع هكذا بدون دافع. وأخيرا اقتنعت بما توصلت اليه، فمعذرة من ذلك القاضي الكبير الصديق الفاضل مع محبتي وتقديري، مع التأكيد ان انتقاد شخص من هيئة او مؤسسة لا يعني انتقاد كل اعضاء الهيئة او المؤسسة، واذا وُجد من ينحرف عن الاستقامة والنزاهة، فلا يعني ان الآخرين منحرفون وغير نزيهين؛ فعمّ الرسول عليه السلام وبعض أقربائه كانوا منحرفين، وأحد تلاميذ السيد المسيح عليه السلام كان خائنا، والقاضي الكبير المنوه عنه، يعرف الكثير، ولكن بالتأكيد يرمي الى حفظ الهيبة، عله مع أمثاله يستطيعون الإصلاح. * الامين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب